وكالة أنباء الحوزة - خلال المراسم المهيبة التي أُقيمت لافتتاح العام الدراسيّ الجديد للحوزات العلميّة الإيرانيّة، وفي حواراتٍ أُجريت مع عددٍ من أساتذة المستويات العليا، تبيّن أنّ ثمّة نقطةً مشتركةً تكاد تجمع عليها آراؤهم، مفادها أنّ الحوزة العلميّة، ولا سيّما في ظلّ الظروف الراهنة، ينبغي لها أن تحافظ على تقاليدها الأصيلة، وخصوصًا في المجال الدراسيّ والتعليميّ، وأن تستجيب في الوقت ذاته للاحتياجات المستجدّة في المجتمع.
ولعلّه يمكن القول إنّ من مستلزمات التحوّل في الحوزة العلميّة، من أجل تحقيق هدفها المنشود، أن تُولي عنايةً خاصّةً بإحياء تقاليدها الأصيلة والناجحة، من قبيل المباحثة وكتابة التقارير العلميّة وغيرها.
التكوين العلميّ الرصين؛ سمةٌ بارزةٌ للحوزات العلميّة
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ من أبرز ما ظلّت الحوزات العلمية تعتزّ به في ميدان العلم والتعليم، على امتداد تاريخها وإلى يومنا هذا، أنّها لم تكن تقتصر على تلقين الطلبة الدروس على أيدي أساتذتها، بل كانت تتولّى، قبل كل شيءٍ، بناء شخصيّة العالم وتكوينه تكوينًا علميًّا رصينًا، إلى جانب عنايتها الدائمة بالأخلاق وتهذيب النفس. ولعلّ هذا هو أحد أبرز مكامن قوّة الحوزة ونظامها العلميّ، إذ قامت بنيتها التعليميّة والتربويّة على إيلاء عنايةٍ خاصّةٍ لجملةٍ من المقوّمات الأساسيّة، وفي مقدّمتها المتون الدراسيّة، والأستاذ، والمباحثة، والتقرير، والتحقيق، والنقد، والتحليل العلميّ العميق.
وقد بلغت هذه التقاليد من الأهمّيّة حدًّا جعل الطلبة يألفونها منذ أن تطأ أقدامهم رحاب الحوزة، حتى غدت جزءًا أصيلًا من نمط حياتهم، وأخذوا ينظّمون جانبًا مهمًّا من شؤون حياتهم على أساسها. ومن ثمّ، فإنّ الحوزة العلميّة اليوم، وهي تتطلّع إلى بلوغ غاياتها العليا في مسار التحوّل المنشود وتحقيق "الحوزة العلميّة الرائدة والمتفوّقة" تظلّ في أمسّ الحاجة إلى إحياء تقاليدها الأصيلة واستعادة حضورها في مسيرتها التعليميّة والتربويّة.
ضرورةٌ لا يمكن إنكارها
من وجهة نظر حجّة الإسلام والمسلمين السيّد صادق محمّدي، أستاذ البحث الخارج في الفقه والأصول في حوزة قم العلميّة، فإنّ الاهتمام بالتقاليد الحوزويّة العريقة التي أثبتت نجاحها يمثّل ضرورةً لا يمكن إنكارها، إلى حدٍّ أنّه يؤكّد قائلًا: علينا أن نولي هذه التقاليد عنايةً خاصّةً، وأن نتحرّى إحياءها ونسعى إليه بجدٍّ ومثابرةٍ.
وأضاف قائلًا: لقد شهدت الحوزة، بفضل اللّه تعالى، على مرّ تاريخها تقاليد عديدةً مثمرةً وذات بركةٍ، من بينها المباحثة والتقرير، إلى جانب سننٍ وممارساتٍ أخرى. وقد أصبح بعض هذه التقاليد بحاجةٍ إلى الإحياء، وينبغي أن تحظى بمزيدٍ من العناية والاهتمام في البنية العلميّة والتعليميّة حتّى تأخذ حيّزها اللائق فيها.
مشروع "الحوزة الحرّة" بهدف إحياء التقاليد الحوزويّة الناجحة
ومن بين التقاليد الحوزويّة الناجحة والمؤثّرة التي دأبت الحوزة العلميّة على الالتزام بها منذ عهود بعيدةٍ وإلى يومنا هذا، العناية بمسألة التبليغ والاضطلاع برسالته.
وبحسب تعبير آية اللّه محمّد مهدي شَبْ زِنْدِه دار، أمين المجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة، ينبغي أن تتعزّز روح النهوض بمهمّة التبليغ في أوساط الحوزويّين يومًا بعد يومٍ، بحيث يبلغ الأمر حدّ أن يُعدّ من لا يخرج للتبليغ مقصّرا في أداء واجبه، ومن ثمّ لا بدّ من تهيئة السبل الكفيلة بتشجيع الطلبة والفضلاء وحفزهم على الاضطلاع بمهمّة التبليغ.
كما أشار إلى نقطةٍ مهمّةٍ أخرى، قائلًا: ينبغي وضع الخطط على نحوٍ يتيح للطلبة، بعد بلوغهم مرحلةً معيّنةً من التحصيل، أن يشكّلوا لجانًا بحثيّةً مؤلّفةً من عدّة أشخاصٍ، وأن يعقدوا مباحثاتٍ علميّةً جادّةً. وقد أصبحت هذه التقاليد الحوزوية الفعّالة مهجورةً إلى حدٍّ ما في الوقت الحاضر، مع أنّها تحظى بأهمّيّةٍ بالغةٍ، ومن ثمّ علينا أن نبذل الجهود في سبيل إحيائها. وقد أقرّ المجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة مشروع "الحوزة الحرّة" لإحياء هذه التقاليد الحوزويّة الناجحة، كي تستعيد هذه الروح حضورها، بعون اللّه وتوفيقه.
ضرورة تهيئة المجال أمام الابتكار العلميّ لدى الطلبة
وقال آية الله شَبْ زِنْدِه دار أيضًا: إن نظام التدريس والتدرّس والتعليم والتعلّم في الحوزة العلميّة يؤدّي دورًا محوريًّا في الازدهار العلميّ للطلبة، وصقل شخصيّاتهم، والارتقاء بمعارفهم. ومن الخطأ اختزال الحوزة في مجموعةٍ محدّدةٍ من الكتب والمناهج، كما لا ينبغي أن نقف في وجه ما يتولّد في أذهان الطلبة من أفكارٍ وآراءٍ علميّةٍ مبتكرةٍ، أو أن نقيّد ما لديهم من مواهب وميولٍ علميّةٍ خلاّقةٍ. فقد تلوح في أذهان الطالب بين حينٍ وآخر أفكارٌ جديدةٌ قد تكون لها آثارٌ بالغة الأهمّيّة، ومن هنا ينبغي أن نولي هذا الأمر عنايةً بالغةً، وأن نتعامل معه بمنتهى الجدّيّة.
تقليد "محوريّة النص" لبناء الذهنيّة العلميّة للطلبة
ومن النقاط المهمّة الأخرى أنّ الكتاب الدراسيّ، في تقاليد الحوزات العلميّة، لم يكن مجرّد وسيلةٍ لنقل المعلومات والمضامين العلميّة، بل كان النص الفقهيّ أو الأصوليّ أو الفلسفيّ أو الأدبيّ نفسه محور النشاط العلميّ ومرتكزه؛ بمعنى أنّ الطالب كان يبدأ بفهم العبارة واستيعاب مرادها، ثمّ يستعرض وجوهها واحتمالاتها المختلفة، ويتتبّع في الوقت نفسه الأصول والمباني التي انطلق منها المؤلّف في بناء رأيه، فيورد الإشكالات عليها، ثمّ يتصدّى للإجابة عنها.
ومن هنا يتّضح أنّ هذا التقليد يختلف اختلافًا جوهريًّا عن أنماط التعليم التي تُقرأ فيها الكتب لمجرّد استخراج "المواد الامتحانيّة". وبالطبع، ينبغي الالتفات إلى أنّ المراد من التأكيد على "محوريّة النص" إنّما هو تدريب الطلبة على التفكير من خلال النص، وإعداد أذهانهم في نهاية المطاف بصورةٍ أفضل على الفهم والاستدلال.
التقاليد البحثيّة الأصيلة؛ خير سندٍ علميٍّ
وأفاد حجّة الإسلام والمسلمين أبو الفضل هادي مَنِشْ، مدير الدراسات والتخطيط البحثيّ في معاونيّة البحث للحوزات العلميّة الإيرانيّة، في حوارٍ أُجري معه مؤخّرًا، أنّه جرى التعرّف على أكثر من 20 تقليدًا بحثيًّا أصيلًا في تاريخ الحوزات العلميّة، موضحًا: تشمل هذه التقاليد البحثيّة ممارساتٍ من قبيل كتابة التقارير العلميّة، والتحرير، والإملاء، وكتابة الحواشي، وكتابة التقاريظ، وكتابة الردود، وغيرها. ومع ذلك، لم نغفل عن الأساليب الحديثة أيضًا، ومن أهمّ هذه الأساليب نظام "التعليم القائم على البحث"، وإن كانت له جذورٌ واضحةٌ في تاريخ الحوزات العلميّة، ولا سيّما في مدرسة سامراء الحوزويّة.
ضرورة اغتنام الفرصة الثمينة الراهنة
وشدّد حجّة الإسلام والمسلمين حسين بنياديّ، أستاذ البحث الخارج في حوزة قم العلميّة، على ضرورة اغتنام الفرصة الراهنة التي تشهدها الحوزات العلميّة، والمتمثّل في تسارع وتيرة الحراك العلميّ واتّساع نطاق النهضة العلميّة، قائلًا: المهمّ أن نعمل على ألّا تتراجع وتيرة هذا الحراك العلميّ، ولا تخبو جذوة هذه النهضة، بل أن نتمكّن، في ضوء الفرص المتاحة أمامنا، من الارتقاء بها وتعزيزها.
كما شدّد على ضرورة بذل الجهود لتحقيق توجيهات قائدنا الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه)، الواردة في رسالته المعروفة بـ"الحوزة العلميّة الرائدة والمتفوّقة"، مؤكّدًا: ينبغي أن نمضي بمسار التحوّل التعليميّ القائم على متون الحوزة في اتجاهٍ يستجيب لقضايا المجتمع، ويراعي متطلّبات إدارة المجتمع في ضوء الدين، ويولي المعارف الإسلاميّة ما تستحقّه من عنايةٍ، بحيث نتمكّن من ترسيخ قناعةٍ لدى المجتمع بأنّ الدين، في حقيقة الأمر، يمتلك جميع المقوّمات اللازمة لإدارة المجتمع، وأنّ له دورًا فاعلًا ومؤثّرًا في إدارة المجتمع والنهوض بشؤونه.
إعداد: السيّد محمّد مهدي الموسويّ
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرّر: حسن رحمانيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك