۲۴ تیر ۱۴۰۳ |۷ محرم ۱۴۴۶ | Jul 14, 2024
رمز الخبر: 370526
٥ يوليو ٢٠٢٤ - ٢١:٢٢
التجويع في غزة

وكالة الحوزة - مع استمرار القصف والحصار المطبق الذي تفرضه إسرائيل على غزة منذ بدء حربها على القطاع في 7 أكتوبر يتعرض مئات الآلاف لمآسي كبيرة.

وكالة أنباء الحوزة - تتعدد المصطلحات السياسية المتنافسة فيما بينها: أيها ينطبق أكثر على حرب غزة. هل هي حرب إبادة؟ تطهير عرقى؟ تهجير قسري (أو محاولة لذلك)؟ تلك الجرائم كلها معاً تصلح أن تكون وصفاً جزئياً لمآسي ومخازي تلك الحرب.

مقال | مدافن للأحياء

والأمر قابل لإضافات كثيرة، قد تكون إحداها جريمة (وأد شعب) أو (وأد حاضر ومستقبل أمة). أجيال طالعة تُدفن حية. آمال مشرقة واحتمالات وجود واعدة تصادر وتُدفن في زنازن تحت الأرض أو فوقها، أو في قلوب تعلمت الشيخوخة وهي بالكاد تحبو نحو ميعة الصبا. سرقة الأرض المنبسطة تحت أقدام مواليد جيل يتعلم المشي. تجريف الدروب نحو المستقبل بعد هدم الحاضر. نبش المقابر وخلط ثراها وعظام موتاها القدامى بركام الحياة المقصوفة، والموتى أو مشاريع الموتى الجدد المطمورين تحتها. بث السموم والأدران في الهواء - والماء إن وُجد - وتحويل لقمة العيش إلى حلم بعيد أو مصدر تهديد جديد بالموت، تحت قصف تجمعات الأطفال الجائعين المادين أذرعهم بطناجر فارغة حالمين بامتلائها ولو نصف امتلاء بمغرفتين أو ثلاث من طعام مشكوك في أمره: هل يمد الأمل في البقاء يومين أو ثلاثة، أم تلوثه الأوبئة السارية في الهواء؟ تحويل البديهيات اليومية إلى أحلام مستحيلة: المأوى، المدرسة، الطريق إلى المدرسة، وجود طعام في بيت لم يعد موجوداً أصلاً: الطعام أو البيت، أو أهل البيت. الأم التي تحتضن، والأب الذي يحمي، والإخوة الذين يذاكرون أو يلهون محدثين ضجة، أو حتى يصمتون، لكنهم على الأقل يتنفسون، على الأقل موجودون، أحياء، باقون. الوجدان الذي يتشوه في حرب تعذيب ممنهج، في مجزرة للروح قبل البدن. الإذلال بكل الطرق: الجوع والبرد والعطش، افتقاد الأمان والخوف المتواصل وتعرية الرجال وضربهم أمام أطفالهم. تكديس الجرحى والمرضى في مستشفيات سرعان ما تتحول إلى عنابر تعذيب، مدافن يتعانق فيها الموتى والأحياء، ويستشهد الطبيب والمريض معاً، وتنهش الكلاب الجائعة من مات جوعاً، والكلاب الشبعانة المتخمة بالدم تنهش الحاضر والمستقبل.

لكن فات من خططوا لمجزرة الأرواح والأبدان، وكل ما يقيم أود الإنسان، فاتهم أن كرامة الشعب الذي يبيدونه غير قابلة للإبادة، هي شيء يستعصي على الموت، بل يزداد حياةً كلما أمعنوا في قتله وإذلاله. وهي كرامة تدعوه للصمود والإباء، وكبرياء تأبى الخضوع والخنوع ورفع الرايات البيضاء. إن كانوا حولوا ما تبقى من غزة إلى مدافن للأحياء ولذكريات من رحلوا، فإن كرامة الشعب الذي أرادوا إبادته أو تهجيره باقية لم تمت ولن ترحل، وهي غير قابلة للرحيل أو الإبادة. هم يزدادون تمسكاً بالبقاء، والإقامة فيما تبقى من ركام مدينتهم، ويحلم صغارهم بالمدرسة، ويصبرون كالكبار في انتظار أن يعودوا إليها وتعود إليهم. هم يقاومون بكل ما تصل إليه أيديهم، ويحولون السهم المجنح المسدد نحو صدورهم إلى سلاح في يدهم، يردون به العدوان وينتزعون تقدير العالم وإعجابه واحترامه. وكل يوم يمر تكتسب فلسطين صديقاً جديداً، حتى وإن كان أعزل مثل شعبها (فهكذا حال الشعوب: تبدع الحياة لا وسائل الموت). كل يوم يمر يفتح عيناً كانت غافلة عما جرى ويجري في أرض فلسطين، وتكتسب الأجيال الشابة البريئة التي تموت هناك مناصرين بين كل شباب الأرض وأجياله الغضة، التي سيجىء يوم قريب يكون فيه هؤلاء وأولئك رجالاً ونساءً في العنفوان، في أيديهم مآل الأمور وميزان العدل، وفي وجدانهم وذاكرتهم حقائق الحاضر والماضي والمستقبل، وذكرى ذلك اليوم الذي لبسوا فيه وهم تلاميذ كوفية الشعب المظلوم وهتفوا له: فلسطين حرة.

الكاتب: بهاء چاهين

المصدر: الأهرام

ارسال التعليق

You are replying to: .