وكالة أنباء الحوزة - في كلمةٍ ألقاها يوم الأربعاء (30 سبمتبر 2026م) خلال مراسم افتتاح العام الدراسيّ الجديد في مدرسة "المعصوميّة" العلميّة بمدينة قم المقدّسة، تناول آية اللّه محمود رجبيّ، عضو المجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة وعضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة الإيرانيّ، عددًا من المتطلّبات والأسس التي ينبغي مراعاتها في الحياة الحوزويّة.
واستهلّ سماحته كلمته بتهنئة الحوزات العلميّة بحلول العام الدراسيّ الجديد، وإحياء ذكرى أسبوع الدفاع المقدّس (ذكرى الحرب المفروضة التي شنّها نظام صدّام حسين على إيران بين عامي 1980 و1988م)، مستذكرًا مقام السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، والإمام الخمينيّ الراحل (قدّس اللّه سرّه)، والقائد الشهيد الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، وجميع الشهداء والعلماء الربّانيّين، ومهديًا ثواب هذه المناسبات إلى أرواحهم الطاهرة.
وأشار إلى كثرة النعم الإلهيّة، قائلًا: لقد أنعم اللّه تعالى على الإنسان بنعمٍ لا تُحصى، غير أنّ بعض هذه النعم من النعم الإلهيّة الخاصّة التي لا يحظى بها جميع الناس. وحتّى بين هذه النعم الخاصّة، هناك نعمٌ تبدو في ظاهرها نعمةً واحدةً، لكنّ الإنسان إذا أمعن فيها وتأمّل أدرك أنّها تختزن في داخلها مجموعةً من النعم العظيمة.
وأضاف: على الإنسان أن يدرك أنّ طلب العلم الدينيّ والتشرّف بخدمة بقيّة اللّه الأعظم (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) من جملة النعم الإلهيّة الخاصّة؛ وهي نعمةٌ تنطوي في ذاتها على نعمٍ كثيرةٍ أخرى، وكلّ واحدةٍ منها عظيمةٌ وقيّمةٌ للغاية.
طلب العلم الدينيّ نعمةٌ لا تُقارن بشيءٍ
وأشار عضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة إلى ذكرى رواها العلّامة الراحل حسن زاده الآمليّ (رحمه اللّه)، قائلًا: كان يقول: كنت ذات يومٍ أمرّ في الشوارع والأزقّة، فرأيت رجلًا يبحث بين النفايات عن شيءٍ يجده ليقتات من خلاله. فتأمّلت في الأمر وقلت: يا ربّ، في هذه المدينة نفسها التي نعيش فيها، أناسٌ تمضي طائفةٌ من أعمارهم بين النفايات بحثًا عن شيءٍ يجدونه فيبيعونه ويؤمّنون به معاشهم؛ فما أعظم لطفك بنا، إذ يمضي عمرنا في البحث والدراسة في آيات القرآن الكريم وروايات النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام).
وصرّح قائلًا: إنّ الدروس التي ندرسها في الحوزة العلميّة تمثّل مقدّمةً لفهم الآيات والروايات فهمًا صحيحًا، وإن كانت هذه الدروس نفسها تُؤنس الإنسان بالآيات والروايات أيضًا. فالإنسان لا يدرك عظمة النعم ما لم يقارنها بغيرها من الأمور.
وأضاف: وأيّ نعمةٍ أعظم من أن يمضي الإنسان عمره في سبيل فهم كلام اللّه تعالى ومعارف أهل البيت (عليهم السلام)؟ إنّ هذه النعمة لا تُقارن بشيءٍ.
اعتبروا دخول الحوزة العلميّة دعوةً إلهيّةً
وشدّد عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة على ضرورة شكر نعمة طلب العلم الدينيّ، قائلًا: إنّ المرحلة الأولى من شكر النعمة هي الشكر القلبيّ؛ أي أن يؤمن الإنسان بأنّ حضوره في الحوزة العلميّة كان دعوةً إلهيّةً.
وأضاف: لا ينبغي للمرء أن يتصوّر أنّه أصبح طالبًا للعلم الدينيّ بجهده الشخصيّ فحسب، أو أنّ شخصًا نصحه بذلك وأرشده إلى الالتحاق بالحوزة العلميّة؛ بل عليه أن ينظر إلى حضوره في الحوزة على أنّه دعوةٌ إلهيّةٌ وتوفيقٌ من اللّه تعالى وعنايةٌ من بقيّة اللّه (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف).
وتابع: إذا نظرنا إلى حضورنا في الحوزة العلميّة من هذا المنظور، فسوف ندرك حقيقة شكر النعمة بصورةٍ أفضل. ولا شكّ في أنّ الشكر اللفظيّ مطلوبٌ أيضًا، فعلى الإنسان أن يعوّد لسانه على حمد اللّه وشكره، غير أنّ الشكر العمليّ يتمثّل في الانتفاع الصحيح والأمثل من النعمة.
على الطالب الحوزويّ أن يتلقّى دروسه بعمقٍ ودقّةٍ
واستشهد عضو المجلس الأعلى للحوزات العلميّة بالآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةًۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: 122]، قائلًا: إنّ جانبًا من فلسفة حضور الإنسان في الحوزة العلميّة يتمثّل في التفقّه في الدين، ثمّ العودة إلى الناس لهدايتهم.
وقال مؤكّدًا: على الطالب الحوزويّ أن يدرس بجدٍّ ودقّةٍ كلّ درسٍ مقرّرٍ له في النظام التعليميّ للحوزة العلميّة؛ فلا يكتفي بقراءة الدرس، بل عليه أن يفهمه ويستوعبه. فإذا لم يأخذ الإنسان دروسه على محمل الجدّ، فلن يتحقّق التفقّه الحقيقيّ.
وأضاف: وإلى جانب طلب العلم الدينيّ، ينبغي أن يتكوّن لدى الإنسان فهمٌ صحيحٌ للدين وبصيرةٌ ومعرفةٌ بالوظيفة؛ إذ إنّ تكديس المعلومات وحفظها من دون فهمٍ صحيحٍ للدين لا يوصل الإنسان إلى الغاية المنشودة.
العلم من دون تهذيبٍ قد يتحوّل إلى عائقٍ أمام النموّ
وشدّد آية اللّه رجبيّ على ضرورة تهذيب النفس، قائلًا: إنّ أوّل دعوةٍ رسميّةٍ للنبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) كانت مصحوبةً بالتحذير من خطرٍ كبيرٍ. ونحن كذلك، إذا كنّا ندرس في الحوزة العلميّة، فلا ينبغي أن نحصر الهدف في مجرّد تحصيل مجموعةٍ من المحفوظات.
وصرّح قائلًا: إنّنا، إلى جانب طلب العلم، بحاجةٍ إلى تهذيب النفس، والأنس بالقرآن، وتذكّر المعاد، والتهجّد. فإذا غاب التهذيب، فإنّ العلم والمحفوظات قد يتحوّلان، على حدّ تعبير الإمام الخمينيّ (قدّس اللّه سرّه)، إلى الحجاب الأكبر، ويصبحان مانعًا من نموّ الإنسان.
وأضاف: إذا اقترن التفقّه في الدين بتهذيب النفس، أوجد العلم في الإنسان خشيةً، ودفعه إلى سلوك سبيل الإخلاص؛ وعندئذٍ، حين يعود الطالب إلى المجتمع، يصبح أقدر على معرفة مشكلات المجتمع، وأقدر كذلك على تشخيص سبل الهداية والنجاة.
على الطالب الحوزويّ أن يعرف المجتمع والتيّارات المختلفة
واعتبر عضو المجلس الأعلى للحوزات العلميّة أنّ معرفة المجتمع من المتطلّبات الأخرى للحياة الحوزويّة، قائلًا: على الطالب الحوزويّ، إلى جانب التفقّه في الدين، أن يعرف مجتمعه ومخاطبيه والتيّارات والشخصيّات المختلفة، وأن تكون لديه معرفةٌ بالتيّارات الصحيحة والمنحرفة، وبالحقّ والباطل.
وأضاف: إنّ معرفة مكانة الولاية تمثّل جانبًا من هذه البصيرة أيضًا؛ إذ إنّ الإنسان إذا لم يمتلك معرفةً صحيحةً، فقد يقدم، ولو بدافع الحرص وحسن النيّة، على بعض التصرّفات التي تفضي نتائجها إلى ما يتعارض مع مصلحة الدين والمجتمع.
وقال مؤكّدًا: كلّما ازدادت مسؤوليّة الإنسان ثقلًا، ازدادت حاجته إلى التقوى والإيمان والعدالة، وإذا لم تتوافر هذه الصفات، فقد تصبح المسؤوليّة سببًا لوقوع المشكلات.
البصيرة ضرورةٌ ملحّةٌ للطلّاب الحوزويّين
وأشار عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة إلى ضرورة حفظ أسرار النظام الإسلاميّ ومصالحه، قائلًا: على الإنسان أن يعرف أين يتحدّث، وكيف يتحدّث. فقد لا تكون لدى شخصٍ نيّةٌ سيّئةٌ، لكنّه بسبب افتقاره إلى البصيرة قد يقول كلامًا يستغلّه العدوّ. ومن هنا، ينبغي للطالب أن يتحلّى بالتهذيب والبصيرة معًا؛ لأنّ غياب أيٍّ منهما قد يجعل علم الإنسان وبالًا عليه وعلى المجتمع، بدلًا من أن يكون مصدرًا للنفع والصلاح.
وصرّح قائلًا: على الطالب الحوزويّ أن يتزوّد بثلاثة أمورٍ: أوّلها العلم الدقيق الراسخ الكامل، وثانيها التهذيب وبناء الذات، وثالثها البصيرة.
على الطالب الحوزويّ أن يخطّط لمسيرته ويتابع إنجازاته
وشدّد عضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة على ضرورة محاسبة النفس، قائلًا: لا ينبغي للطالب الحوزويّ أن يسمح بأن تمضي سنوات تحصيله الدراسيّ في مجرّد حضور الدروس، والذهاب إلى الحجرة أو المنزل، وتكرار الأنشطة اليوميّة المعتادة؛ بل عليه أن يراجع كلّ عامٍ مدى ما حقّقه من نموٍّ في المجالات العلميّة والتهذيبيّة والبصيريّة. بل من الأفضل أن تتمّ هذه المحاسبة بصورةٍ شهريّةٍ وأسبوعيّةٍ ويوميّةٍ. وقد أكّدت الروايات أيضًا على محاسبة النفس.
وأشار إلى أهميّة النظام في الحياة الحوزويّة، قائلًا: لقد أكّد أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته على تقوى اللّه وتنظيم الأمور، وهذا يدلّ على أنّ التخطيط والنظام ينبغي أن يحتلّا مكانةً مهمّةً في حياة الإنسان.
وأضاف: على كلّ طالبٍ حوزويٍّ أن يجلس ويفكّر في كيفية قضاء يومه وليلته، بحيث يبلغ الهدف الذي رسمه اللّه تعالى له. فمجرّد تحديد الدروس والبرامج التعليميّة لا يعني امتلاك برنامجٍ متكاملٍ.
يجب أن يستند التخطيط إلى معرفة الواجب
ولفت آية اللّه رجبيّ إلى رؤية المرحوم آية اللّه مصباح اليزديّ (قدّس اللّه سرّه) بشأن أهمّيّة التخطيط، قائلًا: كان يقول سماحته: «أحيانًا أجلس مدّةً طويلةً وأفكّر في ماهيّة واجبي في الظروف الراهنة، وقد لا أصل إلى نتيجةٍ في جلسةٍ واحدةٍ، فأعود بعد فترةٍ لأفكّر في الأمر من جديدٍ».
وأضاف: قد يقوم الإنسان بأداء عملٍ واجبٍ، لكنّ هناك واجبًا أهمّ وأشدّ إلحاحًا قد يتركه الإنسان لعدم التفكّر فيه. ومن هنا، علينا أن نجلس ونتأمّل في أهمّ واجبٍ يقع على عاتقنا في الظروف التي نعيشها.
وتابع: لا ينبغي أن نتصوّر أنّ كلّ عملٍ قائمٍ في المجتمع هو بالضرورة من واجبات الطالب الحوزويّ. فعندما يُطرح موضوعٌ مثل الاقتصاد المقاوم، فليس من الضروريّ أن ينخرط الطالب الحوزويّ مباشرةً في النشاط الاقتصاديّ؛ بل يمكنه، إذا كان يمتلك القدرة العلميّة، أن يدرس الموضوع من منظور القرآن الكريم والدين الإسلاميّ، وأن يقدّم رؤيةً وحلولًا إسلاميّةً بشأنه.
على الطالب الحوزويّ أن يقيّم آثار نشاطه
وقال عضو المجلس الأعلى للحوزات العلميّة: لا يكفي أن يمتلك الإنسان برنامجًا؛ بل عليه أن يلتزم بتنفيذ برنامجه أيضًا، وأن يراجع في نهاية كلّ أسبوعٍ مدى التزامه به.
وأشار إلى توصية المرحوم آية اللّه مصباح اليزديّ (قدّس اللّه سرّه) بشأن ضرورة الالتفات إلى "الصيرورة"، مضيفًا: لا ينبغي أن نكتفي بالنظر إلى الأعمال التي أنجزناها؛ بل علينا أن ننظر إلى الأثر الذي أحدثته هذه الأعمال فينا؛ فما مقدار نموّنا في المجال العلميّ؟ وما التغيير الذي طرأ علينا في مجال التهذيب؟ وإلى أيّ مدى تقدّمنا في مجال البصيرة؟ فهذه هي الثروة الحقيقيّة للإنسان.
وأضاف: وفي الأنشطة الاجتماعيّة أيضًا، لا يكفي أن يكون الإنسان قد عمل ساعاتٍ طويلةٍ؛ بل ينبغي أن ينظر إلى الأثر الذي تركه عمله في المجتمع.
الإخلاص أساس العمل
وأشار عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة إلى سيرة المرحوم آية اللّه مصباح اليزديّ (قدّس اللّه سرّه)، قائلًا: كان يؤكّد كثيرًا على الإخلاص، وكان يقول: «حيثما عملنا للّه، لم نخسر، وإنّما تبدأ الخسائر من حيث يكون العمل لغير اللّه».
وأضاف: ينبغي أن يكون الإخلاص حاضرًا في جميع أنشطة الإنسان، وعلى الطالب الحوزويّ أن يراجع، باستمرارٍ، دوافعه من طلب العلم الدينيّ والتبليغ والتحدّث والنشاط الاجتماعيّ.
التوسّل إلى أهل البيت (عليهم السلام) إلى جانب معرفة الواجب وأدائه
وأشار عضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة إلى اهتمام المرحوم آية اللّه مصباح اليزديّ (قدّس اللّه سرّه) بالتوسّل إلى أهل البيت (عليهم السلام)، قائلًا: كان يؤكّد سماحته عند مواجهة المشكلات على التوسّل إلى أهل البيت (عليهم السلام)، وكان يقول أحيانًا: ليس من الضروريّ أن يقرأ الإنسان دعاءً طويلًا من أجل التوسّل؛ بل قد يكون مجرّد السلام على بقيّة اللّه(عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف)، مع حضور القلب والتوجّه إليه وطلب العون منه، سببًا لنيل البركة.
وأضاف مؤكّدًا: غير أنّ التوسّل ليس بديلًا عن معرفة الواجب وأدائه على الوجه الدقيق. فعلى الإنسان أن يعرف واجبه، ويبذل جهده للقيام به، ويتوسّل إلى أهل البيت (عليهم السلام) في الوقت نفسه.
وتابع: قد يتوسّل الإنسان في الظروف الصعبة إلى أهل البيت (عليهم السلام) بإخلاصٍ، ويرى آثار هذا التوسّل في حياته؛ غير أنّ ذلك لا يعني التخلّي عن بذل الجهد وتحمّل المسؤوليّة.
ضرورة الاهتمام بالواجب الحوزويّ
وشدّد آية اللّه رجبيّ على ضرورة معرفة الواجب، قائلًا: على الطالب الحوزويّ أن يضع لنفسه برنامجًا في ثلاثة مجالات: العلم والتهذيب والبصيرة، وأن يلتزم ببرنامجه، وأن يدوّن في نهاية كلّ أسبوعٍ وكلّ عامٍ سجلًّا لمسيرة نموّه وتقدّمه.
وتابع: ينبغي أن نسأل أنفسنا باستمرارٍ: ما التغيير الذي طرأ علينا خلال هذه المدّة؟ وهل أصبحنا اليوم أكثر علمًا وتهذيبًا وبصيرةً ممّا كنّا عليه في السابق، أم لا؟
واختتم آية اللّه رجبّي كلمته، سائلًا اللّه تعالى أن يرفع درجات الإمام الخمينيّ (قدّس اللّه سرّه)، والشهداء الأبرار، والعلماء الربّانيّين، ولاسيّما المرحوم آية اللّه مصباح اليزديّ (قدّس اللّه سرّه)، وشهداء الدّفاع المقدّس، وأن يحفظ قائد الثورة الإسلاميّة، وأن يعجّل في فرج بقيّة اللّه الأعظم الإمام المهديّ (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف).
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرّر: حسن رحمانيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك