وكالة أنباء الحوزة - لفكرة "المهدوية" في الإسلام جذور قرآنية راسخة، فالكتاب العزيز يبشر بانتصار الحق على الباطل، وتمكين الصالحين واستخلافهم في الأرض. ورأى مفسرو الشيعة، وجمع من علماء أهل السنة - معتمدين على أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وآراء كبار علماء المسلمين - أن هذه الآيات تبشر بظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه).
في هذا الجزء، نقدم تعريفات أولية لثلاثة مفاهيم أساسية لا غنى عنها لفهم النص القرآني في هذا المجال، على أن نعرض في الأجزاء القادمة نماذج من الآيات القرآنية التي تناولت قضية المهدوية بشكل مباشر وواضح.
المفاهيم الأساسية
1. التفسير
مفرده "فَسَّرَ"، وفي اللغة يعني: الإيضاح والكشف. وفي الاصطلاح: "إزالة الإبهام عن اللفظ الصعب"، كما يشمل "رفع الغموض عن دلالة الكلام".
يحتاج التفسير إلى جهد كبير، لأنه يُستخدم في المواضع التي يشوب اللفظَ نوعٌ من الإبهام يؤدي إلى غموض المعنى. وبما أن بعض آيات القرآن خافية على عامة الناس، فقد أوكل الله مهمة بيانها وكشف معناها إلى أهل الاختصاص ممن يملكون الصلاحية والقدرة ونالوا تأييد الله تعالى.
2. التأويل
مفرده "أَوَّلَ"، وفي اللغة يعني الرجوع إلى الأصل. وتأويل الشيء يعني: رده إلى أصله ومصدره. وتأويل اللفظ المتشابه يعني: توجيه ظاهره بشكل يجعل المعنى الحقيقي الأصلي يتجلى منه.
وقد وردت كلمة "تأويل" في القرآن بثلاثة معانٍ رئيسية:
الأول: توجيه ظاهر اللفظ أو العمل المتشابه بشكل صحيح مقبول عقلاً ونقلاً. قال الله تعالى في كتابه: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ... وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} (آل عمران: 7).
الثاني: تفسير الأحلام، وقد تكرر هذا المعنى ثماني مرات في سورة يوسف، ومنه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} (يوسف: 6).
الثالث: العاقبة والمآل، أي الغاية التي ينتهي إليها الأمر، كما قال الله تعالى: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} (الكهف: 78).
أما المعنى الرابع - وهو لم يرد في القرآن صراحة وإنما جاء في تراث السابقين - فهو: انتزاع مفهوم عام وواسع من آية نزلت في واقعة خاصة. ويُسمى هذا المعنى أحياناً "البطن" أي المعنى الثانوي الخفي الذي لا يُفهم من ظاهر اللفظ، في مقابل "الظهر" أي المعنى الأولي المتبادر من النص القرآني وفق قواعد اللغة.
هذا المعنى الأخير واسع جداً، وهو الذي يكفل للقرآن أن يكون صالحاً لكل زمان ومكان؛ لأنه لولا استخلاص المفاهيم الشاملة من الحالات والموارد الخاصة، لظلت آيات كثيرة بلا فائدة سوى ثواب التلاوة والترتيل.
وللتأويل شروط وضوابط مذكورة في كتب التفسير.
3. التطبيق (إسقاط الحكم على الواقع)
في آيات القرآن، وردت نصوص كثيرة بصيغة العموم اللفظي تصلح لأن تنطبق على أناس ووقائع مختلفة في كل عصر، فيشمل كل من يصدر عنه عمل مماثل لما ورد في النص.
انطلاقاً من هذه المفاهيم، سنعرض في الأجزاء التالية بعض الآيات التي تحدثت عن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) وثورته العالمية، ونبين كيف يفسرها العلماء ويؤولونها ويطبقونها على الواقع.
وللحديث بقية ستأتي في الأجزاء القادمة إن شاء الله.
والجدير بالذكر أن هذا الجزء مُقتبس من كتاب "درسنامه مهدویت" (بحوث منهجية في المهدوية) للمؤلف خدامراد سليمانيان مع بعض التعديلات.
لمراجعة المبحث باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرر: أ. د
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك