وكالة أنباء الحوزة - قال حجّة الإسلام والمسلمين حسين سنائيّ، أستاذ المستويات العليا في حوزة قم العلميّة، موضحًا: يمكن تقسيم حسابات القوّة إلى نوعين: الحسابات المادّيّة والحسابات غير المادّيّة أو الحسابات الإلهيّة. ووفق الحسابات المادّيّة، تُقاس قوّة الدولة حصرًا على أساس مؤشّراتٍ كمّيّةٍ ومادّيّةٍ، من قبيل حجم الناتج المحلّيّ الإجماليّ، والتسليح العسكريّ، واتّساع مساحة البلاد، وموارد الوقود الأحفوريّ، وهي عوامل تُؤخذ في الاعتبار عند تقييم قوّة الدول.
ما العوامل التي تتجاوز القوّة المادّيّة في الحسابات الإلهيّة؟
وأضاف هذا الأستاذ الحوزويّ: الحسابات الإلهيّة لا تعني تجاهل الحقائق المادّيّة، ولا استبعاد المؤشّرات المذكورة من عمليّة التقييم؛ بل تعني أنّ التقييم، إلى جانب أخذ هذه العوامل في الحسبان، يشمل عوامل أخرى أيضًا.
وتابع قائلًا: الحسابات الإلهيّة تعني النظر إلى منظومة الوجود بأكملها والسنن الحاكمة لها؛ فالمادّة ليست سوى جزءٍ من هذه المنظومة. وبناءً على ذلك، تُقيّم القوّة في الحسابات المادّيّة استنادًا إلى عددٍ من المؤشّرات المادّيّة، في حين تأخذ الحسابات الإلهيّة، إلى جانب هذه المؤشّرات، أبعادًا أخرى من منظومة الوجود في الحسبان.
الصبر قادرٌ على تحييد التفوّق المادّيّ للعدوّ
وأشار حجّة الإسلام والمسلمين سنائيّ إلى العوامل غير المادّيّة للقوّة الواردة في الآيات والروايات، معتبرًا الصبر أوّلها، وقال: الصبر أحد العوامل غير المادّيّة المؤثّرة في قوّة أيّ حكومةٍ أو شعبٍ.
واستشهد بالآية 65 من سورة الأنفال، قائلًا: تؤكّد هذه الآية المباركة دور الصبر في تمكين الفئة القليلة من التغلّب على الفئة الأكثر عددًا. ووفقًا لهذا المنطق، يستطيع مئة مقاتلٍ صابرٍ التغلّب على ألف مقاتلٍ من الأعداء، مع أنّ الحسابات المادّيّة تظهر أنّ عدد مقاتلي أحد الطرفين لا يتجاوز عُشر عدد مقاتلي الطرف الآخر، وهو ما قد يفضي، وفق هذا التقدير، إلى هزيمة الفئة الأقلّ عددًا.
وأشار إلى واقعة مواجهة 313 مقاتلًا من جيش المسلمين ألفًا من جنود العدوّ، قائلًا: يُعدّ عدد المقاتلين أحد معايير قياس القوّة في الحسابات المادّيّة، في حين يُنظر إلى الصبر في الحسابات الإلهيّة بوصفه عاملًا غير مادّيٍّ يعزّز قوّة جيش الإسلام.
وتابع موضحًا: لا يقتصر الصبر على المقاتلين، بل يشمل جميع أفراد الشعب أيضًا، ويُعدّ من العوامل غير المادّيّة التي تسهم في تعزيز قوّة النظام.
تابع أيضاً:
إيران؛ القوّة الأولى عالميًّا وفق الحسابات الإلهيّة
الأحداث غير المتوقّعة قد تغيّر معادلات القوّة
واعتبر حجّة الإسلام والمسلمين سنائيّ جنود الله العامل الثاني غير المادّيّ في تحقيق القوّة، وقال: كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح: 7]، فإنّ السماوات والأرض جميعًا من جنود الله سبحانه وتعالى.
وأضاف: قد تتضافر أحداثٌ غير متوقّعةٍ أحيانًا على نحوٍ تعجز معه أيّ مركزٍ للتخطيط عن توقّع ما سيترتّب عليها أو احتسابها؛ غير أنّ هذه العوامل المفاجئة قد تؤثّر في قوّة النظام الإلهيّ وفي انتصار المقاتلين المسلمين.
وأشار إلى واقعة طبس* بوصفها مثالًا على ذلك، موضحًا: إذا نظرنا إلى هذه الواقعة من منظورٍ مادّيٍّ، فسنجد أنّ طائرات العدوّ المقاتلة دخلت الميدان، وربّما لم تكن القوّات الإسلاميّة على علمٍ بوجودها؛ ومع ذلك، برزت عوامل غير متوقّعةٍ أسهمت في إلحاق الهزيمة بالعدوّ.
وأشار، في معرض حديثه عن الحرب الأخيرة، إلى ضرورة أخذ مثل هذه الأحداث والعوامل غير المتوقّعة في الحسبان عند تقييم القوّة.
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾؛ منطق القوّة في ظلّ التوكّل
وأوضح حجّة الإسلام والمسلمين سنائيّ أنّ التوكّل على الله هو العامل الثالث غير المادّيّ للقوّة في الحسابات الإلهيّة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: 160]، وأكّد قائلًا: إذا نصر الله الإنسان، فلن يتمكّن أحدٌ من التغلّب عليه.
وأضاف: تعني هذه الآية المباركة أنّه إذا كان الإنسان يستند إلى الله تعالى، وشمله النصر الإلهيّ، فلن يتمكّن أيّ فردٍ أو نظامٍ أو قوّةٍ في العالم من التغلّب عليه؛ فالمسألة الأساسيّة تكمن في أن يتوكّل الإنسان على الله تعالى ويعتمد عليه.
ماذا يعني تصدّر إيران ترتيب القوّة وفق الحسابات الإلهيّة؟
واستعرض هذا الأستاذ الحوزويّ العوامل المذكورة، مضيفًا: ليس المقصود بتصدّر الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة ترتيب القوّة وفق الحسابات الإلهيّة أن تحتلّ إيران المرتبة الأولى عالميًّا في المؤشّرات المادّيّة، مثل متوسّط دخل الفرد أو الميزانيّة العسكريّة؛ بل إنّ هذا التقييم يأخذ في الحسبان أيضًا العوامل غير المادّيّة المؤثّرة في قوّة الدولة، والتي قد يتجاوز أثرها ما تحقّقه العناصر المادّيّة البحتة.
وتابع: إنّ التوجّه إلى الله في المجتمع الإيرانيّ، ووجود مقاتلين يتوكّلون عليه، فضلًا عن إمداد جنود السماوات والأرض، من العوامل التي تجعل الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، وفق الحسابات الإلهيّة، في صدارة القوّة عالميًّا.
قائدا الثورة الإسلاميّة جمعا بين التنمية المادّيّة والاعتماد على القوّة الإلهيّة
وفي معرض توضيحه دور قائدَي الثورة الإسلاميّة، الإمام الخمينيّ والإمام الخامنئيّ الشهيد (رضوان الله تعالى عليهما)، في بلوغ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة هذه المكانة، قال حجّة الإسلام والمسلمين سنائيّ: إنّ قائدَي الثورة الإسلاميّة، إلى جانب اهتمامهما بالعوامل غير المادّيّة، أوليا المقوّمات المادّيّة للقوّة اهتمامًا أيضًا، وعملا على تطوير القدرات العلميّة والصناعيّة والصاروخيّة والنوويّة بما يتناسب مع موارد البلاد وإمكاناتها وميزانيّتها.
وتابع قائلًا: إلى جانب الاهتمام بهذه العوامل المادّيّة، جرى توجيه الشعب والمسؤولين ومؤسّسات صنع القرار إلى استحضار قدرة الله التي لا تنفد، وترسيخ الإيمان بأنّ التوكّل على الله سبحانه وتعالى يجلب نصره وتأييده.
وأشار إلى مبدأ التوحيد الأفعاليّ في خطابات قائدَي الثورة الإسلاميّة، موضحًا: يتجلّى هذا المبدأ بوضوحٍ في كلماتهما؛ إذ لم يكونا ينسبان أيّ فعلٍ إلى نفسيهما، بل كانا يردّان الأمور إلى الذات الإلهيّة المقدّسة.
الثقة بالنفس الوطنيّة والترابط بين الشعب والحكومة يحولان دون العودة إلى الماضي
وأشار حجّة الإسلام والمسلمين سنائيّ إلى تأكيد قائد الثورة الإسلاميّة على ضرورة عدم عودة إيران إلى أوضاع الماضي، وقال: لن تعود إيران إلى مرحلةٍ كانت فيها القوى الشرقيّة والغربيّة تتّخذ القرارات بشأنها، وتكون فيها البلاد خاضعةً بالكامل لآراء الآخرين وتوجّهاتهم وأوامرهم.
وفي معرض بيانه العوامل المؤثّرة في الحيلولة دون العودة إلى تلك المرحلة، قال: يتمثّل العامل الأوّل في بلوغ إيران والشعب الإيرانيّ مستوى من الثقة بالنفس والاعتزاز الوطنيّ. فعندما يؤمن الشعب بعزّته وقدرته على الوقوف في وجه القوى الكبرى، فإنّه لن يقبل بالمهانة بعد ذلك.
وأضاف: يتمثّل العامل الثاني في الترابط الوثيق بين الحكومة والشعب؛ فالقاعدة الشعبيّة والديمقراطيّة الدينيّة اللتان يقوم عليهما نظام الحكم تسهمان في دفع الشعب إلى رفض العودة إلى الأوضاع المهينة التي سادت في الماضي.
ثلاثة تهديداتٍ تواجه الثورة الإسلاميّة؛ من ترف المسؤولين إلى الخمول الثقافيّ
وشدّد حجّة الإسلام والمسلمين سنائيّ على ضرورة وعي المسؤولين بالتهديدات التي تواجه النظام، وقال: يتمثّل أحد هذه التهديدات في النزعة إلى الترف والبذخ؛ إذ إنّ اتّجاه المسؤولين نحو حياة الترف من شأنه أن يضعف القاعدة الشعبيّة للمجتمع.
وعدّ ضعف الأداء الاقتصاديّ التهديد الثاني، مضيفًا: إذا عجز المسؤولون عن اتّخاذ تدابير سليمةٍ لإدارة اقتصاد المجتمع، فستتحوّل هذه المسألة إلى أحد التهديدات التي تواجه النظام.
واعتبر الخمول الثقافيّ التهديد الثالث، مؤكّدًا: إذا سادت حالةٌ من الانفعال والاستسلام أمام التحوّلات الثقافيّة، ونسي الناس القيم الإيجابيّة المستمدّة من الدين، فقد يشكّل ذلك تهديدًا لمستقبل النظام والثورة.
وختم حجّة الإسلام والمسلمين سنائيّ حديثه بالقول: إنّ تراجع حضور الرموز الدينيّة في المجتمع ونسيان القيم الدينيّة الإيجابيّة في أعقاب التحوّلات الثقافيّة من المسائل التي تستدعي الاهتمام؛ لأنّ مثل هذا الوضع قد يعرّض مستقبل النظام والثورة للتهديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تُعدّ واقعة طبس (عمليّة مخلب النسر) التي نُفّذت في 24 أبريل 1980، أكبر فشلٍ عسكريٍّ لقوات "دلتا فورس" الأمريكيّة في صحراء إيران. هدفت العمليّة إلى تحرير الرهائن الأمريكيين، لكنّها انتهت بكارثةٍ إثر عاصفةٍ رمليّةٍ أدّت إلى اصطدام الطائرات ومقتل 8 جنودٍ، ممّا جعلها رمزًا لانكسار الهيمنة التقنيّة أمام الإمداد الغيبيّ.
تابع أيضا:
قائد الثورة يصف إيرانَ بأنّها القوّة الأولى عالميًّا وفق الحسابات الإلهيّة
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرر: أمين فتحيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك