الأربعاء 5 أغسطس 2026 - 10:36
مسيرة الأربعين، تجلٍّ للتضامن الحضاريّ في العالم الإسلاميّ

وكالة الحوزة - تؤكّد مسيرة الأربعين أنّها تجاوزت إطارها الشعائريّ لتغدو أحد أبرز مظاهر التضامن الحضاريّ في العالم الإسلاميّ، بما تعكسه من وحدةٍ عابرةٍ للحدود الوطنيّة وتكافلٍ اجتماعيٍّ ورصيدٍ إيمانيٍّ وثقافيٍّ يجمع ملايين الزوّار من مختلف الشعوب والبلدان.

وكالة أنباء الحوزة - ينبغي النظر إلى زيارة أربعين هذا العام، بما يتجاوز بعدها الدينيّ، بوصفها امتدادًا لتجربةٍ غنيّةٍ بالتعاضد والمشاركة الشعبيّة والتماسك الإيمانيّ، والتي أظهرت، على نحوٍ خاصٍّ، مدى الرصيد الاجتماعيّ الذي تمتلكه الشيعة ببركة اسم وذكر الإمام الحسين (عليه السلام).

ومن جهة أخرى، شكّلت مراسم تشييع القائد الشهيد والمظلوم للثورة الإسلاميّة، بمشاركةٍ جماهيريّةٍ واسعةٍ جدًّا في مختلف المدن الإيرانيّة والعراقيّة، تجلّيًا لأحد أكبر التجمّعات الشعبيّة في التاريخ؛ إذ جمعت ملايين الأشخاص، على اختلاف انتماءاتهم القوميّة وأعمارهم ومناطقهم الجغرافيّة، في مشهدٍ واحدٍ، وقدّمت صورةً مشرقةً للمشاركة الطوعيّة وروح الانتماء الجماعيّ.

ويؤكّد استمرار هذه الظاهرة في أربعين هذا العام ضرورة مضاعفة الجهود لتعزيز وتنمية الرصيد الاجتماعيّ للشيعة ومحبّي أهل البيت (عليهم السلام)، بل وللمجتمع الإيمانيّ والإسلاميّ عمومًا، مع توظيف جميع الطاقات الفنّيّة والإعلاميّة والثقافيّة والاجتماعيّة لتحقيق هذا الهدف.

الأربعين؛ أفضل فرصةٍ لتعزيز الروابط الاجتماعيّة

وهي نقطةٌ حظيت باهتمام محسن نصري، أستاذ الجامعة والباحث في علم الاجتماع؛ حيث قال في هذا الصدد: عندما يمرّ المجتمع بتجربةٍ عاطفيّةٍ وجماعيّةٍ كبيرةٍ كمراسم تشييع القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة، فإنّ جزءًا من رصيده الاجتماعيّ يتعزّز. وفي الوقت نفسه، تُعدّ أربعين عام 1405ه.ش (2026م) أوّل حدثٍ جماهيريٍّ كبيرٍ يأتي بعد تلك المناسبة، ومن الطبيعيّ أن ينظر كثيرٌ من الناس إلى التجربتين بوصفهما امتدادًا إحداهما للأخرى؛ لأنّ كلتيهما قامتا على أساس الحضور الطوعيّ للشعب والشعور بالانتماء والمشاركة العامّة.

وأضاف: إنّ هذه التجربة المشتركة قادرةٌ على ترسيخ الثقة الاجتماعيّة وتعزيز الروابط بين أفراد المجتمع، وهو ما يتجلّى بوضوحٍ في مناسباتٍ كالأربعين أكثر من أيّ وقتٍ آخر.

الأربعين؛ ظاهرةٌ اجتماعيّةٌ متكاملةٌ

كما أكّد هذا الأستاذ الجامعيّ على ضرورة عدم اختزال الأربعين في مجرّد طقسٍ دينيٍّ، قائلًا: من منظور العلوم الاجتماعيّة، تمثّل ظاهرةً اجتماعيّةً متكاملةً بكلّ أبعادها؛ حيث يشارك ملايين الأشخاص، من دون أيّ إلزامٍ أو توقّعٍ لمنفعةٍ شخصيّةٍ، في شبكةٍ واسعةٍ من الثقة والتعاون والمساعدة المتبادلة.

وتابع: هذه الخصيصة جعلت من الأربعين واحدةً من أهمّ ساحات إعادة إنتاج الرصيد الاجتماعيّ وتعزيز الروابط بين الناس. وفي وقتٍ تواجه فيه المجتمعات المعاصرة، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، تحدّيات الفردانيّة، وتراجع التفاعلات الاجتماعيّة، واتّساع الفجوات الثقافيّة، فإنّ تجارب من قبيل المشاركة في مراسم الأربعين المهيبة قادرةٌ على ترسيخ الشعور بالانتماء الجماعيّ وإعادة بناء الثقة العامّة.

الأربعين؛ استعراض الوحدة العابرة للحدود الوطنيّة

كما أشار إلى أنّ إحدى أهمّ ميزات الأربعين هي بعدها العابر للحدود الوطنيّة، مصرّحًا: إنّ حضور ملايين الزوّار من مختلف البلدان، وتعاون أبناء الشعب العراقيّ في خدمة الزوّار واستضافتهم، وإسهام المجموعات الشعبيّة من جنسيّاتٍ متعدّدةٍ، كلّ ذلك جعل من هذه المناسبة واحدةً من أكبر مظاهر الوحدة العابرة للحدود الوطنيّة في العالم الإسلاميّ.

وأضاف هذا الأستاذ الجامعيّ: إنّ الواقع يؤكّد أنّ الأربعين، رغم أنوف أعداء أهل البيت (عليهم السلام)، تجاوزت الحدود الجغرافيّة، وأصبحت أرضيّةً لتشكيل شبكةٍ من العلاقات الإنسانيّة بين مختلف الشعوب، وهي ميزةٌ تجعلها مختلفةً عن كثيرٍ من التجمّعات الدينيّة في العالم، وتمنحها دورًا يتجاوز حدود الطقوس الدينيّة، ليصبح رافدًا مهمًّا لتعزيز الرصيد الثقافيّ والاجتماعيّ، وترسيخ التضامن بين شعوب المنطقة.

الأربعين؛ خارطة طريقٍ لجميع طالبي الحقّ في العالم

ومن جانبه، صرّح حجّة الإسلام السيّد محمود موسويّ حسب، الكاتب والباحث الحوزويّ، موضحًا أنّ الأربعين تحتلّ مكانةً فريدةً بين جميع الزيارات التي يؤدّيها الشيعة لأهل البيت (عليهم السلام) على مدار العام، وقال: فضلاً عن الحضور الجماهيريّ الهائل في زيارة الأربعين، فإنّ من الضروريّ الالتفات إلى أنّ الأربعين ليست مجرّد زيارةٍ، بل هي خارطة طريقٍ لجميع طالبي الحقّ في العالم، ممّن يسعون إلى السير في طريق السعادة وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة.

الأربعين؛ نقطة تحوّلٍ في نشر الحقيقة

وأضاف أيضًا: من ناحيةٍ أخرى، يجب الانتباه إلى أنّ الأربعين ليست مجرّد استذكارٍ لواقعةٍ تاريخيّةٍ، بل هي إحياءٌ لمسارٍ تاريخيّ متواصلٍ؛ فإذا كانت عاشوراء تمثّل نقطة انفجار الحقيقة، فإنّ الأربعين تمثّل نقطة تحوّلٍ محوريّةٍ في مسار نشر الحقيقة.

وتابع: من هذا المنطلق نؤمن إيمانًا راسخًا بأنّه إذا كان الإمام السجّاد (عليه السلام) والسيّدة زينب الكبرى (سلام اللّه عليها) قد حملا رسالة كربلاء من أرض المقتل إلى الشام والمدينة، فإنّ ملايين الزوّار اليوم يواصلون السير في ذلك الطريق بأقدامهم، ليؤكّدوا أنّ مسؤوليّة تبيين خطب الإمام السجّاد (عليه السلام) والسيّدة زينب (سلام اللّه عليها) ما تزال على عاتقهم، وأنّهم يواصلون السير في هذا الدرب النيّر لإظهار الحقيقة وبيانها.

الأربعين؛ أكبر مناورةٍ لبناء الأمّة في عالم اليوم

وفي ختام حديثه، قال حجّة الإسلام موسويّ حسب: من جهةٍ أخرى، يجب أن نعلم أنّ الأربعين لا تخصّ الشيعة وحدهم، على الرغم من أنّ الشيعة هم حملة رايتها، بل تمثّل أكبر تدريبٍ ومناورةٍ لبناء الأمّة في عالم اليوم؛ فهي تدريبٌ عمليّ على تجاوز حدود الجغرافيا والعرق واللغة والجنسيّة، ولعلّ هذا هو السبب في أنّ المزيد من الشعوب تصبّ سنويًّا في هذا النهر العظيم المربّي للإنسان. وبناءً على ذلك، ينبغي وصف الأربعين بأنّها أعظم وأهمّ رصيدٍ حضاريٍّ للعالم الإسلاميّ؛ رصيدٌ لم يقم على القوّة والإكراه، بل قام على المحبّة والعشق.

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرر: أمين فتحيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha