وكالة أنباء الحوزة - بعد أن استعرضنا في الجزء السابق كيفية تعامل هوليوود مع فكرة المنقذ، ننتقل في هذا الجزء إلى استعراض نماذج أخرى من الأفلام والمسلسلات التي تعكس رؤية الغرب للمنقذ في سياقات آخر الزمان. وفي هذا الإطار، تواصل هوليوود استكشاف موضوعات آخر الزمان، مستخدمةً أحداثاً متنوعة كالفيضانات، والزلازل، والذكاء الاصطناعي، والحروب النووية، والعقم، وغيرها.
النساء.. الباقيات الوحيدات على وجه الأرض
تتناول بعض الأعمال الهوليوودية سيناريوهات أكثر غرابة، فعلى سبيل المثال في سلسلة "الرجل الأخير" (The Last Man)، يموت جميع رجال الأرض بسبب مرض غامض، باستثناء رجل واحد، لتصبح النساء هنّ الباقيات الوحيدات، اللواتي يواجهن تحديات اجتماعية وسياسية نتيجة فقدان الرجال. ورغم أن هذه الأعمال تهدف غالباً إلى الترفيه، إلا أنه لا ينبغي التغافل عن الأفكار والأيديولوجيات الكامنة وراء إنتاجها، والتي تؤثر في وعي المشاهد.
الاعتماد على الإنجازات البشرية... حل النجاة من كوارث آخر الزمان
من الحقائق التي لا تُنكر في العديد من أفلام هوليوود، تركيزها الخاص على صنع سيناريوهات متنوعة لآخر الزمان، وتصوير منقذ لا يمت بصلة إلى الغيب.
مسلسل (Fallout) الصادر عام 2024، وهو عمل درامي لما بعد أحداث آخر الزمان، يروي حياة البشر في فترة ما بعد دمار الأرض بالقنابل النووية.
في هذا المسلسل، لا توجد أي إشارة إلى القضايا الدينية أو الاعتقادية، بل يُشار في أحد مشاهده بوضوح إلى أن السبيل الوحيد للنجاة من كوارث آخر الزمان وتحقيق المدينة الفاضلة، يكمن في الاعتماد على الإنجازات البشرية وحدها، دون أي دور للخالق.
النظرة الإنسانية إلى المنقذ في سينما الغرب
فيلم "محطم الثلج" (Snowpiercer) الصادر عام 2013، يروي قصة مجموعة من الناجين على الأرض بعد كارثة آخر الزمان، وهم يعيشون في قطار.
أبرز ما يميز هذا القطار هو الفجوة الطبقية الهائلة، مما أدى إلى ثورة الطبقات الدنيا ضد الطبقات العليا بقيادة شخص يدعى كورتيس.
هذا الشخص، رغم ماضيه المظلم، يُصوَّر كنوع من المنقذ لأهل الطبقات الدنيا في القطار، لكن قراراته الخاطئة تؤدي إلى حادث يدمر القطار بأكمله، ولا ينجو سوى شخصين.
في هذا الفيلم، لا وجود لأي منقذ إلهي، بل يعتمد البشر على شخصية أرضية بحتة، مما يؤدي إلى دمار القطار.
في الحقيقة، يشهد الفيلم نقداً للمنقذ المطلق والثقة به، وهو نابع من النظرة الإنسانية للسينما الغربية، في حين أن الثقة بمنقذ إلهي متصل بالوحي يمكن أن توفر أفضل حياة للبشرية جمعاء.
عائلة أمريكية.. منقذة العالم
فيلم الرسوم المتحركة "عائلة ميتشل في مواجهة الآلات" (The Mitchells vs. the Machines) يحكي قصة عائلة "ميتشل" التي تواجه أثناء رحلة برية تمرد الآلات والذكاء الاصطناعي.
الفيلم يتناول تهديدات التكنولوجيا في آخر الزمان بلغة فكاهية، ويُظهر كيف يمكن أن يؤدي اعتماد البشر على الذكاء الاصطناعي إلى كارثة. لكن في خضم هذه الفوضى، هناك رسالة خفية: "العائلة هي المنقذ الحقيقي الوحيد!"
عائلة ميتشل – وهي عائلة أمريكية تسير في سيارة فورد أمريكية - تثبت رغم كل اختلافاتها أن الحب والتضامن العائليين يمكن أن ينتصرا حتى على أكثر تهديدات آخر الزمان تطوراً، ويُحوِّلانها إلى منقذة للعالم.
ورغم أن الفيلم يصور أهمية الأسرة والتضامن بين أفرادها بشكل جيد، إلا أنه وفقاً للصيغة السائدة في سينما هوليوود المرتبطة بآخر الزمان، لا يوجد أي أثر لمنقذ إلهي، والمنقذون هنا هم بشر علمانيون بالكامل.
ملامح المجتمعات في عصر ما بعد آخر الزمان في أفلام هوليوود (1)
تُصوِّر هوليوود في معظم أفلامها التي تتناول آخر الزمان وما بعده، مجتمعات تتسم بملامح سلبية ومستقبل قاتم. ومن أبرز هذه الملامح، عودة الإنسان إلى حياة قاسية تقوم على القبلية والعشائرية.
في بعض أعمال هذا النوع، نرى الناجين على الأرض يعودون إلى نمط الحياة القبلي، ويضعون عاداتهم وقوانينهم الخاصة، ويسعون إلى قطع صلَتهم بالآخرين.
مسلسل "انظر" (SEE) هو نموذج بارز لهذه الحياة القبلية في عصر ما بعد آخر الزمان، حيث يُصوِّر بشراً، بعد سنوات مديدة من القرن الحادي والعشرين، تجمعوا في قبائل مختلفة، وهم في صراع دائم من أجل البقاء ضد القبائل الأخرى.
ملامح المجتمعات في عصر ما بعد آخر الزمان (2)
تُصوِّر هوليوود في معظم أفلامها عن آخر الزمان وما بعده، مستقبلاً قاتماً، ومن أبرز ملامحه النظام الطبقي والفجوة الطبقية الحادة.
هذه الظاهرة واضحة في مسلسل "الصومعة" (Silo)، حيث يضطر الناجون إلى العيش في صوامع تحت الأرض بسبب عدم صلاحية سطح الأرض للحياة. غير أن هذه الصوامع تعكس تفاوتاً طبَقياً صارماً؛ فالطبقات العليا، التي تتمتع بظروف أفضل، تضم أصحاب المناصب الإدارية، بينما تقبع الطبقات السفلى من الصوامع، حيث يقطن فيها العمال والضعفاء، الذين يُكرهون على الأعمال الشاقة والظروف القاسية.
ويتكرر هذا المضمون في أعمال أخرى مثل مسلسل "Snowpiercer" (محطم الثلج)، حيث تُحدد الفروق الطبقية مكانة الأفراد في عربات القطار المختلفة.
ملامح المجتمعات في عصر ما بعد آخر الزمان (3)
من السمات البارزة في معظم أفلام هوليوود المرتبطة بما بعد آخر الزمان، تصوير حياة تعمُّها المخاوف والتهديدات الناجمة عن الكوارث السابقة، حيث يعيش الناجون في ظل خوف دائم من المخاطر المتبقية.
فيلم (Finch) هو نموذج لهذا النوع، حيث يروي قصة رجل وكلبه، في محاولة لمواجهة هذه التهديدات والتغلب على الخوف والقلق.
وهذا يتناقض مع ما يقدمه الإسلام، الذي يرسم مستقبلاً مشرقاً للبشرية بعد ظهور المنقذ، حيث تعيش المجتمعات في أمان وسلام كاملين تحت حكم الإمام المهدي (عليه السلام).
من المنقذ الفردي إلى المنقذ الجماعي
النظرة السكولارية لسينما الغرب إلى آخر الزمان جعلت مواجهة أزماته تقع على عاتق بشر أرضيين ماديين، لا يملك أي منهم وحده القدرة على القيام بدور المنقذ النهائي. وبناءً على ذلك، شكّلت السينما تدريجياً نموذجاً للمخلّص الجماعي، وهو ما يعلن بوضوح قطيعته مع أي منقذ إلهي.
في سينما هوليوود التي تركز على المنقذ، ظلّ لسنوات إنقاذ العالم مهمة قائد فريد يواجه الظلام والفساد والكوارث، كما يُرى ذلك في شخصية "نيو" في فيلم "ماتريكس". لكن هذا النمط تغيّر في العقود الأخيرة، خاصة مع ظهور عالم مارفل السينمائي، حيث لم تعد أزمات آخر الزمان قابلة للحل بقائد واحد، بل أصبحت تتطلب فريقاً من الأبطال بقدرات وخصائص متنوعة، يجتمعون لإنقاذ الأرض. الخلاص في هذا المنهج الجديد ليس عمل فرد، بل ثمرة تعاون جماعي.
عندما تملّ هوليوود من المنقذ
كانت هوليوود وما زالت عاشقة للمنقذ؛ ذلك البطل الذي يخرج من قلب الظلام لينقذ البشرية ويُحيي الأمل. لطالما كان هؤلاء المنقذون العمود الفقري للسينما الغربية، لكن في السنوات الأخيرة، بدأ تحوّل دقيق في السرديات، وظهر توجه جديد نحو قضية المنقذ في هوليوود، ينمو بجانب النهج القديم (الترويج للمنقذ).
هوليوود اليوم لم تعد تفكر فقط في المنقذ، بل أصبحت تنقده أيضاً!
أحياناً يفشل المنقذ،
وأحياناً يتحول إلى تهديد أكبر من العدو،
وأحياناً لا يكون هناك أي خلاص، ويُدمَّر العالم!
ففي أفلام مثل "لا تنظروا إلى السَّماء" (Don't Look Up)، و"محطم الثلج" (Snowpiercer)، و"الكثيب" (Dune)، يُسمع هذا الرسالة: "المنقذون ليسوا دائماً الحل؛ بل قد يكونون هم المشكلة أحياناً." هذا التحول في النظرة يعكس أزمة عميقة في الثقة والروحانية في الغرب. مجتمع يشك في دينه، ودولته، وعلمه، وحتى في أبطاله، لم يعد قادراً على النظر إلى المنقذين بنفس النظرة التي كان ينظر بها من قبل.
(تجدر الإشارة إلى أن هذا الموضوع لا علاقة له بالمنقذ الإسلامي، بل هو نقد مطلق للنزعة إلى المنقذ في حد ذاتها.)
وأخيراً، انعدام التماسك في هوليوود اليوم
سينما الغرب، التي كانت تسابق فكرة المنقذ السماوي بتقديم "منقذين أرضيين"، دخلت الآن مرحلة "التخلص الكامل من المنقذ". إن إقصاء الأبطال البشر في عدد من الأعمال الجديدة، يعني موت "الأمل" وترسيخ هذا الاعتقاد الخطير بأن البشرية وحدها في مواجهة رعب آخر الزمان.
في الحقيقة، هوليوود اليوم ليست موحدة؛ بل هي منقسمة: من جهة، هناك تيار الأبطال الخارقين الذي لا يزال يقرع بقوة طبول المنقذ الأرضي لإرضاء حاجة الجمهور إلى البطل، ومن جهة أخرى، تيار يعمل على إزاحة المنقذ، ليصور الإنسان المعاصر أعزل ووحيداً.
وللحديث بقية ستأتي في الأجزاء القادمة إن شاء الله.
والجدير بالذكر أن هذا الجزء مُقتبس من مقال من إعداد المركز التخصصي للمهدوية في الحوزة العلمية بقم (مجموعة الغرب والمهدوية) مع بعض التعديلات.
لمراجعة المبحث باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرر: أ. د
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك