دور المرأة ومكانتها في ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) وحكومته (الجزء الثالث)

وكالة الحوزة - هل للمرأة دورٌ في صفوف النخبة الخاصة من أنصار الإمام المهدي (عجل الله فرجه)؟ وهل لها نصيب في رجعة آخر الزمان إلى جانبه؟

وكالة أنباء الحوزة - تناولنا في العددين السابقين نظرة موجزة إلى الوظائف العامة للمرأة، وكذلك أبرز الوظائف الخاصة بها في طريق تحقيق الأهداف الإلهية والتمهيد لظهور منقذ البشرية. وفي هذا العدد، نجيب عن سؤالين محوريين يتعلقان بدور المرأة ومكانتها في ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) وحكومته:

أولاً: هل تشارك المرأة في عداد الـ 313 من خاصة أصحاب الإمام المهدي (عجل الله فرجه)؟

ورد في حديث مفصل يرويه جابر عن الإمام الباقر (عليه السلام): «وَاللَّهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فِيهِمْ خَمْسُونَ امْرَأَةً، يَجْتَمِعُونَ بِمَكَّةَ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ.» (تفسير العياشي، ج1، ص65)

والملاحظ في هذه الرواية أن لكلمة «فِيهِمْ» تفسيرين محتملين:

- الأول: أن الخمسين امرأة من ضمن الـ 313 رجلاً.

- الثاني: أن الخمسين امرأة ينضممن إلى الـ 313 رجلاً، فيكون العدد الإجمالي 363.

ونقطة أخرى جديرة بالملاحظة حول هذه الرواية، هي أنها وردت في تفسير العياشي، وكون رواياته مرسلة يقلل من درجة الاعتماد عليها. والحديث المرسل هو ما لم يُذكر فيه سلسلة الرواة كاملةً، أي أن راويه لم يصرح بمن نقل عنه.

وقد وردت نفس الرواية في كتاب "الغيبة للنعماني" دون ذكر عبارة «فِيهِمْ خَمْسُونَ امْرَأَةً»: «فَيَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَصْحَابَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً، وَيَجْمَعُهُمُ اللَّهُ لَهُ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ.» (الغيبة للنعماني، ص282)

وكذلك وردت في كتاب "الاختصاص" للشيخ المفيد دون هذه الزيادة: «فَيَجْمَعُ اللَّهُ لَهُ أَصْحَابَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَيَجْمَعُهُمُ اللَّهُ لَهُ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ.» (الاختصاص، ص255)

كما أن قرينة أخرى تشير إلى أن كلمة «رَجُلاً» في هذه الروايات تعني الذكور، حيث شُبِّه هؤلاء الأصحاب بأصحاب بدر، وكذلك بأصحاب طالوت، وكان المشاركون في كليهما من الرجال.

- تشبيههم بأصحاب بدر: «يَجْمَعُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِنْ أَقَاصِي الْبِلَادِ عَلَى عَدَدِ أَهْلِ بَدْرٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً.» (كمال الدين وتمام النعمة، ص264)

- وتشبيههم بأصحاب طالوت (عليه السلام): «الْقَلِيلُ الَّذِينَ لَمْ يَشْرَبُوا وَلَمْ يَغْتَرِفُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً.» (تفسير نور الثقلين، ج1، ص248)

لذا، من ناحية علم الحديث، إثبات حضور النساء ضمن الـ 313 أو بجانبهم أمر صعب؛ لأن الحديث الوحيد الذي أشار إلى ذلك هو حديث مرسل، في حين أن الأحاديث المسندة الأخرى تخلو من هذه الزيادة.

ومع ذلك، فإن عدم حضور المرأة في هذه المجموعة الخاصة لا يعني أبداً انتقاصاً من مكانتها؛ فهناك أعداد كبيرة من المؤمنين والمؤمنات سيلتحقون بالإمام (عجل الله فرجه) في حلقات ومراتب متعددة، وسيكون للمرأة دورها البارز في نصرته وبناء دولته، كما أشرنا سابقاً.

ثانياً: هل تشارك المرأة في رجعة الإمام المهدي (عجل الله فرجه)؟

الرجعة تعني عودة مجموعة من المؤمنين المخلصين إلى الحياة الدنيا في زمن ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) لنصرته. وقد ورد في الروايات أن للنساء نصيباً في هذه الرجعة، ومنها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):

عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «يُكَرُّ مَعَ الْقَائِمِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ثَلَاثَ عَشْرَةَ امْرَأَةً.» قلت: «وَمَا يَصْنَعُ بِهِنَّ؟» قال: «يُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَيَقُمْنَ عَلَى الْمَرْضَى، كَمَا كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ).» قلت: «فَسَمِّهِنَّ لِي.» فقال: «الْقِنْوَاءُ بِنْتُ رُشَيْدٍ، وَأُمُّ أَيْمَنَ، وَحَبَابَةُ الْوَالِبِيَّةُ، وَسُمَيَّةُ أُمُّ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَزُبَيْدَةُ، وَأُمُّ خَالِدٍ الْأَحْمَسِيَّةُ، وَأُمُّ سَعِيدٍ الْحَنَفِيَّةُ، وَصُبَانَةُ الْمَاشِطَةُ، وَأُمُّ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّةُ.» (دلائل الإمامة، ج1، ص484)

وورد في مصادر حديثية أخرى أسماءٌ وأعدادٌ أخرى للنساء الراجعات، ولكننا لا نتعرض في هذا البحث لمرحلة رجعتهن، ولا لعددهن الدقيق، ولا لأسمائهن بالتفصيل. وإنما المهم هو أصل مسألة رجعة النساء؛ إذ إن هناك نساءً كنَّ وسيكنَّ في أعلى مراتب الإيمان والمعرفة، حتى نلن توفيق الرجعة والمرافقة لآخر وصي إلهي.

وما يهمنا هنا هو الوقوف على السمات والخصائص التي وردت في الروايات لهؤلاء النساء، والتي تُعين المرأة المتطلعة إلى الهدى على التمسك بالدين والثبات عليه واكتساب المعرفة. وسنتعرض إلى أبرزها وهي الحرية والصمود في مواجهة جبهة الباطل.

وفي هذا السياق، ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في شأن صُبانة – ماشطة ابنة فرعون – التي سبق ذكرها قوله: «لَمَّا أُسْرِيَ بِي مَرَّتْ بِي رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ لِجَبْرَئِيلَ: مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ مَاشِطَةُ آلِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادُهَا، كَانَتْ تَمْشُطُهَا فَوَقَعَتِ الْمُشْطَةُ مِنْ يَدِهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَقَالَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟ فَقَالَتْ: لَا، بَلْ رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ. فَقَالَتْ: لَأُخْبِرَنَّ بِذَلِكِ أَبِي، فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَأَخْبَرَتْهُ، فَدَعَا بِهَا وَبِوُلْدِهَا وَقَالَ: مَنْ رَبُّكِ؟ فَقَالَتْ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ اللَّهُ. فَأَمَرَ بِتَنُّورٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَ، ثُمَّ دَعَا بِهَا وَبِوُلْدِهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ عِظَامِي وَعِظَامَ وُلْدِي فَتَدْفُنَهَا، قَالَ: ذَاكِ لَكِ لِمَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ حَقٍّ. فَأَمَرَ بِأَوْلَادِهَا فَأُلْقُوا وَاحِداً وَاحِداً فِي التَّنُّورِ، حَتَّى كَانَ آخِرُ وُلْدِهَا وَكَانَ صَبِيّاً مُرْضَعاً، فَقَالَ: اصْبِرِي يَا أُمَّاهْ، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ، فَأُلْقِيَتْ فِي التَّنُّورِ مَعَ وُلْدِهَا.» (بحار الأنوار، ج13، ص163)

وكذلك ورد في التاريخ عن سميَّة – أمِّ عمَّار بن ياسر – التي سبق ذكرها ما يلي: «وَكَانَتْ مِمَّنْ تُعَذَّبُ فِي اللَّهِ لِتَرْجِعَ عَنْ دِينِهَا، فَلَمْ تَفْعَلْ، فَمَرَّ بِهَا أَبُو جَهْلٍ فَطَعَنَهَا فِي قَلْبِهَا فَمَاتَتْ.» (بحار الأنوار، ج18، ص241)

فائدة وعبرة:

إن الظروف والعوامل البيئية هي أحد المبررات التي يثيرها بعض الناس لتبرير ضعف إيمانهم وقصور معرفتهم، وخصوصاً النساء في المجتمع. غير أن التأمل في سيرة النساء المؤثرات في تاريخ الإسلام يكشف عن حقيقة راسخة، وهي أنه في طريق تحقيق الأهداف الإلهية والتقرب إلى المعبود، لا يستطيع أحد ولا شيء أن يكون عائقاً أمام الإنسان.

واللافت للنظر أن الله تعالى حينما يذكر في كتابه الكريم السيدة آسية (عليها السلام) لم يسمّها باسمها، وإنما يذكرها بوصفها «امْرَأَتِ فِرْعَوْنَ»، لتكون عبرة للجميع وليعلموا أن الإيمان ليس مرتبطاً بالبيئة أو الظروف، حيث إنها في قصر أطغى طاغوت زمانها، ومع أنها لم يكن لها ناصر إلا الله، صارت قدوة للعالمين.

تنبيه:

إن الرجعة ليست محصورة في الماضين فحسب، بل تشمل الأجيال الآتية أيضاً؛ ولهذا أوصينا بتلاوة دعاء العهد، والتضرع إلى الله بأن يجعلنا من أنصار الإمام وأعوانه، فنقول فيه: «اللَّهُمَّ إِنْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ الْمَوْتُ الَّذِي جَعَلْتَهُ عَلَى عِبَادِكَ حَتْماً مَقْضِيّاً، فَأَخْرِجْنِي مِنْ قَبْرِي مُؤْتَزِراً كَفَنِي، شَاهِراً سَيْفِي، مُجَرِّداً قَنَاتِي، مُلَبِّياً دَعْوَةَ الدَّاعِي فِي الْحَاضِرِ وَالْبَادِي.»

وإن الوصول إلى هذا المقصد الشريف، لا يتأتى إلا بالتزين بالصفات التي عددتها الروايات للراجعين. وفي هذا الطريق، لا فرق بين الرجل والمرأة؛ فالمدار على التقوى والعمل الصالح، كما قال تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» [الحجرات: 13].

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

لمراجعة المبحث باللغة الفارسية يرجى الضغظ هنا.

المحرر: أ. د

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha