السبت 19 سبتمبر 2026 - 14:12
آية اللّه سعيديّ: الشعب يطالب بالثأر لدم القائد الشهيد ولدماء شهداء مدرسة ميناب

وكالة الحوزة - أكّد آية اللّه سعيديّ، إمام جمعة قم، أنّ الشعب الإيرانيّ، بعد أكثر من 200 ليلةٍ من الحضور في الميدان، يواصل المطالبة بالثأر لدم القائد الشهيد والقادة والعلماء وركّاب سفينة "دنا" والأطفال الأبرياء الذين استشهدوا في مدرسة "الشجرة الطيّبة" بمدينة ميناب، مشدّدًا على أنّ الإيمان بالنصرة الإلهيّة هو أساس الصمود ومواصلة المسيرة نحو النصر النهائيّ.

وكالة أنباء الحوزة - في كلمةٍ ألقاها خلال خطبتي صلاة الجمعة المنعقدة بتاريخ (18 سبتمبر 2026م) في مصلّى القدس بمدينة قم المقدّسة، أشار آية اللّه السيّد محمّد سعيديّ إلى ذكرى بدء الحرب المفروضة التي شنّها النظام البعثيّ العراقيّ على الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة بين عامي (1980-1988م) وقال: إنّنا هذا العام، وبالتزامن مع أسبوع الدفاع المقدّس، نشهد انتصار عمليّات أنصار اللّه في اليمن.

وأضاف: إنّ تحرير آلاف الكيلومترات من المناطق الاستراتيجيّة في اليمن من قبضة المرتزقة السعوديّين يشبه، من وجوهٍ عدّةٍ، تحرير مدينة خرّمشهر الإيرانيّة عام (1982م)؛ فكما أنّ تحرير خرمشهر غيّر معادلات الحرب المفروضة ضدّ إيران وأدهش العالم، فإنّ ما يقوم به اليوم المجاهدون المسلمون في اليمن، والذي أدّى إلى السيطرة على مضيق باب المندب، قد غيّر معادلة المواجهة مع السعوديّين وأثار دهشة العالم.

وتابع موضحًا: إنّ أبرز أوجه الشبه بين هاتين العمليّتين يتمثّل في المعتقدات والقناعات المشتركة بين مجاهدي جيش الإسلام في إيران والمجاهدين المسلمين في اليمن.

وأكّد قائلًا: إنّ العامل الأساسيّ في كلا الانتصارين هو النصرة الإلهيّة؛ فكما أنّ اللّه تعالى حرّر خرمشهر بالأمس، فقد حرّر اليوم باب المندب، ومنح جبهة المقاومة موقعًا جديدًا من حيث القوّة والاقتدار.

وحذّر ممثّل الوليّ الفقيه في قم قائلًا: على المستكبرين في العالم ومرتزقتهم في المنطقة أن يعلموا أنّ مسار تعزيز قوّة جبهة الإسلام والتقدّم نحو تحقيق النصر النهائيّ مستمرٌّ؛ لأنّ مجاهدي الإسلام، أينما كانوا، يؤمنون بقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 126].

وأضاف: علينا جميعًا أن نؤمن بهذا الوعد الإلهيّ وأن نبقى في الساحة حتّى تحقيق النصر النهائيّ. فقد بقي هذا الشعب المتمسّك بالولاية والمحبّ لوطنه والمؤمن لأكثر من 200 ليلةً في الميدان، إيمانًا بهذه النصرة الإلهيّة، ورفع رايات "يا لثارات الحسين" و"يا لثارات الخامنئيّ" وراية الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، وهو يطالب، بقبضاتٍ مشدودةٍ، بالثأر من العدوّ المجرم؛ لما ارتكبه من جرائم أدّت إلى استشهاد إمام الأمّة، والقادة، والعلماء، وركّاب سفينة "دنا"، والأطفال الأبرياء في مدرسة "الشجرة الطيّبة" في مدينة ميناب.

وتابع متولّي العتبة المقدّسة للسيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام): إن شعبنا يوجّه، بهتافاته، رسالةً إلى العالم مفادها أنّ كلّ من يفكّر في الاعتداء على الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، عليه أن يستعدّ لتلقّي الصفعات القويّة واللكمات الفولاذيّة.

وفي جانبٍ آخر من كلمته، أشار آية اللّه سعيديّ إلى بدء العامّ الدراسيّ الجديد، قائلًا: إنّ الإمام عليّ (عليه السلام) قال في ضرورة التعلّم في سنّ الصغر: «مَن لَم يَتَعَلَّمْ في الصِّغَرِ لَم يَتَقَدَّمْ في الكِبَرِ» (غرر الحكم: 8937).

وأكّد أنّ التلامذة والأطفال الذين هم في عهدة المؤسّسات الثقافيّة في البلاد هم أعزّ ثروات هذه الأمّة وأغلاها، موجّهًا خطابه إلى التلامذة بقوله: اجتهدوا في الدراسة، فمستقبل البلاد لكم.

وفي سياق كلمته، أحيا إمام جمعة قم ذكرى شهداء حادثة منى عام (2020م)، قائلًا: إنّ أمن الحجّاج وسلامتهم من القضايا البالغة الأهمّيّة. وإنّ حادثة منى ما تزال جرحًا لا يُنسى في قلب الأمّة الإسلاميّة.

وفي جانبٍ آخر من كلمته، هنّأ آية اللّه سعيديّ بذكرى ولادة الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، قائلًا: إنّ فترة الحياة المباركة والحافلة بالمخاطر للإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) تمثّل خاتمة المسيرة الطيّبة الممتدّة على مدى 250 عامًا؛ وهي مسيرة إنسانٍ كان يحمل في باطنه رسالة أحد عشر إمامًا، ساعيًا إلى إرساء حاكميّة التوحيد في المجتمعات الإنسانيّة وإقامة الحضارة الإسلاميّة. وقد سعى الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) إلى تنفيذ آليةٍ بديلةٍ عن القيادة المباشرة للأئمّة الحاضرين، بحيث تكون قادرةً على تلبية احتياجات الشيعة في عصر الغيبة. وقد تمثّل هذا المسار في تعيين النوّاب الخاصّين والنواب العامّين وولاية الفقيه.

وأضاف موضحًا: لقد اقترنت فترة إمامة الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) بقيودٍ شديدةٍ ومواجهةٍ مع الحكّام العباسيٍين الظالمين. وعلى الرغم من أن فترة إمامته لم تتجاوز 6 سنواتٍ، فإن أحداثًا مهمّةً وقعت خلالها، من أبرزها إعداد الشيعة لمرحلة الغيبة، وتعريف خواصّ الشيعة بالإمام الأخير، وإخماد الفتن العقائدية، والانتشار المتزايد لمذهب التشيّع.

كما أشار إمام جمعة قم إلى ذكرى وفاة السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، قائلًا: إنّ السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) غيّرت، بقدومها إلى قم، الجغرافيا المعنويّة لإيران؛ فهي أسوةٌ رفيعةٌ للفتيات الإيرانيّات في صون العفّة والحياء وبناء الحضارة، وهي سيّدةٌ علويّةٌ ثوريّةٌ، ذات حياةٍ عفيفةٍ، وصاحبة دورٍ وتأثيرٍ وبصيرةٍ.

وتابع قائلًا: من أبرز وجوهٍ تميّز السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) هو أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) قال، قبل ولادتها بسنواتٍ: «تَدْخُلُ بِشَفَاعَتِهَا شِيعَتِي الْجَنَّةَ بِأَجْمَعِهِمْ» (بحار الأنوار، ج57، ص228). كما أنّ العاقبة الحسنة من بركات زيارتها؛ وقد قال الإمام الجواد (عليه السلام): «مَن زارَ قَبْرَ عَمَّتي بِقُمَ فَلَهُ الجَنَّةُ» (كامل الزيارات، ج1، ص328).

وفي جانبٍ آخر من كلمته، بيّن آية اللّه سعيديّ أنّ ثمرة التقوى هي القرب من اللّه تعالى موضحًا: إنّ الإمام علي (عليه السلام) يصرّح في الرسالة 27 من نهج البلاغة بأنّ نتيجة التقوى هي نشوء اليقين والإيمان الراسخ في قلب المؤمن، اليقين بأنّه سيكون في جوار اللّه تعالى. ومن البديهي أنّ المقصود ليس القرب المكانيّ، لأنّ اللّه تعالى منزّهٌ عن المكان، وإنّما المقصود بلوغ أعلى درجات القرب المعنويّ.

ثمّ انتقل إلى تفسير الآية 29 من سورة الفتح قائلًا: إنّ سورة الفتح ترسم ملامح تكوّن الأمّة الفاتحة؛ فالآية 29 من أبرز الآيات التي تصوّر المجتمع المؤمن في إطارٍ يتجاوز المستوى الفرديّ والأخلاقيّ، وفي سياقٍ تاريخيٍّ واجتماعيٍّ ورساليٍّ.

وأضاف: تؤكّد هذه الآية العلاقة بين الوعد الإلهيّ والرسالة النبويّة والسكينة والطمأنينة والفتح والبيعة وتشكّل المجتمع المؤمن؛ ولذلك فإنّ الآية الأخيرة من سورة الفتح ليست مجرّد وصفٍ لأصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله)، بل هي صياغةٌ قرآنيّةٌ لنموذجٍ من نماذج بناء الأمّة؛ نموذجٌ ينهض فيه المجتمع المؤمن، بمحوريّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، على أساس التربية التوحيديّة والجهاد التاريخيّ ليبلغ مستوًى من التماسك والهويّة والرحمة والنماء.

وتابع: إنّ مكانة الآية 29 من سورة الفتح في البنية الختاميّة لهذه السورة المباركة ذات دلالةٍ بالغةٍ؛ إذ ورد في الآيات السابقة أن الهدف النهائيّ لرسالة النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) هو: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: 28].

وأوضح: إنّ الله تعالى يجيب في الآية الأخيرة من سورة الفتح عن سؤالٍ جوهريٍّ: كيف تتحقّق هذه الرسالة الإلهيّة؟ فيقول تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29].

وقال إمام جمعة قم: إنّ اللّه تعالى يصرّح في هذه الآية بأنّ الرسالة العالميّة للنبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) تتحقّق بدعم أصحابه المخلصين؛ فهم ينطلقون من مركز النبوّة، يحملون الرحمة في داخلهم، ويتّسمون بالصلابة في مواجهة جبهة الكفر، ويحيون بالعبادة وطلب الرضوان الإلهيّ، ولهم جذورٌ في تاريخ الوحي، ونموّهم تدريجيٌّ، ومآلهم المغفرة والأجر الإلهيّ.

وأضاف: وفق هذه التفاسير، ينبغي دراسة الآية 29 من سورة الفتح بما يتجاوز كونها تقريرًا تاريخيًّا؛ لأنّها تقدّم خريطةً مكثّفةً وعميقةً لبناء الأمّة المؤمنة؛ فابتداء الآية باسم النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ذو دلالةٍ حضاريّةٍ وتفسيريّةٍ بالغةٍ، إذ كان يمكن أن يبدأ اللّه تعالى بوصف المؤمنين مباشرةً، لكنّ هذا البدء يدلّ على أنّ الأمّة في منطق الإسلام تنشأ من مركزٍ رساليٍّ.

وتابع: إنّ الأمّة لا تمتلك هويّةً أصيلةً من دون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله). كما أنّ المجتمع المؤمن لا يقوم على أساس القوميّة أو الجغرافيا أو المصالح الجماعيّة؛ بل يستمدّ معناه من صلته برسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله).

وأوضح: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ليس مجرّد معلّمٍ لمجموعةٍ من المعتقدات الفردية، بل هو منطلق تأسيس المجتمع الرساليّ؛ أي إنّ الأمّة، أكثر من أن تُعرف بخصائص فرديةٍ وشخصيةٍ، تُعرّف من خلال علاقتها بالرسالة النبويّة. ذلك أن منطق القرآن في تحديد هويّة الأمّة ليس من الأسفل إلى الأعلى، بل من الأعلى إلى الأسفل؛ أي إنها تتشكّل من المنطلق الوحيانيّ باتّجاه الحياة الاجتماعيّة.

وأضاف: تعلّمنا الآية 29 من سورة الفتح أنّ المجتمع الإيمانيّ لا يكون مجتمعًا قرآنيًّا إلّا إذا كانت جميع أجزائه منظّمةً على أساس علاقتها برسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله).

وقال آية اللّه سعيديّ مبيّنًا: وفق هذا المنظور، فإن بدء الآية باسم النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) يحمل دلالةً منهجيّةً، مفادها أنّ كلّ قراءةٍ للأمّة تحاول فهم المجتمع المؤمن من دون محوريّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، هي قراءةٌ بعيدةٌ عن منطق هذه الآية الشريفة؛ لأن الأمّة ليست كيانًا قائمًا بذاته، بل هي كيانٌ يستمدّ شرعيّته وقوامه من النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله). وخلاصة القول: إن أمّة الإسلام تنطلق من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، وتستمدّ هويّتها ومعناها منه، وتبلغ كمالها في أفق رسالته وفي جواره.

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرر: حسن رحمانيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha