الأحد 13 سبتمبر 2026 - 21:07
آية اللّه الأعرافيّ يبيّن الاستراتيجيّات الكبرى لحوكمة التعليم والتربية

وكالة الحوزة - بيّن آية اللّه الأعرافيّ الاستراتيجيّات الكبرى لحوكمة التعليم والتربية مؤكّدًا ضرورة حشد جميع الطاقات والإمكانات الشعبيّة والحكوميّة من أجل النهوض بمنظومة التعليم والتربية والارتقاء بها.

وكالة أنباء الحوزة - انعقد المؤتمر الوطنيّ الثامن لمركز التربية الإسلاميّة، تحت عنوان "حوكمة التعليم والتربية في ضوء فكر الإمام الشهيد الخامنئيّ"، يوم الخميس (10 سبتمبر 2026م)، في مرقد السيّد عبد العظيم الحسنيّ (عليه السلام) بالعاصمة طهران. وبهذه المناسبة، وجّه آية اللّه عليرضا الأعرافيّ، مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة، رسالةً إلى هذا المؤتمر، تطرّق فيها إلى أبرز التحدّيات والفرص والاستراتيجيّات الكبرى لحوكمة التعليم والتربية، وفيما يلي نصّها الكامل:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

إن انعقاد مؤتمر "مركز التربيّة الإسلاميّة"، بمشاركة الأعضاء الكرام والناشطين في مجال التعليم والتربية، في هذه المرحلة الحسّاسة والجديدة من مسيرة الثورة الإسلاميّة، وفي خضمّ الأحداث المرّة والحلوة التي شهدها تاريخ إيران والإسلام، يمكن أن يهيّئ فرصةً جديدةً لإعادة النظر في التحدّيات والفرص المستجدّة التي تواجهها منظومة التعليم والتربية، واستشراف سبلٍ جديدةٍ وفاعلةٍ لمعالجتها.

لقد بدأت المرحلة الجديدة من مسيرة الثورة الإسلاميّة باستشهاد قائدنا العزيز الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، والشهداء الأعزّاء من براعم مدرسة "الشجرة الطيّبة" بمدينة ميناب، وسائر شهداء إيران ومحور المقاومة، وقد تزامنت بالحرب المفروضة الثالثة وبمواجهةٍ جوهريّةٍ وحضاريّةٍ بين خطاب الثورة الإسلاميّة ومحور المقاومة من جهةٍ، ونظام الهيمنة والاستكبار الأمريكيّ الصهيونيّ من جهةٍ أخرى.

وإنّ هذا الشعب المبعوث هو مهندس هذا الفصل الجديد من مسيرة الثورة الإسلاميّة، وباني نهضتها المتجدّدة، وصانع إشراقها المتألّق في عهدها الجديد، وذلك بالاستناد إلى فكر الإمام الخمينيّ (قدّس اللّه سرّه) وبتوجيهات الإمام الشهيد الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه) وخلفه الصالح سماحة آية اللّه السيّد مجتبى الحسينيّ الخامنئيّ (دام ظلّه)، وبما قدّمته القوّات المسلّحة الباسلة والمخلصة وقوى محور المقاومة من تضحياتٍ وفداءٍ.

وإنّ دور العلماء والنخب والمثقّفين والمفكّرين والجهات المعنيّة، ولا سيّما مؤسسة التعليم والتربية الكبرى والمعلّمين الكرام، في هذه النهضة العظيمة والموجات المتلاحقة القادمة، دورٌ بالغ الأهمّيّة وعظيم المسؤوليّة، وإن روّاد التربية الإسلاميّة يضطلعون أمام الجيل الراهن والأجيال القادمة برسالةٍ عظيمةٍ. وإنّ هذا المركز النابض بالحيويّة، إلى جانب مؤسسة التعليم والتربية والمعلّمين والمربّين والمديرين الملتزمين والثوريّين، قادرٌ على أن يكون في طليعة التحوّلات المقبلة، وأن يفتح آفاقًا واسعةً، وأن ينهض بأعباء مواجهة التحدّيات الراهنة.

وإنّي إذ أتقدّم بخالص الاحترام والتواضع والتقدير والثناء إلى جميع الخدّام الكرام في منظومة التعليم والتربية، وصنّاع مستقبل الأجيال القادمة، وجميع العاملين في هذا الميدان المشرق، وإلى المشاركين في هذه المحفل المبارك وهذا المؤتمر الميمون، أودّ أن أشير إلى جملة من النقاط:

1) إنّ سفينة بناء الإنسان والارتقاء به، ومنظومات التعليم والتربية في عصرنا الراهن، تواجه رياحًا عاتيةً معاكسةً وأمواجًا متلاطمةً، وقد أحاطت بها، على الرغم من الفرص الكبرى المتاحة أمامها، تحدّياتٌ جسيمةٌ ومتعدّدةٌ. ويمكن إجمال بعض هذه التحديات فيما يأتي:

أ) إنّ هيمنة الفكر المادّيّ واستحواذ الخطاب غير الإلهيّ على وعي الإنسان المعاصر ووجدانه، وطغيان المنطق المادّي المنفصل عن القداسة على مختلف مجالات المعرفة والمعاش والعلم والتكنولوجيا، وعلى منظومات التعليم والتربية في الغرب والعالم، تُعدّ من أبرز البلايا والآفات التي تنخر في بنيان المجتمعات. ففي مثل هذا المناخ البعيد عن عالم القداسة والفضائل الروحيّة والمعنويّة، تتشكّل تربية الطفل والناشئ والشاب، فتتعرّض فطرة الإنسان، رغم كلّ ما تزخر به الحضارة الغربيّة من مظاهر البهرجة والمكاسب المادّيّة الظاهرة، لعمليّة المسخ والتشويه، ويفقد الإنسان جوهر فطرته النقيّة وقيمه الإلهيّة والمعنويّة.

ب) ويُضاف إلى هذه الهيمنة للنزعة المادّية والكمّيّة أنّ التحوّلات التكنولوجيّة والفضاء الافتراضيّ قد أوجدا للإنسان، ولا سيّما للشباب، بيئةً حياتيةً أخرى تحمل، على الرغم من مزاياها العديدة التي لا تُحصى، مخاطر جمّةً على فكر الإنسان وروحه ونفسيّته، كما أفرزت تحديّاتٍ خطيرةً أمام منظومات التعليم والتربية. وفي امتداد هذه التحوّلات، فتحت تطوّرات العلوم المعرفيّة وتقدّم الذكاء الاصطناعيّ آفاقًا معقّدةً بالغة الأهمّيّة أمام البشريّة ومستقبلها.

وعلى الرغم من أنّ هذه التحوّلات قد أسهمت في زيادة سرعة منظومات البحث والدراسة والتحصيل العلميّ واكتساب المهارات ودقّتها، غير أنّ الانتقال إلى بيئةٍ تعليميّةٍ جديدةٍ، تقوم على التعليم الإلكترونيّ والافتراضيّ والمدعوم بالذكاء الاصطناعيّ، أخذ يضعف حضور العلاقات الإنسانيّة الحميمة والتفاعلات البشريّة، والعلاقة بين الأستاذ والطالب، والفضائل القدسيّة والمعنويّة، ويجعلها أقلّ إشراقًا؛ كما يثير مزيدًا من المخاوف والهواجس بشأن الآفاق المستقبليّة.

ج) وإلى جانب ما سبق بيانه، ينبغي الإشارة كذلك إلى منظومة الهيمنة الشيطانيّة والاستكباريّة، وإلى سيطرة المال والقوّة والتضليل السياسيّ الجائر على العالم، وإلى قبضتها الممتدّة على الأنظمة والآليات المعنيّة بصناعة الثقافة والتعليم والتربية في العالم. فقد أعادت هذه القوّة الشيطانيّة صياغة ثقافة العالم وتربيته وفق روح الاستكبار ومنطق المادّيّة والنزوع إلى إشباع الشهوات المادّيّة، وأقصت المنظور الإنسانيّ والإلهيّ، ومنطق العدالة والمعنويّة إلى هامش المشهد.

د) وينبغي كذلك الإشارة إلى التحوّلات المتنوّعة في مجالات العلم والتكنولوجيا والمعرفة، التي أفرزت لدى إنسان اليوم، ولا سيّما الشباب، أفكارًا جديدةً وأسئلةً مستحدثةً، وأذواقًا متجدّدةً، وأدخلت الأفكار الدينيّة والمعنويّة والإلهيّة في مواجهة قضايا وتحدّياتٍ جديدةٍ. وهذا أمرٌ بالغ الأهمّيّة؛ فهو من جهةٍ باعثٌ على التنبّه والتحذير، ومن جهةٍ أخرى، إذا ما أُحسن التعامل معه ومواجهته، يمكن أن يكون مبشّرًا بالخير وباعثًا على الأمل.

هـ) هذه نماذج من الوقائع المستجدّة والتحدّيات الجوهريّة التي تواجهها منظومة التعليم والتربية، وإنّ جميع ما أسلفنا بيانه، وما لم نتطرّق إليه، قد أضحى وسيظلّ سببًا في إضعاف "حوكمة التعليم والتربية" على الصعيد العالميّ وفي بلادنا، وهو أمرٌ قد يفضي إلى تداعياتٍ بالغة الضرر وذات أبعادٍ متعدّدةٍ ومعقّدةٍ، الأمر الذي يقتضي إجراء دراساتٍ معمّقةٍ واتخاذ تدابير جوهريّةٍ لمعالجته.

2) إنّ ما أسلفنا بيانه ليس سوى جانبٍ من التحدّيات الجوهريّة التي تواجهها منظومة التعليم والتربية في عصرنا الراهن، وقد عرّض أنظمة المعرفة والعلم والثقافة للتعليم والتربية في الحوزة والجامعة والمدرسة، لعواصف عاتيةٍ وأمواجٍ متلاطمةٍ.

ومن الجدير بالانتباه أنّ مواقف الفاعلين السياسيّين والثقافيّين والعلميّين والتربويّين إزاء هذه التحوّلات تتباين وتختلف؛ فبعضهم يؤمن بهذا التحوّل نحو المادّيّة والتغريب ويستحسنه، فينقاد، نتيجة افتقاره إلى المعرفة العميقة، انقيادًا ساذجًا لهذه الموجات والتيّارات السائدة. وبعضهم الآخر يفتقر أيضًا إلى الفهم العميق لهذه الأحداث، لكنّه يواجهها ويتصدّى لها تصدّيًا سطحيًّا وشكليًّا.

أمّا الموقف الصحيح، فيتمثّل في مواجهة هذه الموجات مواجهةً واعيةً وذكيةً وفاعلةً، واتّخاذ تدابير جوهريةٍ لصون الهويّة الإسلاميّة والمحلّية، وصيانة منظومة التعليم والتربية؛ ولا ريب أنّ سلوك هذا السبيل ينطوي على كثيرٍ من الصعوبات، ويتطلّب قدرًا كبيرًا من الاستعداد والتهيّؤ.

3) كانت الثورة الإسلاميّة شرارةً جديدةً وشهابًا ساطعًا في ظلمات العالم المعاصر، وأرست خطابًا جديدًا في المعرفة والمعنويّة والعدالة والنموّ.

والثورة الإسلاميّة تمثّل تحوّلًا متعدّد الطبقات، ذا أضلاعٍ وأبعادٍ متنوعةٍ، يمتدّ في نطاقٍ واسعٍ وشاملٍ، وتُعدّ طبقتها المعرفيّة والفكريّة أهمّ هذه الطبقات وأعمقها. ومن هنا، ينبغي أن تكون مؤسّسة التعليم والتربية، ثمّ الجامعة والحوزة العلميّة، مركزًا ومحورًا وتجسيدًا لهذا البعد المعرفيّ للإسلام العزيز والثورة الإسلاميّة؛ وفي هذا السياق، فإنّ الدور المتميّز والفريد لمؤسّسة التعليم والتربية والمعلّمين الكرام، إلى جانب الأسرة ووسائل الإعلام، دورٌ استراتيجيٌّ راسخٌ وعميق الأثر وبعيد المدى.

4) في خضمّ هجوم القوى المادّية المستكبرة، وانفلات الأهواء والنزوات الشيطانيّة، وتحت وطأة ما يحدق بالجيل الراهن من صنوف الأذى والآفات، تبرز ضرورة التعامل مع قضيّة التربية تعاملًا حكيمًا وملتزمًا وحماسيًّا وفاعلًا وثوريًّا. ومن بين جميع المبادئ والنقاط المهمّة، هناك عدّة نقاطٍ تحظى بأهمّيّةٍ خاصّةٍ، أودّ الإشارة إليها:

أوّلًا: قد أصبحت حوكمة منظومة التعليم والتربية وتوجيهها من جانب الأسرة والحكومة في مرمى هجمات التحوّلات التكنولوجيّة والأحداث الاجتماعيّة والثقافة الماديّة والغربيّة. وفي النظام الإسلاميّ، ووفقًا للمنطق القويم للإسلام، لا بدّ من صون هذه الحوكمة وهذا التوجيه، والعمل على حمايتهما وإعادة بنائهما وتجديدهما وإبداع صيغهما الملائمة في ضوء هذا المنطق القويم ومراعاة ظروف العصر وتحوّلاته.

ثانيًا: إنّ تمكين جيل الشباب وتعزيز مرتكزاته المعرفيّة وترسيخ إرادته تشكّل حجر الأساس في التربية في هذه المرحلة المضطربة؛ وإنّ القدرة على الصمود في وجه أمواج الهجمات المتلاحقة إنّما تتوقّف على إرادةٍ راسخةٍ، وعلى ترسيخ القيم القدسيّة والسامية وتجذّرها في النفوس. ومن هنا، ينبغي لجميع منظومات التعليم والتربية أن تضع في صدارة أولويّاتها الإحاطة الدقيقة بخصائص الأجيال الجديدة، واستكشاف الأساليب والمناهج الملائمة للتعامل معها، ثم تطبيقها على نحوٍ فاعلٍ.

ثالثًا: كان من الممكن لوثيقة التحوّل في مؤسّسة التعليم والتربية أن تكون منطلقًا لإعادة بناء منظومة التعليم والتربية والنهوض بها، غير أنّنا، رغم بعض الإجراءات والجهود القيّمة لتنفيذها، لم نشهد النجاح المنشود والمناسب في هذا المجال. وتعود أسباب ذلك إلى أمورٍ بعضها واضحٌ وبعضها الآخر يتجاوز نطاق هذا المقال. ومن ثمّ، ينبغي اليوم اتّخاذ خطواتٍ جادّةٍ لتنفيذ هذه الوثيقة، والعمل في الوقت ذاته على إعادة بنائها واستكمالها؛ وإنّ عزم الكوادر التعليميّة الملتزمة والمسؤولة، إلى جانب مطالبتهم الجادّة بحقوق منظومة التعليم والتربية ومشاركتهم الفاعلة، من شأنه أن يؤدي دورًا بالغ الأثر وأن يفتح سبل المعالجة ويذلّل العقبات.

رابعًا: إنّ المدرسة هي المركز الأساسيّ والمحور الرئيس للتعليم والتربية، وإنّ المعلمين والمديرين والمربّين هم قادة العمليّة التربويّة ومهندسوها. ومن ثمّ، فإنّ كلّ جهد يُبذل من أجل بناء المدرسة المنشودة والارتقاء بالمعرفة والبصيرة لدى المعلّمين والمديرين، هو مسؤوليّةٌ جماعيّةٌ تقع على عاتق الجميع. وإلى جانب ضرورة الارتقاء بمعرفتهم وبصيرتهم وأوضاعهم المعيشيّة، تحظى المكانة الاجتماعيّة الرفيعة لمؤسسة التعليم والتربية وللمجتمع الكبير الكريم من المعلّمين والمربّين، بأهمّيّةٍ بالغةٍ؛ فينبغي أن يُقدّروا حقّ قدرهم وأن يتبوّؤوا مكانتهم اللائقة في الصدارة، لما ينهضون به من رسالةٍ جليلةٍ ومسؤوليّةٍ جسيمةٍ.

خامسًا: وخلاصة القول، ينبغي أن يتبوّأ جيل الناشئة والشباب والأسرة ومؤسّسة التعليم والتربية صدارة أولويّات جميع أجهزة النظام الإسلاميّ وسلطاته التنفيذيّة والتشريعيّة وعموم المجتمع. كما أنّ حشد جميع الطاقات والإمكانات الشعبيّة والحكوميّة من أجل النهوض بالتعليم والتربية وازدهارهما، ضرورةٌ لا غنى عنها.

وفي الختام، أتقدّم بالشكر والتقدير إلى منظّمي هذا المحفل المبارك والمشاركين في هذا اللقاء الإيمانيّ والمؤتمر الثقافيّ، سائلًا اللّه تعالى أن يوفّق جميع الأعزّاء، والعاملين في هذا المركز النابض بالحيويّة، لخدمة الإسلام والثورة الإسلاميّة والوطن الإسلاميّ. وأختتم كلمتي بالصلاة والسلام على الأنبياء والأولياء الإلهيّين، ولا سيّما خاتم الأوصياء وصاحب العصر والزمان الإمام المهدي (أرواحنا فداه)، وعلى الشهداء الأبرار في سبيل الإسلام والثورة الإسلاميّة، وفي مقدّمتهم الإمام الكبير (قدّس اللّه سرّه) والقائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه). وأبتهل إلى اللّه المنّان، ضارعًا، أن يمنّ على الإسلام والمسلمين وعلى الشعب الإيرانيّ الأبي وعلى القوّات المسلّحة ومحور المقاومة بالنصر والظفر.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

عليرضا الأعرافيّ

مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة

لمراجعة الرسالة باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرر: أمين فتحيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha