وكالة أنباء الحوزة - بعد أن استعرضنا في الأجزاء السابقة ثلاث آيات من الآيات التي وردت في شأن الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، نواصل في هذا الجزء استعراض بعض آيات أخرى تتحدث عنه وعن ثورته العالمية.
الآية الرابعة
{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة البقرة، الآية 148)
وردت روايات متعددة عن أهل البيت (عليهم السلام) فسّرت قوله تعالى: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} بأنه إشارة إلى جمع أصحاب الإمام المهدي (عجل الله فرجه) عند ظهوره.
عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير هذه الآية، قال: «يَعْنِي أَصْحَابَ الْقَائِمِ الثَّلَاثَ مِائَةٍ وَالْبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. قَالَ: وَهُمْ وَاللَّهِ الْأُمَّةُ الْمَعْدُودَةُ. قَالَ: يَجْتَمِعُونَ وَاللَّهِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قَزَعٌ كَقَزَعِ الْخَرِيفِ». (الكافي، ج8، ص313)
وعن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: «وَذَلِكَ وَاللَّهِ أَنْ لَوْ قَدْ قَامَ قَائِمُنَا يَجْمَعُ اللَّهُ إِلَيْهِ شِيعَتَنَا مِنْ جَمِيعِ الْبُلْدَانِ». (بحار الأنوار، ج52، ص291)
وهذا التفسير يُعدّ من قبيل بطون الآيات؛ إذ للقرآن الكريم، وفقاً للروايات، معاني متعددة: ظاهر عام، وباطن خاص لا يعلمه إلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) ومن شاء الله.
ومن هذا المنطلق، فإن الله الذي يَقدر على جمع أجزاء البشر المتناثرة يوم القيامة، قادرٌ بسهولة على جمع أنصار المهدي (عجل الله فرجه) في يوم واحد وساعة واحدة لإقامة حكومة العدل الإلهي والقضاء على الظلم.
الآية الخامسة
{بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} (سورة هود، الآية 86)
ورد في روايات متعددة أن «بَقِيَّةَ اللَّهِ» قد فُسِّرت بالإمام المهدي (عجل الله فرجه) أو بغيره من الأئمة (عليهم السلام).
عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «وَأَوَّلُ مَا يَنْطِقُ بِهِ – أي المهدي (عليه السلام) – هَذِهِ الْآيَةَ: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا بَقِيَّةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ». (كمال الدين وتمام النعمة، ج1، ص330)
ومع أن المخاطب في الآية هم قوم شعيب، والسياق يدل على أن المراد بـ «بقيّة الله» هو الربح الطيب، أو رأس المال الحلال، أو الثواب الإلهي – حيث كانت الآية السابقة تأمر بالوفاء في الكيل والميزان والعدل في التعامل: {يَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} – إلا أن المفهوم الواسع للآية يشمل كل خير إلهي باقٍ للعباد. وبناءً على هذا المفهوم الواسع، فإن جميع الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) يُعدّون من مصاديق «بقيّة الله».
وبما أن المهدي الموعود (عجل الله فرجه) هو آخر الأئمة والخاتَمُ لهم، فهو من أبرز مصاديق «بقيّة الله» وأحقّهم بهذا اللقب؛ لأنه الباقي الوحيد بعد سلسلة الأنبياء والأئمة (عليهم السلام).
الآية السادسة
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (سورة التوبة، الآية 33)
تكرّرت هذه الآية – مع اختلاف يسير – في سورتي الصف والفتح، مما يدل على أهمية الحدث الذي تخبر عنه، وهو انتشار الإسلام في كل الأرض.
بعض المفسرين فسّروا النصر المذكور في الآية بأنه نصر محدود تحقق في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو في العصور التالية. ولكن بما أن الآية مطلقة من كل قيد، فلا موجب لتحديدها، بل إنّ معناها هو الغلبة المطلقة للإسلام على جميع الأديان في العالم.
ومع أن هذا الأمر لم يتحقق بعد، إلا أن وعد الله به حتمي، وهو يتحقق تدريجياً. وعلى وفق الروايات، فإن كمال هذا البرنامج سيكون بظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) لتحقيق الانتشار العالمي للإسلام.
وروى الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية، أنه قال: «وَاللَّهِ مَا نَزَلَ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ وَلَا يَنْزِلُ تَأْوِيلُهَا حَتَّى يَخْرُجَ الْقَائِمُ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فَإِذَا خَرَجَ الْقَائِمُ لَمْ يَبْقَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا مُشْرِكٌ بِالْإِمَامِ إِلَّا كَرِهَ خُرُوجَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ كَافِرٌ أَوْ مُشْرِكٌ فِي بَطْنِ صَخْرَةٍ لَقَالَتْ: يَا مُؤْمِنُ، فِي بَطْنِي كَافِرٌ، فَاكْسِرْنِي وَاقْتُلْهُ». (كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص670)
وخلاصة القول:
هذه الآيات الست – كما ورد في الروايات – تحمل بشارات واضحة بظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه). وقد ذكر بعض علماء الشيعة أن الآيات المتعلقة بالمهدوية تزيد على مائة وعشرين آية، ولكننا اكتفينا هنا بهذا القدر، ويمكن الرجوع إلى الكتب المفصلة في هذا المجال.
وللحديث بقية ستأتي في الأجزاء القادمة إن شاء الله.
والجدير بالذكر أن هذا الجزء مُقتبس من كتاب "درسنامه مهدویت" (بحوث منهجية في المهدوية) للمؤلف خدامراد سليمانيان مع بعض التعديلات.
لمراجعة المبحث باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرر: أ. د
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك