المهدوية في القرآن الكريم (الجزء الثاني)

وكالة الحوزة - من هم المستضعفون الذين وعدهم الله في القرآن بوراثة الأرض؟ وما هي الشروط التي يجب أن تتوفر فيهم لتحقيق هذا الوعد الإلهي؟ وهل يكفي أن يكونوا مستضعفين فقط، أم لا بد من الإيمان والمؤهلات أيضاً؟

وكالة أنباء الحوزة - بعد أن تعرّفنا على المفاهيم الأساسية لفهم النص القرآني، نأتي الآن إلى استعراض نماذج من الآيات التي استدل بها المفسرون على قضية المهدوية. وإليك بعض الآيات القرآنية التي تحدثت عن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) وثورته العالمية:

الآية الأولى

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (سورة الأنبياء، الآية 105)

تشير هذه الآية إلى أحد أبرز الجزاءات الدنيوية للصالحين، وهو الحكم والسيادة على الأرض. وقد وردت روايات متعددة فسّرت هذا الحدث العظيم بعصر ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه).

مفردات الآية

الزبور: هو كتاب داود (عليه السلام) – أو ما يُعرف في العهد القديم بـ"مزامير داود" – وهو مجموعة من المناجاة والأدعية والمواعظ.

الذكر: معناه الأصلي ما يُتذكّر به. وفي الآية – بقرينة وروده قبل الزبور – فُسّر بالكتاب المنزل على موسى (عليه السلام)، أي التوراة.

الأرض: تُطلق على الكرة الأرضية كاملة، إلا إذا قامت قرينة خاصة على خلاف ذلك.

الإرث: انتقال الشيء إلى شخص دون معاوضة أو بيع. وقد ورد في القرآن الكريم بمعنى التمكين والغلبة التي يحصل عليها قوم صالحون على قوم فاسدين، واستلامهم لنعمهم وإمكاناتهم، كما حصل لبني إسرائيل بعد هلاك فرعون وقومه. كما قال الله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} (الأعراف: 137)

دلالات الإضافة والوصف

بما أن الله أضاف «العباد» إلى نفسه في قوله «عِبَادِيَ»، فإن ذلك يدل على عقيدة هؤلاء العباد وإيمانهم بالله وتوحيدهم له. أما وصفهم بـ"الصالحين"، فيُفهم منه أنهم يمتلكون كل المؤهلات: العمل والتقوى، والعلم والوعي، والقوة والقدرة، والتدبير والنظام، والفهم الاجتماعي.

فحينما يمتلك العباد المؤمنون هذه المؤهلات، يؤيدهم الله تعالى وينصرهم على المستكبرين.

لا بد للمستضعفين من الإيمان والمؤهلات للتمكين في الأرض

قد يظن البعض من ظاهر قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (القصص: 5) أن الاستضعاف وحده سبب للنصر على الأعداء والتمكين في الأرض. ولكن الآية التي بين أيدينا (من سورة الأنبياء) تؤكد أن ذلك خطأ، فلا يكفي أن يكون الإنسان مستضعفاً ليحقق النصر على أعدائه ويحكم الأرض؛ بل لا بد من وجود الإيمان واكتساب المؤهلات. فالمستضعفون في العالم لن يصلوا إلى حكم الأرض ما لم يحيوا هذين الأصلين.

ملاحظات حول الآية

1. آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كمصداق أبرز

ورد في تفسير هذه الآية عن الإمام الباقر (عليه السلام): «هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ، يَبْعَثُ اللَّهُ مَهْدِيَّهُمْ بَعْدَ جَهْدِهِمْ فَيُعِزُّهُمْ وَيُذِلُّ عَدُوَّهُمْ» (الغيبة للطوسي، ص184)

ومن الواضح أن هذا التفسير لا يعني الحصر، بل هو إشارة إلى أبرز مصاديق الآية وأكملها. وهذه التفاسير لا تحدّ من عمومية مفهوم الآية، ففي كل زمان ومكان، حينما يقوم العباد الصالحون، سينتصرون ويظفرون، وسيكونون في النهاية ورثة الأرض وحكامها.

2. بشارة حكم الصالحين في مزامير داود (عليه السلام)

وردت هذه العبارة أو ما يشابهها في عدة مواضع من مزامير داود، مما يدل على أن هذا الجزء – رغم ما لحق الكتب السماوية السابقة من تحريف – ظل محفوظاً من التغيير. وفيما يلي نصوص هذه المواضع كما وردت في الترجمات المعتمدة للكتاب المقدس:

  • المزمور 37، العددان 9-10: « لأَنَّ عَامِلِي الشَّرِّ يُقْطَعُونَ، وَالَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الرَّبَّ [أي المتوكلون على الله] هُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ يَكُونُ الشِّرِّيرُ. تَطَّلِعُ فِي مَكَانِهِ فَلاَ يَكُونُ»
  • المزمور 37، العدد 11: « أَمَّا الْوُدَعَاءُ [أي المتواضعون] فَيَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ»
  • المزمور 37، العدد 18: « الرَّبُّ عَارِفٌ أَيَّامَ الْكَمَلَةِ [أي أيام أهل الصلاح والكمال]، وَمِيرَاثُهُمْ إِلَى الأَبَدِ يَكُونُ»
  • المزمور 37، العدد 22: «لأَنَّ الْمُبَارَكِينَ مِنْهُ [أي من الله] يَرِثُونَ الأَرْضَ، وَالْمَلْعُونِينَ مِنْهُ يُقْطَعُونَ»
  • المزمور 37، العدد 29: «الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الأَرْضَ وَيَسْكُنُونَهَا إِلَى الأَبَدِ»

ويلاحظ أن المعنى الذي عبّر عنه القرآن بـ "الصالحين"، ورد بنفس المضمون في هذه النصوص من مزامير داود، وإن اختلفت الألفاظ. فقد وردت عناوين أخرى تحمل نفس المعنى، مثل: الصديقين (أي الصالحين)، والمتوكلين (أصحاب الثقة بالله)، والمباركين (أصحاب البركة الإلهية)، والودعاء (المتواضعين)، والكملة (أي أهل الكمال والصلاح). وهذه العناوين كلها تدل على عمومية حكم "الصالحين"، وتتفق مع الأحاديث الواردة عن قيام الإمام المهدي (عجل الله فرجه).

3. حكم الصالحين سنة إلهية في الكون

يجب أن ندرك أن كل أنواع الحكم الظالمة والمستبدة تتعارض مع نظام الخلق وسنن الوجود؛ أما النظام المتوافق مع هذه السنن فهو حكم الصالحين المؤمنين. لقد دل نظام الكون بوضوح على أن هناك نظاماً اجتماعياً صحيحاً سيتحقق في المستقبل، وهذا هو المستفاد من الآية الكريمة والأحاديث المتعلقة بقيام المصلح العالمي الأعظم (راجع: "تفسير نمونه" بالفارسية، ج13، أو ترجمته العربية "تفسير الأمثل"، ج10، ذيل الآية 105 من سورة الأنبياء).

وللحديث بقية ستأتي في الأجزاء القادمة إن شاء الله.

والجدير بالذكر أن هذا الجزء مُقتبس من كتاب "درسنامه مهدویت" (بحوث منهجية في المهدوية) للمؤلف خدامراد سليمانيان مع بعض التعديلات.

لمراجعة المبحث باللغة الفارسية يرجى الضغظ هنا.

المحرر: أ. د

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha