۶ مهر ۱۴۰۰ |۲۰ صفر ۱۴۴۳ | Sep 28, 2021
حجت الاسلام و المسلمین محمدتقی سبحانی

وكالة الحوزة - تحدّث مدير مؤسسة البيان للتواصل والتأصيل خلال الندوة العلمية «الثورة الإسلامية في إطار الفكر الكلامي الشيعي» وقال: خلافاً للتصور السائد بأنّ جذور الثورة الإسلامية تنبع من الحكمة المتعالية والفلسفة الإسلامية، فأنا أعتقد أنّ هذا التحليل متأخر وأنّه لا توجد أيّ علائم أو آثار لهذه الفلسفة في التحولات الأخيرة.

وكالة أنباء الحوزة - وتابع الدكتور محمد تقي سبحاني قائلا: ويمكن أن نتناول موضوع الثورة من زاوية المراقبين الأجانب والفاعلين المحليين ويجب أن نتتبع جذورها في الأفكار الإسلامية الأكثر عمقاً. طبعاً هذا لا يعني نفي أيّ تأثير جانبي للعرفان والحكمة على الثورة.

وأضاف الدكتور سبحاني: لقد بلغ العنصر الكلامي الفلسفي الشيعي في القرنين الأخيرين مرحلة من التكامل فهيّأ قبيل الثورة الظروف المناسبة لتفجيرها، إذا كان هناك من يعتقد بوجوب أن نتحرّى بعض الباراديمات مثل الحكمة المتعالية بعد الثورة وفي مرحلة تأسيس النظام، فأنا لا أوافقه الرأي لأنّي أعتقد أنّ هذه الفلسفة ليست صانعة للحضارة وإذا كان على الثورة أن تخطو خطوات في الاتجاه الصحيح وتحقيق أهدافها فعليها أن تواصل نفس المسير الذي أفضى إلى الثورة مع الاستعانة بعناصر التحوّل والتجديد.

وبين الشيخ سبحاني: بالنسبة للثورة فإنّ المعايير التي يمكن أن توصلنا إلى جوهر الثورة وعوامل انتصارها تنزع بشكل عام وفي الأغلب نحو الآراء الكلامية الفقهية الشيعية ومن خلال نظرة تجديدية. من خلال نظرة أشمل فإنّه يتم مقارنة الثورة في العصر الحاضر بثلاثة ثورات كبرى أعني الثورة الفرنسية وثورة أكتوبر الروسية والثورة الصينية، والجميع مذعن بأنّ ثورتنا هي الثورة الإسلامية والدينية الوحيدة. فالثورة الإسلامية هي الثورة الوحيدة التي تستلهم من أيديولوجية دينية، بينما الثورات الكبرى والصغرى مثل حركة جمال عبد الناصر والثورة الكوبية لم تكن تستند إلى مبادئ دينية.

عجز فوكو عن تحليل الثورة الإيرانية

وتابع الأستاذ في الحوزة العلمية حديثه قائلاً: كان ميشيل فوكو يعتقد أنّ عصر ما بعد الحداثة قد حلّ وعليه لن تكون هناك ثورات أيديولوجية كما حصل في عصر الحداثة وما قبله، لهذا السبب عندما انتصرت الثورة حضر في الميدان بكل شوق ليبرهن على نظريته بأنّ الثورة الإيرانية هي من نوع ما بعد حداثي، ولكن عندما تعرّف على الثورة عن قرب خاب أمله في الثورة وعرف أنّها ليست كذلك بل هي ثورة دينية وتقليدية بكل معنى الكلمة، وقد اعترف بذلك في مقابلاتها الصحفية اللاحقة. لقد اعترف الجميع بأنّ البعد الأيديولوجي الديني للثورة لا يمكن العثور عليه في أيّ ثورة أخرى. لأنّ باراديم الثورة أعني الظروف والأرضية والعناصر المعنائية وإطار الثورة لا تشبه أيّاً من النماذج الإصلاحية الحديثة ذلك أنّها لم تتضمّن أيّ حركة مسلحة ثورية.

وفي هذه الأثناء طرح الدكتور سبحاني سؤالاً: ما هي المقاربة المعنائية التي أدّت إلى تفجير الثورة، ثم تابع حديثه قائلاً: هناك ثلاث فرضيات في هذا المجال، فريق يقول أنّ الرؤية التجديدية و النظرة العقلانية الحديثة إلى الشيعة والتمسّك بالتجديدية في التقاليد الدينية والقومية والطوائفية والثقافية وفتح الآفاق أمام التغييرات الاجتماعية مثل التحولات التي شهدها عصر الثورة الدستورية وحركة تأميم الصناعة النفطية ووجود شخصيات مثل مصدق وبازركان ...إلخ هي التي أدّت إلى تفجير الثورة، طبعاً نحن لا ننكر تأثير هذه التحولات التاريخية، ولكن هل حقّاً أنّ هذه الرؤية هي التي مهّدت للثورة؟ أم إنّها كانت عوامل مساعدة وفاعلة؟ إنّني أميل لهذا الرأي.

وتابع سبحاني حديثه قائلاً: الفرضية الثانية تقول بأنّ التركيبة الفلسفية والعرفانية الشيعية للثورة هي التي مهّدت لتفجيرها، وأنصار هذا الرأي يقدّمون شواهد وأدلة على ما يقولون وخير دليل هو الخلفية الفلسفية والعرفانية للإمام الخميني (رحمه الله). أنا لا أنفي هذه العوامل ولكن هذه الفرضية أيضاً لا تفسّر جذور الثورة، فالأعمال الفلسفية والعرفانية للإمام الخميني (رحمه الله) لم يكن حضور أو بروز قبل الثورة ولم تكن معروفة بل إنّ كتبه انتشرت بعد الثورة. كما أنّ الأفكار الفلسفية لبعض الشخصيات مثل العلامة الطباطبائي والشهيد مطهري كانت أقل انتشاراً قياساً بأفكارهم الكلامية، مع العلم أنّ الشخصيات الفكرية المعاصرة للثورة كانت تتسم بطابع فقهي كلامي.

البنى الكلامية الفقهية الأصيلة للتشيّع وظهور الثورة

ولا يزال الكلام لأستاذ البحث الخارج في الحوزة العلمية الدكتور سبحاني الذي قال: الفرضية الثالثة، والتي أتبنّاها شخصياً، تقول بأنّ البنى المعرفية والمعنوية للشيعة كانت المحرّك المشغّل للثورة وهذه البنى والعناصر هي التي تمايز الثورة عن سائر الثورات وحركات النهضة الأخرى، فكلما أراد التيار التجديدي وبمواكبة الجماهير أن يحدث تحولاً فإنّه يستعين بهذه الثروة المعرفية للشيعة. وهناك عدّة مؤشرات تؤيّد صحة هذه الفرضية، أولاً، منطلقات الثورة أعني ما هي الخلفية التي ارتبطت بها ثورة عام 1963 م؟ الإمام الخميني (رحمه الله) عندما كان يشرح جوهر الثورة لم يكن  يحيلها على الثورة الدستورية وإن فعل فإنّه كان يحيلها على جانب من الثورة الدستورية يتعلّق بعلماء كبار مثل الشيخ فضل الله نوري والمرحوم الآخوند الخراساني.

وتابع الدكتور سبحاني حديثه قائلاً: الخصوصية الأخرى هي الرموز، مثلاً الحجاب تحوّل في الثورة إلى رمز، فوجوه الذين كان لهم دور على مسرح الثورة والأماكن التي انطلقت منها أحداث الثورة، هي في الأغلب المساجد التي شكّلت قاعدة انطلاق الثورة، وكذلك زيّ رجال الدين الذي أصبح رمزاً لقيادة الثورة. وكذلك توجد خصوصية أخرى وهي الشعارات، إذ لم يكن هناك أيّ شعار ثوري لا يحمل مضموناً دينياً شيعياً واضحاً وصريحاً، فحتى عندما كان يرفع شعار الاستقلال والحرية كان يختم بلاحقة تحمل مضموناً إسلامياً مثل الجمهورية أو الحكومة الإسلامية وكذلك شعار الله أكبر وهو أهم شعار في الثورة. والخصوصية الأخرى أنّ فكر الثورة هو الفكر الشيعي البنيوي المتّصل بالكلام والفقه.

وأضاف مدير مؤسسة معارف أهل البيت (عليهم السلام): أبرز النظريات التي طُرحت خلال الثورة وتحوّلت فيما بعد إلى إطار للدستور هي نظرية ولاية الفقيه، طبعاً هناك نظريات مختلفة أخرى طُرحت من أجل إقامة صرح الثورة، ولكن أيّ منها لم يلق رواجاً إلّا في أوساط النخب فقط ولكن عندما كان الإمام الخميني (رحمه الله) يصدر أيّ أمر، كانت جماهير الشعب تنزل إلى الشوارع بصدور عامرة بالإيمان ملوحّة بقبضاتها، ذلك أنّ تصوّر هذه الجماهير عن قرارات القيادة ومراجع الدين هو أنّ مواجهة الطاغوت عبارة عن تكليف ديني وشرعي، ولم تكن نظرية ولاية الفقيه تدرّس من قبل الإمام الخميني (رحمه الله) فحسب وإنّما كانت تدرّس أيضاً من قبل فقهاء آخرون قبل سنوات من ذلك، إلّا أنّ عدول المجتمع الإيراني عن الثورة الدستورية وحركة تأميم النفط وانصرافه عن طلب العون من الشرق والغرب طبقاً لشعار لا شرقية لا غربية يشير إلى أنّ الثورة لم تكن لها جذور عرفانية. فإنّنا لا نجد في أيّ من أدبيات الإمام صبغة عرفانية لولاية الفقيه بل صبغة فقهية. فمشروعية ولاية الفقيه ومقبوليتها وطبيعة وظائفها كلّها فقهية، ولا علاقة لها بالعرفان مطلقاً.

وتابع الدكتور سبحاني حديثه فقال: إنّ زعماء الثورة والفاعلين الرئيسيين فيها منذ 42 سنة وحتى قبل ذلك كلّهم كانوا من رجال الدين والحوزة وحتى الشخصيات من قبيل بازركان كانت لغتهم التواصلية مع المجتمع مقتبسة من نموذج السلوك والكلام الخاص برجال الدين، وقد بيّنت البحوث أنّ جوهر الثورة وأعماقها قائمة على الفكر الشيعي التقليدي الكلامي والفقهي. وهنا يتساءل البعض إن كان الفكر الفقهي والكلامي بقراءته التقليدية هو الذي أدّى إلى تفجير الثورة؟ إنّني شخصياً أعزو الهيكل العام لأفكار الثورة إلى النهج الكلامي والفقهي الشيعي من بغداد وحتى عصر الثورة، المسيرة التي بدأتها شخصيات مثل العلامة الحلي والخواجة نصير الدين الطوسي والشيخ المفيد والأشعريون في قم وتشكيل الحكومة في قم والحلة وبغداد والدولة الصفوية كلّها تؤكّد على هذه المسألة. إنّ العامل الذي دفع إلى تشكيل الدولة الصفوية هو المنظومة الفقهية والكلامية الشيعية. وعليه فإنّ الهوية الكلامية والفقهية الشيعية للثورة ليست منقطعة عن جذورها التاريخية.

ثم قال رئيس جمعية الكلام في الحوزة: لا شكّ في أنّه قبيل الثورة جرت مراجعات متكررة عديدة على التشيّع الفقهي الكلامي، فالهيكل الرئيسي للثورة كان قائماً على هذه المسألة ولكن في إطار أدبيات جديدة حيث أعادت بناء نفسها بما ينسجم وخصائص العصر والمكان، واستطاعت أن تتلاقح بأفكارها مع مخاطبين جدد، طبعاً أحياناً البعض يعزو ذلك إلى النزوع نحو الاعتزال، في حين أنّ البنى المشكّلة للثورة لم تنحُ هذا المنحى أبداً، على الرغم من أنّ الثورة قد تبلورت في ظلّ المراجعة الفقهية والكلامية الشيعية، ولو تحلّينا بالإنصاف العلمي لكان من الصعب علينا غضّ النظر عن الامتداد الهوياتي الشيعي في الثورة، وكذلك كان للرؤية التحولية وتطوّر الأدبيات العلمية والفكر السياسي دور مؤثّر أيضاً.

المناهج الكلامية والفقهية سبب بقاء الثورة

وفي حديث متجدّد وفي معرض ردّه على الانتقادات الموجهة أضاف حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سبحاني:

لا ينبغي لنا أن نرتمي في أحضان الفلسفة والحكمة المتعالية من أجل بناء صرح الثورة ورسم آفاقها المستقبلية وإنّما علينا أن نتحرّى المحاور في المناهج الكلامية والفقهية الشيعية، والسؤال المطروح هو: هل ينبغي أن تتشكل القاعدة ومركز الثقل الرئيسي للعملية الحضارية للثورة   من المحاور الرئيسية التي بلورت الثورة أم من الموضوعات الجانبية؟ لم يكن أيّ عالم وفيلسوف بصدد تأسيس فلسفة سياسية، فالنظام السياسي الفلسفي يجب أن نجده بصورة واضحة في أدبيات صدر الدين الشيرازي إلّا أنّنا نجد أنّ الأمر ليس كذلك. وختم الدكتور سبحاني حديثه بالإشارة إلى تعددية أبعاد زعماء الثورة وقال: من المؤكّد أنّ الإمام الخميني (رحمه الله) قد خطا خطوات واسعة على طريق العرفان والفلسفة ولكن هل هذين العاملين هما اللذان دفعا عجلة الثورة إلى الإمام؟ فهل استعان الشهيد مطهري بالأيديولوجية المنبثقة عن علم الكلام لمواجهة الأفكار المنافسة التي ظهرت في عصره أم بالفلسفة والعرفان؟ بالنسبة للإنسان والمصير كان يستعين بالآيات والمناهج الكلامية في ردّه على الأفكار المنافسة وإن كان يحيل في بعض الأحيان على الجوانب الفلسفية والعرفانية أيضاً. فالإمام الخميني (رحمه الله) عندما طرح نظرية ولاية الفقيه استمدّ جوهرها من باطن علم الكلام ومنظومة الإمامة.

المصدر: موسسه البیان للتواصل و التاصیل

سمات

ارسال التعليق

You are replying to: .
2 + 2 =