وكالة أنباء الحوزة - في كلمةٍ ألقاها يوم السبت (3 أكتوبر 2026م) تطرّق حجّة الإسلام والمسلمين سعيد صلح ميرزائيّ، عضو مجلس خبراء القيادة الإيرانيّ، إلى الآية 25 من سورة الحديد، معتبرًا أنّ مسيرة الأنبياء تقوم على الارتقاء بالإنسان والمجتمع وهدايتهما، وقال: لقد وضع الأنبياء أمام الإنسان خارطة طريقٍ ومعيارًا وميزانًا، لكي يسلك الناس بأنفسهم طريق النموّ ويقيموا القسط.
وصرّح بأنّ مسيرة الثورة الإسلاميّة امتدادٌ لمسيرة الأنبياء والأئمّة الأطهار (عليهم السلام) قائلًا: لقد أكّد الإمام الخمينيّ (قدّس اللّه سرّه) والإمام الشهيد الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، باستمرارٍ، ضرورة مواصلة مسيرة الأنبياء، ويمكن فهم الثورة الإسلاميّة في هذا الإطار نفسه.
ولفت إلى مفهوم "إنسان بعمر 250 سنةً" الذي طرحه الإمام الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه): يمكن تعميم هذا المفهوم ليشمل مسيرة الأنبياء والأئمّة الأطهار (عليهم السلام)؛ وهي مسيرةٌ انطلقت منذ البداية بهدف إنماء الإنسان والمجتمع، وانتهت في نهاية المطاف إلى الثورة الإسلاميّة، التي يُفترض أن تواصل نهج الأنبياء والأئمّة الأطهار (عليهم السلام).
خمس مراحل لتحقيق أهداف الثورة الإسلاميّة
وتطرّق حجّة الإسلام والمسلمين صلح ميرزائيّ إلى المراحل الخمس المرسومة لمسيرة الثورة الإسلاميّة، قائلًا: لقد بدأت المسيرة مع انطلاق نهضة الإمام الخمينيّ (قدّس اللّه سرّه) عام 1341هـ.ش (1962م)، وكانت أولى محطّاتها إسقاط النظام السابق، ثمّ إقامة النظام الإسلاميّ بعد انتصار الثورة عام 1357هـ.ش (1979م)، لتتوالى بعدها مراحل بناء الدولة الإسلاميّة، وتكوين المجتمع الإسلاميّ، وصولًا إلى تحقيق الحضارة الإسلاميّة.
وتابع قائلًا: إنّ هذه المراحل تمثّل في حقيقتها خارطةً وخطّةً لمسيرة الثورة الإسلاميّة، وإذا لم نكن على درايةٍ بخطّة قادة هذه المسيرة وفكرهم، فلن نتمكّن من أداء واجبنا على الوجه الصحيح.
ولفت إلى مكانة قائد المجتمع الإسلاميّ مبيّنًا: يستند قائد المجتمع الإسلاميّ، من جهةٍ، إلى المعارف الوحيانيّة والقرآن الكريم وروايات أهل البيت (عليهم السلام) وسيرة الأنبياء والأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، ومن جهةٍ أخرى، يستفيد من آراء الخبراء والمتخصّصين. فهذه الشخصيّة تعمل على رصد مسار حركة المجتمع وسرعتها أو بطئها وما قد يعترض طريقها من انحرافاتٍ، وتسعى إلى الحيلولة دون انحراف مساره، والعمل على تصحيحه كلّما دعت الحاجة.
ثلاث خطواتٍ للانسجام مع قائد المجتمع الإسلاميّ
وأكّد حجّة الإسلام والمسلمين صلح ميرزائيّ أنّه يجب على الناس اتّباع ثلاث خطواتٍ أساسيّةٍ في أنفسهم لاستكمال هذه المسيرة، موضحًا: تتمثّل الخطوة الأولى في تحقيق الانسجام الفكريّ والمعرفيّ مع قائد المجتمع الإسلاميّ؛ فينبغي للإنسان أن يتعرّف إلى أفكار القائد وبياناته وتوجّهاته، وأن يحدّد مسؤوليّاته في ضوئها.
وفي السياق ذاته، أشار إلى الشهيد السيّد حسن نصر اللّه (رضوان اللّه تعالى عليه)، مضيفًا: يُروى أنّ الشهيد نصر اللّه كان يقرأ كلّ رسالةٍ للإمام بدقّةٍ متناهيةٍ، بل كان يراجع ترجمتها مرارًا، ليستخلص منها مهمّته ومهمّات القوّات التي كانت تحت قيادته.
كما عدّ الشهيد الحاجّ قاسم سليمانيّ والشهيد صيّاد شيرازيّ من الشخصيّات التي نجحت في مواءمة فكرها ومسيرتها مع نهج وليّ المجتمع، وقال: لدينا في مختلف ميادين الجهاد، من الجهاد العسكريّ إلى الجهاد الثقافيّ والعلميّ، نماذج كثيرةٌ من شخصيّاتٍ سعت إلى مواءمة رؤيتها وأدائها مع نهج قائد المجتمع.
واعتبر أنّ الخطوة الثانية تتمثّل في الترابط القلبيّ والعاطفيّ مع قائد المجتمع، وقال: لقد أكّد الشهيد سليمانيّ أهمّيّة الارتباط القلبيّ والعاطفيّ بالحكيم الذي يمسك بزمام قيادة الثورة الإسلاميّة الإمام الشهيد الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه) وعدّ هذا الارتباط من أهمّ مقتضيات حسن العاقبة.
وتابع قائلًا: أمّا الخطوة الثالثة، فهي أن يكون عمل الإنسان منسجمًا مع المسار نفسه؛ أي إنّ الانسجام الفكريّ والمعرفيّ والترابط القلبيّ والعاطفيّ ينبغي أن يتجلّيا في السلوك والممارسة والعمل الاجتماعيّ.
الشعب الإيرانيّ حاضرٌ في الميادين عند المنعطفات الحاسمة
وأشار حجّة الإسلام والمسلمين صلح ميرزائيّ إلى مشاركة الشعب الإيرانيّ في مختلف الأحداث والمحطّات التي أعقبت استشهاد الإمام الشهيد الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، وقال: إنّ أحد أسباب حضور الشعب في الميدان يتمثّل في هذا الانسجام الفكريّ والمعرفيّ، والترابط القلبيّ والعاطفيّ، ثمّ ترجمة ذلك كلّه في الميدان عملًا وسلوكًا. فكلّما شعر الشعب بضرورة الحضور والتحرّك، بادر إلى النزول إلى الميدان وأدّى دوره.
وفي معرض تبيينه هذه المسألة، أشار إلى تجربة إحدى المجموعات الجهاديّة، قائلًا: ذهبتُ قبل مدّةٍ إلى إحدى القرى الواقعة في ضواحي طهران، التي لا يتجاوز عدد سكّانها مئة نسمةٍ تقريبًا، لكنّ المجموعة الجهاديّة فيها استطاعت، عقب الهجوم على إيران، تقديم الخدمات وتنفيذ الأنشطة في 1200 منزلٍ في إحدى مناطق طهران. فتكشف هذه التجربة أنّه كلّما تعمّق الارتباط المعرفيّ والقلبيّ بمسيرة الثورة، سار العمل الاجتماعيّ بدوره في المسار نفسه وانسجم معه.
وتطرّق إلى ما ذكره قائد الثورة الإسلاميّة بشأن خصائص الإمام الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه)، قائلًا: من أبرز ما تميّز به الإمام الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) قدرته على التنشئة الاجتماعيّة؛ فقد كان إماما الثورة الإسلاميّة يحرصان، باستمرارٍ، على الارتقاء بمستوى وعي الناس وبصيرتهم، لكي يتمكّنوا بأنفسهم من أداء دورٍ فاعلٍ في مختلف الميادين.
وأعرب عن تقديره لأعضاء مجلس خبراء القيادة وسائر الجهات التي شاركت في المنعطفات الحسّاسة التي مرّت بها البلاد، وقال: في إحدى هذه المنعطفات الحسّاسة، نزلت فئاتٌ واسعةٌ من أبناء المجتمع إلى الميدان، بدءًا من القوّات العسكريّة والأمنيّة وقوى الأمن الداخليّ، وصولًا إلى فرق الإطفاء والهلال الأحمر والكوادر الطبّيّة وفرق الإغاثة، وموظّفي شركات الكهرباء، والبلديّات، وقد أدّى كلٌّ منهم مسؤوليّته على النحو المطلوب.
ضرورة دراسة رسائل قادة الثورة الإسلاميّة
وفي سياقٍ متّصلٍ، شدّد حجّة الإسلام والمسلمين صلح ميرزائيّ على ضرورة دراسة مؤلّفات قادة الثورة الإسلاميّة وبياناتهم، وقال: كما نُقل عن الإمام الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) أنّ بيانًا واحدًا للإمام الخمينيّ (قدّس اللّه سرّه) كان قادرًا، خلال فترة النضال، على ضخّ دماءٍ جديدةٍ في شرايين المجتمع. واليوم أيضًا، يمكن لرسائل قائد الثورة الإسلامية، سماحة آية اللّه السيّد مجتبى الخامنئيّ، أن تؤدّي الدور نفسه في المجتمع.
وفي هذا السياق، أشار إلى الرسالة الأخيرة لقائد الثورة الإسلاميّة بشأن الصلاة، قائلًا: لقد ربطت هذه الرسالة بين الانتصارات والفتوحات وإقامة الصلاة، وهذه نقطةٌ بالغة الأهمّيّة.
واستشهد بالآية 41 من سورة الحجّ موضحًا: إنّ اللّه تعالى، في حديثه عن خصائص المجتمع الذي يمكّن له في الأرض، يتحدّث قبل كلّ شيءٍ عن إقامة الصلاة. وقد أكّد القائد المعظّم للثورة الإسلاميّة أيضًا أنّ من هويّة المجتمع الإسلاميّ ومقتضياته، وكذلك من هويّة قائد المجتمع الإسلاميّ ومقتضيات قيادته، الاهتمام بالصلاة وتعزيز مكانتها.
ووصف الصلاة بأنّها "إكسيرٌ" للمجتمع وركيزته، وقال: يمكن للصلاة أن تكون نبعًا متدفّقًا للحبّ والأمل والرحمة والسكينة، وأن تؤدّي دورًا فاعلًا في الجهاد وتحقيق الانتصارات في مختلف الميادين.
المعنويّة عاملٌ في تعويض الفجوة بين الإمكانات والقدرات
وقال حجّة الإسلام والمسلمين صلح ميرزائيّ مبيّنًا: لطالما كانت هناك عبر التاريخ فجواتٌ من حيث الإمكانات والقدرات بين جبهة الحقّ وجبهة الكفر، وإنّ ما أسهم في كثيرٍ من المحطّات التاريخيّة في تعويض هذه الفجوات هو الإيمان والمعنويّة والجهاد في سبيل اللّه.
وتابع قائلًا: عندما ندرس حياة الشخصيّات المؤثّرة وأداءها في ميادين الجهاد العلميّ والثقافيّ والعسكريّ، نلاحظ أنّ الذين كانوا أشدّ ارتباطًا بالصلاة وباللّه تعالى أظهروا، في ميدان العمل، قدرةً أكبر وتأثيرًا أوسع.
وفي هذا السياق، أشار إلى الشهيد سليمانيّ والشهيد رئيسيّ وسائر شهداء السنوات الأخيرة، موضحًا: كان هؤلاء الشهداء يولون الصلاة أهمّيّةً خاصّةً، ويؤثرون الصلة باللّه تعالى على سائر الأمور عند حلول وقت الصلاة.
كما تطرّق إلى سيرة النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله)، والسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، والإمام الصادق (عليه السلام)، والإمام السجّاد (عليه السلام)، في اهتمامهم بالصلاة وحرصهم عليها، مضيفًا: ليست الصلاة مجرّد عبادةٍ فرديّةٍ، بل يمكنها أن تؤدّي دورًا في الارتقاء بالمعنويّة في المجتمع، وتعزيز قدراته الاجتماعيّة، ودفعه نحو تحقيق أهدافه الكبرى.
وقال حجّة الإسلام والمسلمين صلح ميرزائيّ في ختام حديثه: إذا استطاع المجتمع أن يحقّق الانسجام الفكريّ والمعرفيّ مع مسار قائد المجتمع الإسلاميّ، وأن يعمّق ارتباطه به قلبيًّا وعاطفيًّا، وأن يجعل عمله وممارساته منسجمةً مع هذه المسيرة، فإنّ ذلك سيمهّد الطريق لتحقيق إنجازاتٍ أكبر، وسيتيح للمجتمع التقدّم نحو قممٍ توفّر له الردع والقدرة اللازمين للدفاع عن البلاد ومبادئه.
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرّر: حسن رحمانيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك