وكالة أنباء الحوزة - في كلمةٍ ألقاها خلال مجلس العزاء الذي أُقيم إحياءً لذكرى استشهاد السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في الحرم المطهّر للسيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، أكّد حجّة الإسلام والمسلمين السيّد محمّد حسين راجي أنّ الغفلة عن العدوّ والجهل بمخطّطاته وأهدافه من أبرز العوامل التي تضعف روح المقاومة في المجتمع الإسلاميّ، ولا سيّما عند المنعطفات التاريخيّة، مشدّدًا على ضرورة تعزيز البصيرة وفهم التطوّرات السياسيّة والتدقيق في الأخبار والروايات الإعلاميّة وتحليلها.
وأشار إلى ما سبق أن تناوله من عوامل إضعاف روح المقاومة، معدّدًا منها طلب الراحة والدنيا، والخوف والاستسلام للآخر، فضلًا عن تفشّي الفساد والفحشاء، وأضاف: إنّ العامل الرابع هو الغفلة عن العدوّ؛ إذ إنّ المجتمع الذي لا يدرك تحرّكات الطرف المقابل وأهدافه إدراكًا صحيحًا، ولا يولي مخطّطاته الاهتمام اللازم، قد يقع في أخطاءٍ عند المنعطفات الحسّاسة ويتكبّد خسائر فادحةً.
قصة شرحبيل والحرب الإدراكيّة التي شنّها معاوية
وتطرّق خطيب الحرم المطهّر للسيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) إلى روايةٍ تاريخيّةٍ عن مساعي معاوية لاستمالة شرحبيل إلى صفّه في المواجهة مع أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، موضحًا: لقد وضع معاوية أشخاصًا في طريق شرحبيل للتأثير في قناعاته، فكانوا يكرّرون أمامه ادّعاء تورّط الإمام عليّ (عليه السلام) في مقتل الخليفة الثالث. وكان شرحبيل يرفض هذا الادّعاء في البداية، لكنّ تكراره على ألسنة أشخاصٍ متعدّدينٍ أثّر فيه، حتّى انتهى به الأمر إلى اتّخاذ موقفٍ مغايرٍ.
واعتبر هذه الحادثة نموذجًا لما يُعرف اليوم بـ"الحرب الإدراكيّة"، قائلًا: إنّ تكرار ادّعاءٍ ما على ألسنة أشخاصٍ مختلفين قد يؤثّر في ذهن المتلقّي، حتّى وإن لم يكن مقتنعًا به في البداية. وقد يعدّ العدوّ رسائل ومحتوياتٍ متنوّعةً لفئاتٍ مختلفةٍ، من بينها الخطباء والمدّاحون والشخصيّات المشهورة ومستخدمو شبكات التواصل الاجتماعيّ، بهدف نشر الرواية التي يريد ترسيخها.
وأشار إلى بعض المنشورات التي انتشرت عبر الفضاء الافتراضيّ خلال احتجاجات عام 1401 الإيرانيّ (2022م)، ومنها الادّعاء بأنّ قوّات الأمن دخلت مدرسةً للبنات وتسبّبت في مقتل إحدى الطالبات، قائلًا: إنّ إحدى الشخصيّات المشهورة، بعد نشرها هذا الادّعاء، تلقّت دعوةً من أحد أئمّة الجمعة للوقوف على حقيقة الأمر ميدانيًّا. وقد أفاد هذا الشخص بأنّه تلقّى رسائل عديدةً بشأن الحادثة، وأنّه نشر ما نشره استنادًا إلى تلك الرسائل.
وشدّد على أنّ الانتشار الواسع لادّعاءٍ ما لا يُعدّ، بحدّ ذاته، دليلًا على صحّته، مؤكّدًا: ينبغي التحقّق من المصادر والأدلّة ومدى صحّة المعلومات قبل إعادة نشر الأخبار أو اتّخاذ المواقف من الأحداث؛ إذ إنّ الغفلة عن أساليب الحرب النفسيّة قد تجعل الأفراد، من حيث لا يشعرون، أدواتٍ لترويج رواياتٍ مغلوطةٍ.
البصيرة؛ التمييز بين الحقّ وما يتزيّا بزيّه
وتابع حجّة الإسلام والمسلمين راجي حديثه، معتبرًا أنّ البصيرة تتجاوز مجرّد التمييز بين الحقّ والباطل، وقال: إنّ التمييز بين الحقّ والباطل ليس صعبًا في كثيرٍ من المواقف، لكنّ التحدّي الحقيقيّ يكمن في التمييز بين الحقّ وما يتزيّا بزيّه، وبين الحقيقة والسراب، في بيئةٍ تختلط فيها المعلومات المتناقضة.
وأضاف: إنّ البصيرة تساعد الإنسان على ألّا يخلط بين ظواهر الأمور وحقائقها وسط تعدّد الروايات، وأن يصدر أحكامًا متأنّيةً ومدروسةً بشأن التطوّرات المعقّدة.
وأشار إلى موقف القائد الشهيد (رضوان الله تعالى عليه) خلال حرب الخليج الفارسي عام 1991م، إبّان هجوم التحالف بقيادة الولايات المتّحدة على العراق، قائلًا: إنّ بعض أعضاء مجلس الشورى الإسلاميّ طالبوا آنذاك بدعم العراق في مواجهة الولايات المتّحدة، غير أنّ القائد الشهيد أعلن أنّه يرى كلا طرفَي الحرب على باطلٍ، وأنّ الجمهوريّة الإسلاميّة ينبغي ألّا تنخرط فيها.
واعتبر هذا القرار، في ضوء الظروف السياسيّة التي سادت آنذاك، نموذجًا للتحليل الاستراتيجيّ وتجنّب الوقوع في ثنائيّات سياسيّة مضلّلة، وقال: إنّ دخول إيران في تلك الحرب كان من شأنه أن يزجّ بالبلاد في مسارٍ لا ينسجم مع مصالحها وأمنها الوطنيّ.
ولفت إلى الدور الإقليميّ للجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة في التطوّرات التي شهدتها العراق وسوريا ولبنان، معتبرًا أنّ هذه التحرّكات تندرج ضمن استراتيجيةٍ، بحسب تقديره، حالت دون تنفيذ بعض الخطط الأمريكيّة في المنطقة.
وتطرّق إلى التحوّلات التي شهدتها القدرات العسكريّة الإيرانيّة على مدى العقود الماضية، ولا سيّما التقدّم في مجالي الصواريخ والطائرات المسيّرة، موضحًا: إنّ تطوير هذه القدرات كان جزءًا من الاستراتيجيّة الدفاعيّة للبلاد لمواجهة التفوّق العسكريّ للقوى الكبرى.
وتناول أيضًا القدرات الإيرانيّة في مجال الطائرات المسيّرة، مشيرًا إلى الحرب الروسيّة الأوكرانيّة والتقارير المتعلّقة باستخدام طائراتٍ مسيّرةٍ إيرانيّةٍ فيها، واعتبر ذلك مؤشّرًا على التطوّر الذي شهدته التكنولوجيا العسكريّة الإيرانيّة مقارنةً بالعقود الماضية.
دور الاستراتيجيّات غير المتكافئة في القدرات الدفاعيّة الإيرانيّة
وأشار حجّة الإسلام والمسلمين راجي إلى مقالٍ لأحد أساتذة جامعة جورجتاون تناول فيه مقارنة الاستراتيجيّات التي يتّبعها قادة إيران والولايات المتّحدة، مبيّنًا: يعدّ هذا التحليل اعتماد الأساليب غير المتكافئة والحرب غير النظاميّة سبيلًا لمواجهة التفوّق العسكريّ للقوى الكبرى.
وتابع موضحًا: إنّ الدولة لا تملك القدرة على إنتاج جميع المعدّات العسكريّة المتطوّرة التي يمتلكها خصمها أو الحصول عليها، تستطيع التركيز على تطوير قدراتٍ تتناسب مع إمكاناتها، بما يرفع كلفة العمليّات العسكريّة على الطرف المقابل.
وأشار إلى الصواريخ الباليستيّة والزوارق السريعة، معتبرًا أنّهما من أبرز نماذج الاستراتيجيّة الدفاعيّة غير المتكافئة التي تعتمدها إيران.
الغفلة عن التهديدات وتداعياتها في الفضاء الافتراضيّ
ولفت خطيب الحرم المطهّر إلى دور شبكات التواصل الاجتماعيّ في تشكيل تصوّرات جيل الشباب، قائلًا: إنّ تلقّي الأخبار والصور من دون معرفة سياقاتها وأهداف الجهات التي تنشرها قد يؤدّي إلى تكوين تصوّراتٍ خاطئةٍ عن التطوّرات والأحداث.
واستشهد بصورةٍ نُشرت في الأيّام الأولى من الحرب، ظهر فيها صاروخٌ يصيب مبنى في منطقةٍ سكنيّةٍ، وقال: إنّ إصدار الأحكام بشأن أهداف أطراف الصراع وسلوكها من دون التحقّق من الأدلّة قد يؤدّي إلى الوقوع في الخطأ عند تحليل الأحداث.
وأشار كذلك إلى نشاط الفرق الجهاديّة في طهران عقب الهجمات، وما بذلته من جهودٍ لمساعدة الناس وتقديم الإغاثة وجمع الأغراض المتبقّية من المباني المتضرّرة، قائلًا: إنّ بعض الأشخاص، انطلاقًا من تصوّراتهم بشأن سلوك الولايات المتّحدة وسائر الأطراف الخارجيّة، كانوا يتوقّعون أن يحول انتماؤهم السياسيّ أو دعمهم لطرفٍ معيّنٍ دون تعرّض ممتلكاتهم ومساكنهم للأضرار، غير أنّ مثل هذه التصوّرات لا يمكن أن تحلّ محلّ الفهم الواقعي للظروف والتهديدات.
وشدّد على أنّ تحليل القضايا السياسيّة والأمنيّة يقتضي مراعاة أبعادها المعقّدة، مضيفًا: إنّ اتّخاذ القرارات استنادًا إلى خبرٍ واحدٍ أو صورةٍ واحدةٍ أو انطباعٍ سطحيٍّ قد تترتّب عليه عواقب وخيمةٌ.
انتقاد الحلول القائمة على تقديم تنازلاتٍ استراتيجيّةٍ للولايات المتّحدة
انتقد حجّة الإسلام والمسلمين راجي الطروحات التي تقدّم التنازل للولايات المتّحدة عن امتيازاتٍ استراتيجيّةٍ بوصفه سبيلًا لتجنّب التوتّر، واستشهد بالتجربة الليبيّة موكّدًا: إنّ التخلّي عن جانبٍ من القدرات الاستراتيجيّة لا يحول بالضرورة دون التدخّل العسكريّ أو ممارسة الضغوط الخارجيّة.
وأشار إلى مصير نظام معمّر القذّافي والتدخّل العسكريّ لحلف شمال الأطلسيّ (الناتو) في ليبيا عام 2011م، مؤكّدًا: ينبغي التمييز بين الوعود السياسيّة التي تطلقها القوى الخارجيّة وسلوكها العمليّ على أرض الواقع.
وتناول تجربة العراق بعد الغزو الأمريكيّ عام 2003م، مشيرًا إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتيّة للكهرباء والمياه، فضلًا عن الخلافات المتعلّقة بعائدات النفط العراقيّ، وقال: إنّ هذه التجارب تؤكّد ضرورة تحليل العلاقات الخارجيّة بما يتجاوز الوعود قصيرة الأمد، مع أخذ تداعياتها بعيدة المدى في الحسبان.
وتابع موضحًا: إنّ البصيرة لا تعني تجاهل المشكلات، بل تعني النظر إليها في سياق الأهداف الأسمى والمسؤوليّات الكبرى. فالبصيرة تمنح الإنسان القدرة على اتّخاذ قراراته في مواجهة الصعوبات على أساس منظومةٍ متكاملةٍ من القيم والاعتبارات.
ضرورة اليقظة تجاه العدوّ وتعزيز البصيرة
واستشهد خطيب الحرم المطهّر للسيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) بكلام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في ضرورة اليقظة تجاه العدوّ، وقال: إنّ المجتمع الذي يغفل عن تحرّكات الطرف المقابل قد لا يدرك حجم الخطر إلّا بعد فوات الأوان وضياع فرصة اتّخاذ الموقف المناسب.
واستند إلى الآيات الأخيرة من سورة الأعراف التي تتناول غفلة الإنسان، مشدّدًا على ضرورة تعزيز القدرة على التحليل، وفهم الأهداف والأساليب الدعائيّة، والتحقّق من صحّة الأخبار، وتجنّب التبسيط المخلّ في التعامل مع القضايا السياسيّة والاجتماعيّة.
وختم مؤكّدًا: وكما أنّ طلب الدنيا والخوف والفساد يمكن أن تضعف روح المقاومة، فإنّ الغفلة عن العدوّ أيضًا قد تعرّض المجتمع للأذى عند المنعطفات التاريخيّة؛ ومن هنا، فإنّ تعزيز الوعي والبصيرة ينبغي أن يكون جزءًا أساسيًّا من المسؤوليّة الفرديّة والاجتماعيّة للمسلمين.
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرّر: حسن رحماني
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك