وكالة أنباء الحوزة - بعد أن استعرضنا في الجزئين السابقين الآية 105 من سورة الأنبياء التي بشرت الصالحين بوراثة الأرض، والآية 5 من سورة القصص التي وعدت المستضعفين بالنصر والتمكين، وكلتاهما فُسِّرَت بظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، نواصل في هذا الجزء استعراض آية أخرى تتحدث عنه.
الآية الثالثة:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(سورة النور، الآية 55)
في الآية السابقة من نفس السورة أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله، حيث قال: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}. وتأتي هذه الآية (55) لتكمل السياق، وتعلن عن نتيجة هذه الطاعة في نهاية المطاف، وهو الحكم العالمي، حيث تشير إلى ثلاثة وعود إلهية للمؤمنين الصالحين:=
1- الاستخلاف والحكم في الأرض
2- نشر دين الحق في العالم
3- زوال أسباب الخوف وانتعاش الأمن والاستقرار
والنتيجة أن الناس في هذا العصر سيعبدون الله في حرية تامة، ويطيعون أمره، ولا يُشركون به شيئاً، ويُعمِّرون الأرض بالتوحيد الخالص.
ملاحظات حول الآية
1. مَن هم المستخلفون في الأرض؟
تشير الآية إلى أن هناك أقواماً سبقوا المسلمين نالوا خلافة الأرض. فمَن هؤلاء؟
بعض المفسرين رأوا أنهم أنبياء مثل: آدم وداود وسليمان (عليهم السلام)، مستندين إلى آيات قرآنية تحدثت عن خلافتهم:
- آدم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: 30)
- داود: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} (ص: 26)
- سليمان: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} (النمل: 16)
العلامة الطباطبائي (رحمه الله) استبعد هذا الرأي، مبيّناً أن تعبير {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} في القرآن لا يُطلَق عادةً على الأنبياء، بل على أمم سابقة كانوا مؤمنين صالحين ونالوا الحكم في الأرض.[1]
فريق آخر يقول إن المراد هو بنو إسرائيل، الذين تم تمكينهم في الأرض بعد هلاك فرعون، كما قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} (الأعراف: 137) وقوله: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} (القصص:6)
2. هذا الوعد لمن يكون؟
وعد الله في هذه الآية بالتمكين والنصر والأمن لمجموعة من المؤمنين الصالحين، ولكن مَن هم بالضبط؟
تشير بعض الروايات إلى أن المراد بـ {الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} هم المؤمنون الصالحون من هذه الأمة، وأن مصداقها الأكمل هو الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، كما سيأتي في الأحاديث المروية عن أهل البيت (عليهم السلام).
وقد وردت روايات كثيرة عنهم (عليهم السلام) تؤكد هذا المعنى، منها:
- ما روي عن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية، قال: «نَزَلَتْ فِي الْمَهْدِيِّ (عليه السلام)» (الغيبة للطوسي، ص177)
- وذكر صاحب «مجمع البيان» عن أهل البيت (عليهم السلام) ما نصه: «والمروي عن أهل البيت (عليهم السلام): أنها في المهدي من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). وروى العياشي بإسناده عن علي بن الحسين (عليه السلام) أنه قرأ الآية، وقال: هُمْ وَاللهِ شِيعَتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، يَفْعَلُ اللهُ ذَلِكَ بِهِمْ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنَّا، وَهُوَ مَهْدِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): "لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ، لَطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، حَتَّى يَلِيَ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي، اسْمُهُ اسْمِي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا". وروي مثل ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام).» (مجمع البيان، ج7، ذيل الآية)
وقد قال العلامة الطباطبائي في تفسير «الميزان» في هذا الصدد ما نصه: «وهذا المجتمع الطيب الطاهر على ما له من صفات الفضيلة والقداسة، لم يتحقق ولم ينعقد منذ بعث النبي (صلى الله عليه وآله) إلى يومنا هذا. وإن انطبق، فلينطبق على زمن ظهور المهدي (عليه السلام) على ما ورد من صفته في الأخبار المتواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، لكن على أن يكون الخطاب للمجتمع الصالح، لا له (عليه السلام) وحده.
فإن قلت: ما معنى الوعد حينئذ للذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات، وليس المهدي (عليه السلام) أحد المخاطبين حين النزول، ولا واحد من أهل زمان ظهوره بينهم؟ قلت: فيه خلط بين الخطابات الفردية والاجتماعية، أعني الخطاب المتوجه إلى أشخاص القوم بما هم أشخاص بأعيانهم، والخطاب المتوجه إليهم بما هم قوم على نعت كذا. فالأول لا يتعدى إلى غير أشخاصهم، ولا ما تضمنه من وعد أو وعيد أو غير ذلك يسري إلى غيرهم. والثاني يتعدى إلى كل من اتصف بما ذكر فيه من الوصف، ويسري إليه ما تضمنه من الحكم. وخطاب الآية من القبيل الثاني على ما تقدم.
ومن هذا القبيل أغلب الخطابات القرآنية المتوجهة إلى المؤمنين والكفار، ومنه الخطابات الذامة لأهل الكتاب وخاصة اليهود بما فعله أسلافهم، وللمشركين بما صنعه آباؤهم... فالحق أن الآية إن أعطيت حق معناها، لم تنطبق إلا على المجتمع الموعود الذي سينعقد بظهور المهدي (عليه السلام).» (الميزان، ج15، ذيل الآية)
ويفسّر «الأمثل» الآية بمعنى أوسع، فيقول ما نصّه: «لا ريب في أنّ هذه الآية تشمل المسلمين الأوائل، كما أنّ حكومة المهدي (عجل الله فرجه) مصداق لها، إذ يتفق المسلمون كافة من شيعة وسنة على أن المهدي (عجل الله فرجه) يملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد أن ملئت جوراً وظلماً. ومع كل هذا لا مانع من تعميمها...
وأمّا قول البعض: إنّ كلمة "الأرض" مطلقة وغير محددة، وتشمل كلّ الأرض، وبذلك تنحصر بحكومة المهدي (أرواحنا له الفداء)، فهو لا ينسجم مع عبارة {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}، لأن خلافة وحكومة السابقين بالتأكيد لم تشمل الأرض كلها. وإضافة إلى ذلك فإنّ سبب نزول هذه الآية يبيّن لنا – على أقلّ تقدير – وقوع مثل هذا الحكم في عصر النبي (صلى الله عليه وآله)، رغم حدوثه في أواخر حياته.
ونقولها ثانية: إنّ نتيجة جهود جميع الأنبياء والمرسلين هو حصول حكم يسوده التوحيد والأمن الكامل والعبادة الخالية من أيّ نوع من الشرك، وذلك حين ظهور المهدي (عجل الله فرجه)، وهو من سلالة الأنبياء (عليهم السلام) وحفيد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو المقصود في هذا الحديث الذي تناقله جميع المسلمين عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ، لَطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، حَتَّى يَلِيَ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي، اسْمُهُ اسْمِي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا".» (الأمثل، ج11، ذيل الآية)
خلاصة القول:
مما تقدم يتبين أن الآية الكريمة تحمل وعداً إلهياً عظيماً للمؤمنين الصالحين، وأنه وإن كان قد تحقق نموذج منه في صدر الإسلام - كما جاء في بعض التفاسير - فإنّ أكمل مصاديقها وأتمها هو ما سيتحقق على يد الإمام المهدي (عجل الله فرجه) حين يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] راجع الميزان في تفسير القرآن، ذيل الآية 55 من سورة النور، حيث قال العلامة الطباطبائي: «فمن المستبعد أن يعبر عن أنبيائه الكرام بلفظ (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وقد وقعت هذه اللفظة أو ما بمعناها في أكثر من خمسين موضعا من كلامه تعالى ولم يقصد ولا في واحد منها الأنبياء الماضون مع كثرة ورود ذكرهم في القرآن. نعم ذكرهم الله بلفظ (رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) أو (رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي) أو نحوها بالإضافة إلى الضمير الراجع إلى النبي (صلىاللهعليهوآله).»
وللحديث بقية ستأتي في الأجزاء القادمة إن شاء الله.
والجدير بالذكر أن هذا الجزء مُقتبس من كتاب "درسنامه مهدویت" (بحوث منهجية في المهدوية) للمؤلف خدامراد سليمانيان مع بعض التعديلات.
لمراجعة المبحث باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرر: أ. د
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك