وكالة أنباء الحوزة - إن الاعتقاد بـ "المهدوية" وفكرة ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) – خلافاً لما يتوهمه البعض – ليس مختصاً بالشيعة، بل هو جزء مهم من العقيدة الإسلامية، قام على بشارات النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) التي تواترت بين جميع الفرق والمذاهب الإسلامية.
وفي مجال المعتقدات الإسلامية، قلّما نجد موضوعاً حظي بهذه الأهمية والاهتمام البالغ. فقد وردت أحاديث المهدي (عجل الله فرجه) في كثير من كتب أهل السنة المشهورة، وتناولت صفاته، وعلامات ظهوره، ومكان خروجه، وبيعة الناس له، وعدد أنصاره، وغير ذلك من التفاصيل.
وقد اشتهر بين المسلمين عبر التاريخ أن رجلاً من أهل البيت (عليهم السلام) سيظهر في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، ويتبعه المسلمون، واسمه "المهدي". كما أشار إلى ذلك عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته حيث قال: «اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي». (مقدمة ابن خلدون، فصل في أمر الفاطمي)
وفي المقابل، نجد بعضاً ممن أنكروا المهدوية وعدّوها فكرة شيعية بحتة، بدعاوى واهية لا تصمد أمام كثرة الأحاديث والتصانيف العلمية في هذا الباب. فبمراجعة كتب أهل السنة، يتبين أن موضوع المهدوية قد ورد بكثرة فيها، كما أن تدوين كتب حديثية مستقلة في هذا الشأن يؤكد مكانتها الرفيعة عندهم.
وتنقسم المصادر السنّية في المهدوية إلى قسمين:
القسم الأول: الكتب العامة
في هذه الكتب، وردت أحاديث المهدي ضمن الأبواب العامة كالفتن والملاحم، أو في ثنايا الأبواب المناسبة، وتناولت صفاته، ونسبه، وسيرته، وحياته، وكيفية ظهوره وحكمه، وغير ذلك. ومن أبرز هذه الكتب:
1. المصنف
لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت 211هـ). وقد خصص فصلاً بعنوان "باب المهدي" روى فيه أكثر من عشرة أحاديث، ثم أتبعه بباب "أشراط الساعة". ويُعدّ هذا الكتاب أول ما صنّفه أهل السنة في جمع أحاديث المهدي بشكل منظم.
2. الفتن
للحافظ أبي عبد الله نعيم بن حماد المروزي (ت 229هـ). وقد جمع فيه أحاديث كثيرة عن المهدي وصفاته، وأحداث عصره، ورتبه في عشرة أقسام، كانت الأقسام الأربعة الأولى في الفتن العامة، وما يتعلق بالمهدي جاء ابتداء من القسم الخامس.
3. المصنف في الأحاديث والآثار
لعبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي (ت 235هـ). وقد أفرد في الجزء السابع، ضمن كتاب "الفتن"، باباً في المهدي، روى فيه مجموعة من الأحاديث التي تصرح باسمه، وتذكر نسبه، وصفاته، ومدة حكمه، وعمره، وعلامات ظهوره.
4. مسند أحمد بن حنبل
للإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ)، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة. وقد روى في مسنده أحاديث متعددة عن المهدي (عجل الله فرجه)، جُمِعَت في مجموعة مستقلة بعنوان "أحاديث المهدي من مسند أحمد بن حنبل"، نُشِرَت ملحقة بكتاب "البيان في أخبار صاحب الزمان". ويُعدّ مسند أحمد من أكثر المصادر الحديثية المبكرة جمعاً لأحاديث المهدي.
5. سنن ابن ماجه
لمحمد بن يزيد أبي عبد الله القزويني (ت 275هـ)، وهو من المحدثين المعروفين عند أهل السنة، ويُعدّ كتابه من الصحاح الستة. وقد خصص ضمن كتاب "الفتن" من سننه باباً مستقلاً بعنوان «باب خروج المهدي»، جمع فيه طائفة من الأحاديث في شأنه.
6. سنن أبي داود
لسليمان بن الأشعث أبي داود السجستاني (ت 275هـ)، وهو من الصحاح الستة. وقد أفرد في سننه كتاباً مستقلاً بعنوان "كتاب المهدي"، مما يجعله من المصادر الحديثية المهمة في باب المهدوية عند أهل السنة.
7. الجامع الصحيح
لمحمد بن عيسى أبي عيسى الترمذي السلمي (ت 279هـ)، وهو من كتب الصحاح الستة. ورغم أن عدد الأحاديث الواردة فيه عن المهدي (عجل الله فرجه) قليل، إلا أنها بأسانيد جيدة، وتحتوي على معلومات جامعة حول شخصيته وصفاته وعلامات ظهوره.
8. المستدرك على الصحيحين
لمحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405هـ). وقد ذكر أحاديث المهدي (عجل الله فرجه) في فصل خاص ضمن كتاب "الفتن والملاحم" من المستدرك، كما أوردها في مواضع متفرقة أخرى. وتناولت هذه الأحاديث موضوعات متنوعة: نسبه، وصفاته الجسمانية، والأحداث التي تسبق ظهوره، ووقت قيامه، وغير ذلك من المسائل المتعلقة به.
9. كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال
لعلاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي (ت 975هـ)، وهو من أشهر الموسوعات الحديثية وأوسعها عند أهل السنة. وقد أفرد المؤلّف – الذي له تأليف مستقل عن المهدي بعنوان "البرهان في علامات مهدي آخر الزمان" – في كنز العمال باباً خاصاً بعنوان "خروج المهدي"، جمع فيه عشرات الأحاديث من مصادر مختلفة، إضافة إلى ما ورد منها في أبواب متفرقة.
القسم الثاني: الكتب الخاصة بالمهدي (عليه السلام)
لم يكتفِ علماء السنة بإيراد أحاديث المهدي في كتبهم العامة، بل أفردوا لها مصنفات مستقلة، من أبرزها:
1. الأربعون حديثاً
لأبي نعيم الأصفهاني (ت 420هـ)، أحد كبار علماء أهل السنة. وهذا الكتاب غير موجود اليوم، وقد نقله العلامة الإربلي في كتابه "كشف الغمة في معرفة الأئمة". وقد قال الإربلي قبل ذكر الأحاديث: «وقع إليّ أربعون حديثاً جمعها الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني في أمر المهدي (عليه السلام)، أوردتها سرداً كما أوردها، واقتصرت على ذكر الراوي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)».
2. البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام)
لأبي عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي (ت 658هـ). وقد رتب في هذا الكتاب أحاديث المهدي (عجل الله فرجه) وصفاته وخصائصه في أبواب منسقة، بأسلوب خاص. وفي مقدمته، صرّح المؤلف – رداً على من اتهم عقيدة المهدوية بأنها مختصة بالشيعة – أنه يورد في كتابه الأحاديث المروية من طرق أهل السنة فقط، ويتجنب ذكر الروايات الشيعية، ليؤكد أن المهدوية عقيدة إسلامية أصيلة. وقد جمع في هذا الكتاب سبعين حديثاً، رتبها في خمسة وعشرين باباً، وتناول فيها بعض جزئيات أحوال المهدي (عليه السلام) بالتفصيل. ومن اللافت أن الكنجي – خلافاً لإنكار أكثر علماء السنة ولادة المهدي – جعل آخر أبوابه بعنوان: «في الدلالة على جواز بقاء المهدي حياً»، مما يدل على أنه لم يقرّ بولادته فحسب، بل نفى أي استغراب من طول عمره.
3. عقد الدرر في أخبار المنتظر
ليوسف بن يحيى بن علي المقدسي الشافعي (ت 658هـ). يُعدّ هذا الكتاب من المصادر النادرة في بابه، من حيث شموليته واتساعه، وقد كان مرجعاً مهماً للكتب التي ألفت بعده. وقد صرّح المؤلف في مقدمته بداعي التأليف، حيث قال: «جرت مذاكرة بحضرة بعض الإخوان، في أنه قد قلَّ المُوالي من الناس، وكثر الخوّان، وارتفعت الأسعار، وقلَّت البركات، وتوالت الآفات... فزعم بعضهم أن الأمر لا يزداد إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدباراً». فردّ عليهم المؤلف بأن الأحاديث الواردة في هذا المعنى لا تدل على استمرار هذه الشدائد إلى قيام الساعة، بل زوالها يكون بخروج الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، فقد بشرت بظهوره أحاديث جمة. ثم أشار إلى أن بعض الناس ينكرون المهدوية بالكلية، ومنهم من يزعم أنه «لا مهدي إِلَّا عِيسَى بن مريم»، فردّ على هذين القولين بأن الأحاديث الواردة تنكرهما وتدل على أن المهدي (عجل الله فرجه) من ولد فاطمة (عليها السلام)، وأن عيسى (عليه السلام) سيصلي خلفه.
وقد جمع المؤلف في هذا الكتاب الأحاديث الواردة في شأن المهدي (عجل الله فرجه)، وذكرها بدون أسانيدها، مكتفياً بذكر مصادرها الأصلية، دون التعرض لتصحيحها أو تضعيفها، ورتبها بعد مقدمة لافتة في اثني عشر باباً.
4. العرف الوردي في أخبار المهدي (عليه السلام)
لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911هـ). وقد جمع فيه أحاديث الإمام المهدي (عجل الله فرجه) بشكل موسع ومبسوط. وقد طُبع هذا الكتاب ضمن مجموعة رسائل السيوطي المعروفة بـ "الرسائل العشر"، التي ضُمَّت بدورها في الموسوعة الكبرى "الحاوي للفتاوى".
وقد قال المؤلف في مستهل هذه الرسالة: «هذا جزء جمعتُ فيه الأحاديث والآثار الواردة في المهدي، لخصتُ فيه "الأربعين" التي جمعها الحافظ أبو نعيم، وزدتُ عليه ما فاته، ورمزتُ عليه صورة (ك)».
5. البرهان في علامات مهدي آخر الزمان
لعلاء الدين علي بن حسام الدين المتقي الهندي (ت 975هـ). وهو من أهم المصنفات المستقلة في باب المهدوية، جمع فيه المؤلف أكثر من مائتين وسبعين حديثاً تتعلق بالإمام المهدي (عجل الله فرجه) وعلامات ظهوره وأشراط الساعة، ورتّبها في أبواب متنوعة.
خلاصة القول
إن عقيدة المهدوية ليست مختصة بالشيعة، بل هي من العقائد الإسلامية الأصيلة التي تواترت أخبارها في مصادر أهل السنة، وتجلى اهتمامهم بها من خلال إيرادها في كتبهم الحديثية، وتخصيص مصنفات مستقلة لها.
وللحديث بقية ستأتي في الأجزاء القادمة إن شاء الله.
والجدير بالذكر أن هذا الجزء مُقتبس من كتاب "درسنامه مهدویت" (بحوث منهجية في المهدوية) للمؤلف خدامراد سليمانيان مع بعض التعديلات.
لمراجعة المبحث باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرر: أ. د
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك