وكالة أنباء الحوزة - ألقى حجّة الإسلام والمسلمين علي الربّانيّ الكلبايكانيّ كلمةً في مراسم افتتاح العام الدراسيّ الجديد لمؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام) الدينيّة في مدينة قم المقدّسة، التي أُقيمت بحضور آية اللّه العظمى الشيخ جعفر السبحانيّ يوم الخميس (1 أكتوبر 2026م).
وفي مستهلّ كلمته هنّأ سماحته الأساتذة والباحثين بمناسبة بدء العام الدراسيّ الجديد، قائلًا: نأمل، بفضل العنايات الإلهيّة ودعاء مولانا الإمام المهديّ (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف)، أن نتمكّن من أداء واجبنا على الوجه الصحيح في ميدانَي الدراسة والبحث، دفاعًا عن العقائد الحقّة للإسلام ومذهب أهل البيت (عليهم السلام).
وأعرب عن بالغ تقديره لحضور آية اللّه العظمى السبحانيّ في هذه المراسم، قائلًا: لقد منّ اللّه تعالى عليّ، طوال سنواتٍ مديدةٍ، بنعمة التلمّذ على يدي سماحته والاستفادة من محضره الشريف، وفي مرحلةٍ آثر فيها بعض زملائنا سلوك مسار الفقه والأصول، اخترتُ أن أتوجّه إلى علم الكلام والبحوث العقديّة.
وأضاف: سألتُ آنذاك آية اللّه السبحانيّ عن اختياري لهذا المسار، فأكّد لي، من دون تردّدٍ، ألّا يساورني الشكّ في الطريق الذي اخترته. وقد كان لكلماته أثرٌ عظيمٌ في مسيرتي العلميّة، إذ أمدّتني بالطمأنينة والثبات، وأعانتني على المضيّ قدمًا في هذا الطريق، والحمد للّه، فقد وفّقني اللّه تعالى لمواصلة هذا المسار والاستمرار فيه.
المحاور الثلاثة الأساسيّة في الإسلام
وأشار حجّة الإسلام والمسلمين الربّانيّ الكلبايكانيّ إلى مكانة علم الكلام بين العلوم الإسلاميّة، قائلًا: يقوم الإسلام على ثلاثة محاور أساسيّةٍ، هي "العقائد" و"الأخلاق" و"الأعمال"، وقد نشأت، تبعًا لهذه المحاور الثلاثة، علومٌ تتولّى البحث في العقائد والأخلاق والفقه.
مكانةٌ متميّزةٌ لعلم الكلام
وأوضح سماحته أنّ العقائد تتقدّم من حيث الأولويّة على الأخلاق والأعمال، قائلًا: إنّ العلم الذي يهتمّ بالعقائد، أي علم الكلام، يحتلّ من هذه الجهة مكانةً متميّزةً بين العلوم الإسلاميّة، ويمكن عدّه من العلوم الأساسيّة التي تقوم عليها المعارف الإسلاميّة.
وأضاف: هناك علومٌ إسلاميّةٌ كثيرةٌ تحتاج، في مباحثها المختلفة، إلى المسائل الكلاميّة؛ فعلى سبيل المثال، يُطرح في علم التفسير موضوع كلام اللّه تعالى والوحي الإلهيّ، وفي الفقه تُبحث مسألة التكليف ووجوب امتثال الأحكام الدينيّة، أمّا في علم الحديث، فإنّ مسائل مثل عصمة المعصوم (عليه السلام) تُعدّ من المباحث الكلاميّة. ومن ثمّ، ترتبط العلوم الإسلاميّة بعلم الكلام من جوانب متعدّدةٍ؛ فهو، فضلًا عن دوره التأسيسيّ في بيان العقائد، يسهم في الدفاع عن الأسس التي تقوم عليها العلوم الإسلاميّة.
تصنيف المباحث العقديّة
وتطرّق حجّة الإسلام والمسلمين الربّانيّ الكلبايكانيّ إلى مصادر علم الكلام، قائلًا: نظرًا إلى أنّ بعض المباحث الكلاميّة يستند إلى العقل، وبعضها الآخر إلى النقل، يمكن تصنيف المباحث العقديّة، من حيث مصادرها، إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ منها عقليٌّ محضٌ، وقسمٌ منها نقليٌّ محضٌ لا سبيل إلى معرفة تفاصيله بالعقل، وقسمٌ ثالث يمكن بحثه والاستدلال عليه بالعقل والنقل معًا.
وأضاف: تُعدّ المباحث المتعلّقة بوجود اللّه تعالى وعلمه وقدرته وحكمته من المباحث ذات الطابع العقليّ، وهي من الأسس التي يقوم عليها فهم العقائد. وفي المقابل، تندرج بعض التفاصيل المتعلّقة بعالم البرزخ والمعاد ضمن المباحث النقليّة، في حين يمكن تناول بعض مباحث معرفة اللّه والنبوّة والإمامة من المنظورين العقليّ والنقليّ معًا.
الانتقال من المباحث العامّة إلى المباحث المتعمّقة
وفي معرض تبيينه مفهوم "التخصّص"، قال هذا الأستاذ الحوزويّ: يُوجد في كلّ علمٍ قسمٌ من المباحث العامّة والمشتركة التي ينبغي لكلّ من يريد الدراسة والبحث في ذلك العلم أن يتعلّمها، ثمّ تأتي، في مرحلةٍ لاحقةٍ، المباحث التخصّصيّة المتعلّقة بموضوعاتٍ محدّدةٍ.
وأضاف: فعلى سبيل المثال، يطّلع الطبيب العامّ على مجموعةٍ من الأمراض والمسائل الطبّيّة، ثمّ تتفرّع التخصّصات، فيكتسب الطبيب معرفةً أعمق ومهاراتٍ أكثر تقدّمًا في مجالٍ محدّدٍ. وكذلك الحال في الفلسفة؛ إذ تضمّ مباحث عامّةً، ثمّ قد يتخصّص الباحث في إحدى مدارسها أو فروعها.
وتابع: وينطبق الأمر نفسه على علم الكلام؛ إذ ينبغي للباحث أن يتعلّم أوّلًا المباحث العامّة والأساسيّة، ثمّ ينتقل في المراحل المتقدّمة إلى اكتساب معرفةٍ أعمق ومهاراتٍ أكثر تخصّصًا في أحد مجالات علم الكلام.
التخصّص في علم الكلام يتطلّب وقتًا وجهدًا متواصلين
وشدّد سماحته على أنّ التخصّص العلميّ لا يتحقّق من دون جهدٍ متواصل، قائلًا: من يريد التخصّص في علم الكلام، عليه أن يكرّس قدرًا كبيرًا من وقته لهذا العلم؛ فالتخصّص لا يتحقّق بمجرّد الحديث عنه أو الاهتمام به، بل يتطلّب سنواتٍ من المطالعة والتحصيل والمباحثة والتحقيق.
وقال مؤكّدًا: ينبغي للباحث الذي يسعى إلى التخصّص في هذا المجال أن يواصل مسيرته العلميّة بجدّيّةٍ، وأن يهتمّ، إلى جانب التعلّم، بالبحث ودراسة المسائل دراسةً معمّقةً.
ضرورة الإلمام بالعلوم العقليّة والنقليّة
وأوضح حجّة الإسلام والمسلمين الربّانيّ الكلبايكانيّ أنّ علم الكلام يستفيد من العلوم العقليّة والنقليّة معًا، قائلًا: على من يريد التخصّص في علم الكلام أن يكون ملمًّا بالمبادئ العقليّة والنقليّة.
وأضاف: في مجال المبادئ العقليّة، يحتلّ علم المنطق أهميّةً كبيرةً؛ إذ ينبغي للطالب الحوزويّ أن يتقن المباحث المنطقيّة، ولا سيّما ما يتعلّق بالقضايا والاستدلال.
وتابع: يُعدّ "علم المعرفة" أيضًا من المباحث الضروريّة للباحث في علم الكلام؛ لأنّ المتكلّم يواجه، في كثيرٍ من المسائل العقديّة، أسئلةً تتعلّق بالمعرفة وحجّيّتها وسبل الوصول إلى الحقيقة.
واعتبر سماحته أنّ علم الوجود من المبادئ المهمّة الأخرى لعلم الكلام، قائلًا: تُستخدم في كثيرٍ من الاستدلالات الكلاميّة مباحث العلّة والمعلول، والواجب والممكن، والواحد والكثير، والمجرّد والمادّيّ؛ ولذلك ينبغي للباحث الكلاميّ أن يمتلك معرفةً كافيةً بهذه الموضوعات.
وأضاف: إنّ المتكلّم ليس ملزمًا بتبنّي رأيٍ محدّدٍ في جميع المسائل الفلسفيّة، لكنّه ينبغي أن يكون على معرفةٍ بهذه المباحث، وأن يكون قادرًا على مناقشتها والاستدلال عليها بأسلوبٍ علميٍّ.
الإلمام بالعلوم النقليّة ضرورةٌ للبحث الكلاميّ
وتطرّق هذا الأستاذ الحوزويّ إلى المبادئ النقليّة لعلم الكلام، قائلًا: تُعدّ علوم اللغة العربيّة، وعلم الرجال، وأصول الفقه، وتاريخ الإسلام، من العلوم المهمّة للبحث الكلاميّ.
وأضاف: قد تنطلق دراسة مسألةٍ عقديّةٍ من روايةٍ ما، ثمّ تستلزم فحص سندها ودراسة أحوال رواتها، وقد تقتضي، في مرحلةٍ لاحقةٍ، الرجوع إلى المصادر التاريخيّة لفهم سياقها التاريخيّ.
وأشار إلى مثالٍ من المباحث المتعلّقة بالإمامة، قائلًا: في بعض المباحث الكلاميّة، يواجه الباحث في البداية روايةً، ثمّ يرجع إلى علم الرجال للتحقّق من اعتبارها، وبعد ذلك يحتاج إلى مراجعة المصادر التاريخيّة للتعرّف إلى الظروف والملابسات التي أحاطت بصدورها.
وقال مؤكّدًا: إنّ هذا الترابط بين علم الكلام والحديث والرجال والتاريخ يبيّن أنّ المتكلّم لا يستطيع الاستغناء عن العلوم المرتبطة بالمباحث العقديّة.
البحث العلميّ مرحلةٌ أساسيّةٌ في إعداد المتخصّصين في علم الكلام
وفي جانبٍ آخر من حديثه، أشار حجّة الإسلام والمسلمين الربّانيّ الكلبايكانيّ إلى أهميّة البحث العلميّ في المراحل التخصّصيّة، قائلًا: ينبغي للباحث، في المراحل المتقدّمة من التحصيل، أن يتجاوز مرحلة التلقّي التعليميّ المحض، وينتقل إلى البحث وإنتاج المعرفة العلميّة.
وأوضح: في هذه المرحلة، لا ينبغي للأستاذ أن يقدّم للباحث جميع المطالب من البداية إلى النهاية، بل عليه أن يهيّئ له الظروف التي تمكّنه من دراسة المسألة بنفسه، والمطالعة، والاطّلاع على مختلف الآراء، والتحاور مع الأستاذ وسائر الباحثين، وصولًا إلى صياغة خلاصةٍ علميّةٍ.
وأضاف: إنّ هذه المنهجيّة تساعد الباحث تدريجيًّا على تنمية قدراته في التحليل والاستدلال والتحقيق والكتابة، وتؤهّله للعمل مستقبلًا أستاذًا وباحثًا ومنظّرًا في مجال علم الكلام.
إعداد الباحثين
وتحدّث سماحته عن تجربته في التدريس والبحث، قائلًا: إنّ قسمًا من المؤلّفات العلميّة المنشورة في مجال منهجيّة المتكلّمين الشيعة هو ثمرة هذه العمليّة التعليميّة والبحثيّة؛ إذ يتناول الباحث موضوعًا، ويحقّق فيه، ويقدّم ما كتبه، ثمّ يتحوّل ما كتبه، بعد النقد والمراجعة والتصحيح، إلى مؤلّفٍ علميٍّ.
وأضاف: قد تستغرق هذه العمليّة وقتًا وجهدًا من الأستاذ والباحث، لكنّ نتيجتها تتمثّل في إعداد باحثٍ يمتلك القدرة على التحقيق والتأليف العلميّ.
الجمع بين الدراسة الحوزويّة والتخصّص في علم الكلام
وفي إجابته عن سؤالٍ بشأن كيفيّة الجمع بين الدروس العامّة في الحوزة العلميّة والتخصّص في علم الكلام، قال: ينبغي في هذا المجال التمييز بين المراحل المختلفة للتحصيل، وتنظيم أساليب التعليم والبحث بما يتناسب مع المستوى العلميّ للباحث.
وأضاف: في المراحل الأولى، ينبغي أن يكون التعليم على نحوٍ يتيح للباحث، إلى جانب تعرّفه إلى المباحث الكلاميّة، وقتًا كافيًا لمتابعة دروسه الأساسيّة؛ ولكن كلّما ارتقى إلى المراحل الأعلى، ينبغي أن تزداد نسبة المطالعة والمباحثة والتحقيق والبحث العلميّ.
وأكّد: في المراحل التخصّصيّة المتقدّمة، تزداد أهمّيّة المستوى العلميّ للباحث ومدى استعداده، وينبغي أن يكون الهدف إعداد أشخاصٍ يتمكّنون مستقبلًا من أداء أدوارهم بوصفهم مدرّسين وباحثين وأصحاب رأيٍ في علم الكلام.
ضرورة إعداد متخصّصينٍ أكفاء في علم الكلام
وشدّد حجّة الإسلام والمسلمين الربّانيّ الكلبايكانيّ على أهمّيّة إعداد المتخصّصين في العلوم العقديّة، قائلًا: إنّ علم الكلام يحتاج إلى كوادر متخصّصةٍ تتولّى الدفاع العلميّ عن العقائد الإسلاميّة والإجابة عن التساؤلات العقديّة، ولا يتحقّق بلوغ هذا المستوى من التخصّص إلّا بالمطالعة المعمّقة، والإلمام بالعلوم الأساسيّة، والتحقيق المتواصل، واكتساب الخبرة العلميّة.
وأعرب في ختام حديثه عن أمله في أن يتمكّن الباحثون في مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)، من خلال الاستفادة من علم الأساتذة وخبراتهم ومواصلة الجهد العلميّ، من المضيّ قدمًا في سبيل الفهم العميق للمعارف العقديّة والدفاع العلميّ عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرّر: حسن رحمانيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك