وكالة أنباء الحوزة - كتب آية اللّه عبّاس الكعبيّ، عضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة الإيرانيّ، في مذكّرةٍ له:
«في منظومة الحسابات المادّيّة، تُختزل القوّة في فوهة البندقيّة والتفوّق التكنولوجيّ، لكن في الثقافة القرآنيّة، فإنّ القدرة الحقيقيّة للّه وحده: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِه﴾ [يوسف: 21]. فالمشيئة النهائيّة للّه تعالى هي الغالبة دائمًا، ولا يمكن لأيّ مخطّطٍ، مهما بلغ من التعقيد، أن يحبط المشيئة الإلهيّة. وفي المنظار القرآنيّ، فإنّ القوّة المادّيّة، مهما بدت عظيمةً، تبقى أمام الإرادة الإلهيّة والمقاومة الإيمانيّة ﴿أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ [العنكبوت: 41].
إنّ وحدة العمليّات الخاصّة للجيش الأمريكيّ "دلتا فورس = Delta Force"، التي أُنشئت عام 1977م بهدف تنفيذ عمليّات مكافحة الإرهاب والتسلّل في العمق، هي نتاج صناعة الرواية الهوليوديّة أكثر من كونها قوّةً عسكريّةً مطلقةً. وتسعى الولايات المتّحدة، من خلال تضخيم قدرات هذه الوحدة، إلى تحطيم إرادة الشعوب وسلب روح المقاومة منها قبل إطلاق الرصاصة الأولى؛ وهو تجسيدٌ بارزٌ للآية الكريمة: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيطانُ يُخَوِّفُ أَولِياءَهُ﴾ [آل عمران: 175].
إنّ سجلّ دلتا فورس مثقلٌ بهزائم نكراء حطّمت هيبتها المزعومة؛ بدءًا من واقعة طَبَس، حيث تعطّلت معدّاتهم هناك، وكانت الرمال ــ كما عبّر الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) ــ مأمورةً من قبل اللّه، وصولًا إلى الانسحاب المُهين من لبنان، ثمّ معركة مقديشو الدامية التي أبطلت فيها صور جثث الجنود الأمريكيين أسطورة "القوّة التي لا تُقهر" المنسوبة إلى هذه القوّة في أعين العالم.
أمّا العمليّة التي نُفّذت فجر يوم 3 يناير 2026م في فنزويلا، والتي رافقها قصف البنى التحتيّة وقطع التيّار الكهربائيّ واختطاف الرئيس الشرعيّ للبلاد، فهي تتجاوز كونها عملًا عسكريًّا، لتشكّل انتهاكًا صارخًا لجميع القوانين الدوليّة، وعودةً واضحةً إلى عصر الهمجيّة. فالغاية من هذه "القرصنة الحديثة" التي جرت بأمرٍ من ترامب ليست سوى نهب الثروات الوطنيّة من نفطٍ وغازٍ وذهبٍ، وإذلال الشعوب المستقلّة.
وعلى الرغم من أنّ العدوّ قد يمتلك فرص "نجاحٍ تكتيكيٍّ" في البيئات التي تعاني من انقساماتٍ داخليّةٍ، إلّا أنّ السنن الإلهيّة تؤكّد أنّ هذه الانتصارات الظاهريّة لن تدوم. ويُعدّ تاريخ الأنبياء أصدق شاهدٍ على قوله تعالى: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 42]. فاللّه سبحانه هو الحاكم المطلق الذي يخلق من قلب التهديد انفراجًا: فالنبيّ يوسف (عليه السلام)؛ ألقاه إخوته في البئر ليتخلّصوا منه، لكنّ ذلك البئر، ثمّ السجن، صار طريقًا لوصوله إلى عرش العزّة في مصر. والنبي موسى (عليه السلام)؛ سعى فرعون إلى قتله بقتل الأطفال، لكنّ إرادة اللّه جعلت موسى يترعرع في حجر فرعون نفسه! والنبي الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله)؛ تآمر الأعداء على قتله في ليلة الهجرة، لكنّ ذلك التهديد كان بدايةً لانتشار الإسلام عالميًّا. تُظهر هذه السنّة الإلهيّة أنّ الهزائم الظاهريّة أو الانتصارات المؤقّتة للعدو، يمكن أن تكون في إطار الحكمة الإلهيّة تمهيدًا لانتصاراتٍ أكبر وصحوةٍ شاملةٍ للشعوب المقاومة في مواجهة "الهتلريّة الحديثة".
وفي مواجهة هذا الاصطفاف الحربيّ والإعلاميّ، يبرز إجراءان ضروريّان:
أوّلًا: تعزيز الجاهزيّة الشاملة؛ فلا ينبغي الغفلة عن نظام الأسباب والمسبّبات، فوفقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60] يُعدّ رفع مستوى الردع الدفاعيّ والعسكريّ أمام أيّ احتمالٍ واجبًا شرعيًّا.
ثانيًا: كسر الحصار الدعائيّ؛ فيجب ألّا ننهزم أمام إيحاءات الإمبراطوريات الإعلاميّة؛ إذ يسعى العدوّ، عبر تضخيم عمليّة فنزويلا، إلى إرباك منظومتنا الحسابيّة. فـدلتا فورس والشبكات الإعلاميّة الداعمة لها، ليست سوى أدواتٍ شيطانيّةٍ لبثّ الخوف. ولكن كما أثبتت واقعة طبس، فإنّ المقاومة الشعبيّة والإيمان القلبيّ قادران على تحويل أعقد مخطّطات واشنطن إلى هزيمةٍ استراتيجيّةٍ.
إنّ المستقبل للشعوب المقاومة، إذ ﴿إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا﴾ [الشرح: 5]؛ ففي قلب كلّ شدةٍ يكمن فرجٌ يتحقّق بالتدبير والتوكّل.
ومن بيانات قائد الثورة الإسلاميّة الإمام الخامنئيّ:
لا يمكن للأمور أن تتقدّم بالجلوس والمشاهدة وانتظار خطأ العدو؛ بل لا بدّ من السعي المتواصل، والحضور الفاعل في ميدان العمل، وبذل الجهود، والتوكّل على اللّه، والمجاهدة، والتخطيط المتقابل الدائم؛ فهذه هي وظيفة المسؤولين. كما يجب تعزيز مؤلّفات القوّة الوطنيّة، ومن أبرزها القوّات المسلّحة، وإنتاج القوّة وإظهارها في الميدان العمليّ. (19/11/1399هـ.ش الموافق لـ 07 فبراير 2021م)
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196-197].»
* تُعدّ واقعة طبس (عمليّة مخلب النسر) التي نُفّذت في 24 أبريل 1980، أكبر فشلٍ عسكريٍّ لقوات "دلتا فورس" الأمريكيّة في صحراء إيران. هدفت العمليّة إلى تحرير الرهائن الأمريكيين، لكنّها انتهت بكارثةٍ إثر عاصفةٍ رمليّةٍ أدّت إلى اصطدام الطائرات ومقتل 8 جنودٍ، ممّا جعلها رمزًا لانكسار الهيمنة التقنيّة أمام الإمداد الغيبيّ.
لمراجعة المقال باللغة الفارسيّة يرجى الضغط هنا.
المحرر: أمين فتحي
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك