الخميس 6 أغسطس 2026 - 11:08
بزشكيان: رغم أزمات العامين الماضيين، إيران اليوم دولة قوية.. شخصية آية الله مجتبى الخامنئي استثنائية

وكالة الحوزة - قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بمناسبة الذكرى الثانية لادائه اليمين الدستورية، إن إيران تُعرف اليوم في المحافل الدولية كدولة قوية تتمتع بعزة ومكانة رفيعة، رغم أزمات العامين الماضيين، وأكد أن الشعب الإيراني بأكمله هو من حمى البلاد، ووصف شخصية آية الله السيد مجتبى الخامنئي بالاستثنائية.

وكالة أنباء الحوزة - قال الرئيس بزشكيان في حديثه للشعب الإيراني مساء الأربعاء بمناسبة الذكرى الثانية لادائه اليمين الدستورية: منذ اليوم الأول لعمل الحكومة الرابعة عشرة، واجهت البلاد تحديات وأزمات متعددة. ورغم كل هذه الصعاب والمشكلات، تكاتفت جميع أركان النظام والشعب الإيراني للعبور منها، لتُعرف إيران اليوم في المحافل الدولية كدولة قوية تتمتع بعزة ومكانة رفيعة.

العدو يركز كل جهوده لإثارة التفرقة..الشعب الإيراني بأكمله هو من حمى البلاد، وليس فقط من نزلوا إلى الشوارع

وقال رئيس الجمهورية في حديثه للمواطنين إن الشعب يضم كل من يعيش على أرض هذا الوطن، بغض النظر عن عقائدهم، وقناعاتهم، وتوجهاتهم، وجنسهم، وقومياتهم. والقيادة ملزمة شرعاً وقانوناً بالتعامل مع كافة المواطنين على أساس العدالة والمساواة.

خلال الفترة الماضية، تمحورت خطط العدو حول تفكيك جبهتنا الداخلية وبث الفرقة بيننا. وإن كنا قد صمدنا حتى الآن، فالفضل يعود لنجابة وصبر الشعب الإيراني بكافة أطيافه الذي حافظ على البلاد، وليس فقط أولئك الذين خرجوا إلى الشوارع.

خططوا لإسقاط إيران خلال 48 ساعة وسوقها نحو السيناريو السوري

وقال رئيس الجمهورية: كان استشهاد قادتنا الأبرار في "حرب رمضان" مؤلماً وقاسياً، ولكن رغم كل المرارة والتحديات، يُشار إلى إيران اليوم بالبنان كقوة مقتدرة وصاحبة عزة وكرامة سيادية.

القائد الشهيد وقف خلفنا كالجبل الراسخ

وقال رئيس الجمهورية في حديثه للشعب: لولا الدعم اللامحدود والمساندة المستمرة التي قدمها سماحته، لما كان بمقدورنا المضي قدماً والوصول إلى ما نحن عليه اليوم.

العدو يستهدف كل ما يرمز إلى عناصر قوتنا واقتدارنا

وقال رئيس الجمهورية في حديثه للمواطنين: إن مشكلة الأعداء الحقيقية هي مع كل ما يمثل رمزاً لقدرتنا، وثباتنا، ومبادراتنا، وإبداعنا الوطني.

لقد اغتال الأعداء قادتنا العسكريين الذين جسدوا معنى التضحية والفداء بكل ما للكلمة من معنى، وأفنوا حياتهم لخدمة الشعب. واللافت أن الكثير من قادتنا وعلمائنا الشهداء لم يملكوا حطاماً من الدنيا، وعاشوا حياة بسيطة كعوام الناس.

وجود القيادة يمثل ركيزة القوة الأساسية لنا

وقال رئيس الجمهورية في حديثه للشعب: عقب صدور رسالة قائد الثورة الإسلامية بشأن المفاوضات، حاول بعض الساعين وراء الفتنة وتحقيق مآرب تياراتهم السياسية الضيقة استغلال هذا الموضوع وإساءة توظيفه.

لقد اشترط القائد مسبقاً موافقته بنيل تأييد ثلاثة أرباع أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، وخلال عملية التصويت، بلغت نسبة التأييد 12 من أصل 13 عضواً (أي أكثر من النسبة المشترطة)، وبناءً على ذلك أعلن قائد الثورة موافقته الرسمية.

شخصية آية الله السيد مجتبى الخامنئي استثنائية

وقال رئيس الجمهورية في حديثه للشعب: إن الشخصية التي لمستها وعرفتها في قائد الثورة الإسلامية هي شخصية استثنائية بكل المقاييس. وما يروج له البعض بشأن طبيعة تعامل القائد معنا لا يمت إلى حقيقة شخصيته وسلوكه بصلة.

نص الجزء الأول من هذا الحديث:

نشكركم جزيل الشكر على إتاحة هذه الفرصة لنا. نحن الآن في مستهل العام الثالث من رئاستكم؛ كيف تصفون هذين العامين الماضيين؟

بسم الله الرحمن الرحيم. لقد مضى عامان بالفعل، وما هو ظاهر لا يحتاج إلى بيان. فمنذ اليوم الأول الذي قررنا فيه تولي المسؤولية، جرى اغتيال ضيفنا العزيز إسماعيل هنية ليلًا. وبعد ذلك واجهنا مشكلات استمرت تبعاتها؛ من بينها الاختلالات التي كنا نعاني منها، والمخاوف من احتمال انقطاع الكهرباء والغاز خلال فصل الشتاء وما قد يسببه ذلك من معاناة للمواطنين. كما كان وضع المياه غير مناسب، بل ازداد سوءًا في العام التالي. وكان الجفاف الذي شهدناه عام 2025 غير مسبوق خلال الخمسين عامًا الماضية، وقد خلق بالفعل ظروفًا بالغة الصعوبة.

وفي نهاية المطاف، أعادوا طرح قضية (إعادة فرض العقوبات)، ثم أشعلوا الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا، كما أن الأحداث التي وقعت يومي 8 و9 يناير أضافت مزيدًا من التعقيدات إلى المشهد. لقد وضعوا مخططات وكانوا يعتقدون أنهم قادرون على السيطرة على إيران، كما حدث في سوريا، خلال 48 ساعة مثلًا. كما أن حرب رمضان واستشهاد كبار القادة والأعزاء الذين فقدناهم كانت مؤلمة وقاسية للغاية.

ورغم كل هذه الصعوبات والمشكلات، تمكنت الحكومة، والمديرون، والمحافظون، والقائمون على شؤون الأقضية والنواحي، والموظفون، والشعب، والقوات المسلحة، من إيصال البلاد إلى هذه المرحلة؛ بحيث يُنظر إلى إيران اليوم على أنها دولة قوية تتمتع بمكانة عالية وعزة كبيرة. ولم يكن ذلك أمرًا سهلًا.

وفي خضم هذه التحديات كلها، سعت الحكومة، بقدر ما استطاعت، إلى ألا يشعر المواطنون بذلك الإحساس الذي أراد مخططو هذه الحروب والمؤامرات ترسيخه بهدف الوصول إلى انهيار اجتماعي. لقد كانوا يريدون زعزعة مجتمعنا، لكن ذلك لم يحدث، وظلت البلاد تُدار حتى اليوم بقوة وثبات.

السيد الرئيس، من أكثر الكلمات تكرارًا خلال فترة رئاستكم كلمة «الشعب». والسؤال المطروح هو: أي شعب تقصدون؟ هل تقصدون الذين لم يشاركوا في الانتخابات أصلًا، أم الذين احتجوا في شهر يناير، أم الذين نزلوا إلى الشوارع خلال هذه المئة والخمسين يومًا؟ هل تميزون بين فئات الشعب، أم أن المقصود هو جميع الإيرانيين البالغ عددهم 95 مليونًا؟

الأمر واضح جدًا. فإذا نظرنا إلى القرآن الكريم وإلى معتقداتنا الدينية، نجد أن الله تعالى يقول للنبي داود: «يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله». أي إننا جعلناك خليفة لتحكم بين الناس جميعًا بالحق، وألا تتبع الهوى. والقرآن مليء بمثل هذه الآيات. واتباع الهوى يعني أن تنظر إلى جماعتك أو تيارك أو فئتك الخاصة، بينما الواجب هو التعامل مع الناس جميعًا على نحو صحيح وعادل.

كما يقول الإمام علي (عليه السلام) في وصيته إلى مالك الأشتر: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم»، أي املأ قلبك بالمحبة والرحمة والرفق تجاه الناس. ثم يقول: «فإنهم صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»؛ فالناس صنفان: إما أنهم يشاركونك العقيدة، أو أنهم نظراؤك في الإنسانية والخلق.

وقد يزلّ الناس، أو يخطئون عمدًا أو عن غير قصد. وعليك، بوصفك حاكمًا، أن تعفو عنهم وأن تعاملهم برفق. وهذا امتحان عسير يختبرك الله به. ثم يقول أيضًا: «ولا تنصبن نفسك لحرب الله»؛ أي لا تضع نفسك في مواجهة الله. بمعنى أنه إذا لم نتعامل مع الناس بالرحمة والعطف وبروح الخدمة، فإننا نكون في حالة حرب مع الله.

والمقصود بالشعب هو جميع من يعيشون في هذا البلد، بغض النظر عن معتقداتهم وأفكارهم ورؤاهم وجنسهم وقوميتهم. وتقع على عاتق السلطة مسؤولية التعامل معهم على أساس العدالة، وإعطاء كل ذي حق حقه. وللأسف، ما زلنا نواجه الكثير من المشكلات في هذا المجال، ونحتاج إلى الوقت من أجل إصلاح هذا المسار.

وخلال هذه الفترة، انصبّ كل الجهد على تفكيكنا وتمزيق وحدتنا. وإذا كنا ما زلنا صامدين حتى اليوم، فذلك بفضل الشعب الإيراني النبيل الذي حافظ علينا؛ ليس فقط أولئك الذين نزلوا إلى الشوارع، بل أيضًا أولئك الذين كانوا يحملون في قلوبهم مرارة وشكاوى، لكنهم لم يخرجوا إلى الشارع من أجل إيران ولم يتسببوا في أي اضطراب. بل إنهم لم يكتفوا بعدم خلق المشكلات، وإنما أبدوا تعاونًا وتعاطفًا ووحدة في الموقف.

فليس الذين كانوا في الشوارع وحدهم من حافظوا على إيران؛ بل إن جميع المواطنين الذين يشاهدون هذه الصعوبات ويتحملونها إنما يفعلون ذلك من أجل إيران ووطنهم. ونحن نعتبر أنفسنا خدامًا لهؤلاء الناس ومدينين لهم بالفضل، ونسأل الله أن يعيننا حتى لا نخيب آمالهم.

وعلى أي حال، فإن الظروف التي نواجهها اليوم تُعدّ الأصعب في تاريخ الجمهورية الإسلامية منذ انتصار الثورة. فقد كانت العقوبات قائمة ثم ازدادت شدة، وبعد ذلك فرضوا عقوبات على مصارفنا وعلى مساراتنا المالية. ولم يكتفوا بذلك، بل أشعلوا الحرب. ثم لم يكتفوا بالحرب أيضًا، ففرضوا علينا حصارًا. أي إنهم يريدون شلّ حركتنا في أسوأ الظروف الممكنة.

لكن عندما نكون إلى جانب الشعب، فلن تستطيع أي قوة أن تشلّنا أو تُسقطنا، شريطة أن نؤمن بذلك من أعماق قلوبنا. إن جميع الخطط التي يضعونها والضغوط التي يمارسونها تهدف إلى إثارة سخط الناس ودفعهم إلى الاحتجاج. غير أن هذا الشعب شعب نبيل؛ فقد وقف من أجل إيران ووطنه ومستقبل بلاده، وسيواصل الوقوف. ونحن بدورنا نعد أبناء شعبنا العزيز بأننا سنبذل كل ما في وسعنا لخدمتهم ما دمنا أحياء ونستنشق النفس.

السيد الرئيس، في إطار خطاب الوفاق، تشكل في المجتمع تفسيران: الأول، هل الحكومة شركة مساهمة تُمنح فيها حصص لمختلف التيارات والأجنحة السياسية؟ أم أن المقصود بالوفاق هو التوافق والتفاهم مع مختلف القوى وجميع المواطنين من أجل حل مشكلات البلاد؟ من وجهة نظركم، هل يعني الوفاق حكومة قائمة على تقاسم الحصص أم التوافق لحل المشكلات؟

من الناحية العقائدية، يقول الله تعالى: «إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ». فكون أحدهم امرأة والآخر رجلًا، أو أن يكون أحدهم كرديًا والآخر عربيًا أو فارسيًا أو تركيًا أو بلوشيًا، أو أن يكون أحدهم أسود والآخر أبيض أو أصفر، لا يشكل أي معيار للتفاضل. معيار التفاضل الوحيد هو التقوى.

هل تعلمون ما معنى التقوى؟ بحسب فهمي، فإن التقوى تعني العمل من دون خطأ. فإذا كنت طبيبًا وأجريت عملية للمريض بصورة صحيحة، من دون مضاعفات وبجودة عالية، فأنا متقٍ. وقد يكون هناك طبيب يواظب على الصلاة وصلاة الليل ويلتزم بكل الأطر الدينية المعروفة، ويبدو في ظاهره شديد التدين، لكنه عندما يجري عملية جراحية يخرج المريض من غرفة العمليات وهو يعاني مضاعفات أو مشكلات صحية. وفي المقابل، قد يكون هناك شخص لا يعتنق معتقداتي، لكنه يعالج المريض على النحو الصحيح. مثل هذا الشخص يكون، وفق هذا المعيار، أكثر تقوى مني أنا الذي أرفع تلك الادعاءات.

إذا نظرنا إلى المجتمع بهذه الرؤية، فإن معيار التعاون مع الأفراد والعمل معهم يجب أن يكون الأداء الخالي من الأخطاء؛ سواء في الاقتصاد أو الصناعة أو الزراعة أو الفن أو الإدارة أو أي مجال آخر. وإذا تعاملنا مع الناس على هذا الأساس، فلن يعود الأمر قائمًا على أنني أفضل من غيري لأنني أنتمي إلى فئة أو جماعة معينة. فالأكثر كفاءة والأقل خطأ هو الأحق، حتى لو لم يكن مؤمنًا بأفكارنا أو رؤيتنا. ومعنى قوله تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» هو أن الأكرم هو الأكثر تقوى وعلمًا وكفاءة.

وقد تحدثت مرارًا عن هذا الموضوع في ما يتعلق بالقرآن الكريم. فكثيرون يقرأون القرآن. وأنتم تعرفون سورة الرحمن؛ ففي كثير من المجالس تُتلى هذه السورة في ختام المناسبة. وذات يوم، عندما كنت أقرأها، وجدت أنها تطرح رؤية متكاملة للعالم: «الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ». وبعد عرض هذه الرؤية يقول: «أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ»؛ أي اجعلوا الموازين قائمة على العدل، ولا تنقصوها أو تزيدوها.

فالقرآن يطرح رؤية شاملة ثم ينهى عن الإخلال بهذا الميزان. لكننا غالبًا ما نتلو هذه الآيات على الموتى. ولو أننا طبقنا هذه الآيات في الواقع العملي، لما أوكلنا المناصب إلى غير الأكفاء، ولما جعلنا أشخاصًا قليلي العلم يتولون شؤون من هم أكثر علمًا، ولما أسندنا الإدارة إلى من هم أقل وزنًا وكفاءة. فالآيات تؤكد أن الكون كله قائم على الحساب والميزان، فكيف نتجاهل ذلك في إدارتنا لشؤون الناس؟

إننا نفعل هذه الأمور بالفعل. ولو طبقنا عمليًا الآيات التي نتلوها على الموتى، لما واجهنا هذه المشكلات. يجب أن يكون للجميع حضور ومشاركة، لكن على أساس الجدارة والكفاءة والقدرة، لا على أساس الحزب أو الجناح أو الفئة أو التوجه الفكري. وهذا هو الأمر الذي ينبغي أن نلتفت إليه.

السيد الرئيس، شهدت هذه الحرب كثيرًا من الجرائم، وكل واحدة منها يمكن أن تشكل ملفًا مستقلاً لجريمة حرب. إلى أي مدى أثرت أحداث الحرب الأخيرة في نظرتكم إلى حقوق الإنسان وإلى دور المنظمات الدولية في الدفاع عن الإنسانية؟

لقد قلت مرارًا إن القضايا التي يطرحونها بشأن حقوق الإنسان وحقوق الحيوان والحريات والموضوعات المشابهة لم تكن مقنعة بالنسبة لي حتى في السابق، أما الآن فقد انهارت تمامًا في نظري. وأول سؤال أطرحه هو: بأي ذنب وبأي جريمة اغتالوا قائدنا؟ وبأي ذنب اغتالوا قادتنا وعلماءنا؟ ولماذا استهدفوا أطفالنا؟ كلما فكرت في الأمر لم أجد أي منطق أو مبرر لهذه الأفعال.

إنهم يعادون كل ما يمثل القدرة والصمود والابتكار والإبداع لدينا. فهم يستهدفون الجامعات ومراكز الصناعات الفضائية والمؤسسات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، ويغتالون أساتذة الجامعات الذين يتمتعون بالعلم والكفاءة والإبداع. إنهم لا يريدون لنا أن نمتلك كوادر بشرية قادرة ومتميزة.

كما أنهم يستهدفون بين المديرين والقادة أولئك الذين كانوا بالفعل مضحين بأرواحهم، لا بالكلام فقط، بل ممن كرّسوا حياتهم كلها لخدمة هذا الشعب. فهم لا يريدون بقاء هؤلاء، بل يريدون أشخاصًا مترددين ومتذبذبين، حتى يسخط الناس على أدائهم ويتساءلوا: من هؤلاء الذين أصبحوا مسؤولين عنا؟

إن كثيرًا من القادة والعلماء الذين استشهدوا كانوا يعيشون حياة بسيطة للغاية. اذهبوا وانظروا إلى حياتهم؛ فبعضهم لم يكن يمتلك منزلًا أصلًا، وبعضهم كان يسكن بيوتًا متواضعة جدًا. ولم تكن لديهم ثروات تذكر. وهذه الحياة البسيطة دليل على صدقهم وتفانيهم؛ فقد كانوا في مواقع مهمة، لكنهم وأسرهم عاشوا حياة لا تختلف عن حياة عامة الناس.

السيد الدكتور، ماذا كان شعوركم عندما سمعتم نبأ استشهاد 120 طفلًا؟

كما قلت، لا يمكن التعبير عن المشاعر بالكلمات. إنه شعور يشبه غصة تنفجر في الحلق ولا يظهر إلا عبر دمعة تنهمر من العين، لكن لا يمكن للإنسان أن يصف بدقة ما الذي جعله يبكي.

على الأقل، أنا لا أستطيع وصف هذا الإحساس. كل ما أعرفه هو أن الدموع تنساب من عيني الإنسان بصورة لا إرادية.

في 28 فبراير استشهد قائد الثورة الإسلامية. متى علمتم باستشهاده، وما الذي شعرتم به في تلك اللحظة؟

كنا نعقد اجتماعًا هنا عندما تعرض هذا المكان للقصف، وفي الحقيقة شعرت منذ تلك اللحظة بأن الأمر قد وقع. فبالنظر إلى طبيعة الهجوم، وإلى ما كان يُقال عن وجود قائدنا العزيز في ذلك المكان، كان من الطبيعي أن ينتاب الإنسان ذلك الشعور الذي تحدثت عنه، وهو شعور لا يمكن وصفه.

وعلى أي حال، فقدنا سندًا ورصيدًا كبيرًا للغاية، ولا سيما بالنسبة للحكومة، إذ كان يقف خلفها كالجبل ويدعمها باستمرار. وكنت أطرح عليه بصراحة كل ما يدور في أذهاننا. وربما هناك أمور كثيرة لم أتحدث عنها الآن كنت أطرحها في حضرته. لقد كان يساعدنا ويواكبنا فعلًا.

ولولا دعمه، لربما ظهرت التوترات الاجتماعية قبل الموعد الذي ظهرت فيه فعليًا. وكان العدو يراهن على أن إطلاق الصواريخ وتدمير البلاد سيؤديان إلى إسقاطها. لكن دعمه حال دون ذلك. وعندما وصلوا إلى طريق مسدود أقدموا على اغتيال قائد الثورة. لقد ارتكبوا فعلًا بالغ الوحشية، وكانوا يعتقدون أن البلاد ستدخل بعد ذلك في حالة انهيار، لكن المسيرة استمرت وتم اختيار قائدنا الجديد. واليوم يشكل وجود قائدنا الجديد والعزيز نقطة قوة كبيرة لنا تمكننا من مواصلة هذا الطريق، وإن كان التواصل معه الآن أكثر صعوبة.

وفي ما يتعلق بالقضية التي أثيرت، فقد نُشرت عنه رسالة قال فيها: «من حيث المبدأ لم أكن موافقًا»، لكنه في نهاية المطاف سمح بالمضي في هذا المسار. بعض الذين كانوا يسعون إلى إثارة الفرقة وإحياء الانقسامات وتحقيق أهدافهم الحزبية ضخّموا هذه القضية، في حين أن كلامه كان صحيحًا تمامًا.

لقد كان لديه رأي معين، وبعد المناقشات التي جرت داخل المجلس المعني رُفعت إليه التقارير. فقال: إذا حصل القرار على ثلاثة أرباع الأصوات فسأوافق عليه. وفي الواقع حصل القرار على تأييد 12 عضوًا من أصل 13 عضوًا، فوافق عليه أيضًا. وهذا يعني أنه قبل بالرأي التخصصي واتخذ قراره على أساسه.

لكن هذه القضية نفسها تحولت لدى بعض الأطراف إلى ذريعة لإثارة الانقسام وإطلاق مواقف لم تكن منصفة ولا صادقة. وحاولوا تصوير الأمر بطريقة توحي بأن الآخرين على هذا النحو أو ذاك. والحال أن الإنصاف قيمة عظيمة.

فالشهيد الدكتور بهشتي يقول في كتابه «الحق والباطل من وجهة نظر الإسلام»، مستندًا إلى القرآن والروايات، إن هناك أحاديث كثيرة تؤكد أن الإنصاف نصف الدين. لكنه يضيف أنه يعتقد أن الإنصاف هو الدين كله. فما لا ترضاه لنفسك لا ينبغي أن ترضاه للآخرين. والحقيقة أنني لا أرى في هذه السلوكيات أي قدر من الإنصاف.

السيد الرئيس، خلال فترة الحرب طُرح كثيرًا موضوع عودة الإيرانيين المقيمين في الخارج. ويبدو أنكم ناقشتم هذه المسألة في تلك الفترة مع قائد الثورة الراحل أيضًا. ما الذي دار في ذلك النقاش، وما كانت رؤيته بشأن عودة الإيرانيين في الخارج؟

نعم، لقد طرحت هذا الموضوع عليه، وتم الاتفاق على أن نرفع إليه رسالة بهذا الشأن. كما طلبت من وزارة الخارجية ومن زملائنا متابعة القضية، وإبلاغ الأجهزة الأمنية بضرورة عدم وضع عراقيل أمام أي إيراني يرغب في العودة إلى البلاد.

فإذا كانت هناك مشكلة تتعلق بشخص ما قبل دخوله البلاد، فيجب إبلاغه بذلك منذ البداية، وأن يُقال له بوضوح ألا يأتي أو أن يعود من حيث أتى؛ لا أن يدخل البلاد ثم يُعتقل ويُمنع بعد ذلك من المغادرة. يجب أن يكون كل إيراني قادرًا على دخول إيران بسهولة، وألا توضع أمامه أي عقبات.

وقد حظي هذا الأمر بالموافقة، وكان من المقرر متابعته حتى النهاية، لكن للأسف لم تتح لنا الفرصة للحصول على الرسالة النهائية منه. ونأمل أن نتمكن من إنجاز هذا الأمر مع قائدنا العزيز الحالي. فكل إيراني يعيش خارج البلاد، إيران هي وطنه وبيته، ويجب أن يكون قادرًا على القدوم إليها والعودة منها بسهولة، وألا نضع أمامه أي عوائق.

أما إذا كان هناك شخص لا يُسمح له بالدخول، فينبغي أن يُقال له ذلك بوضوح منذ البداية، لا أن يدخل البلاد ثم يُعتقل ويُمنع من العودة. فهذا تصرف غير منصف.

هل كان قائد الثورة الراحل يؤيد هذا التوجه ويدعم تنفيذه، أم أن ذلك كان مجرد رأي شخصي من جانبكم؟

لو لم يكن مقتنعًا بهذا الأمر ومطمئنًا إليه، لما وافق عليه. فالقائد لا يتخذ قرارات لمجرد إرضائنا أو مجاملتنا.

من أبرز أحداث الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا حادثة محاولة اغتيالكم عصر 15 يونيو. وقد روى السيد حاجي ميرزائي في مقابلة أنكم توجهتم فورًا بعد محاولة الاغتيال إلى لقاء قائد الثورة. كيف كانت ردة فعله عندما علم أنكم كنتم هدفًا لمحاولة اغتيال، وماذا دار بينكما في ذلك اللقاء؟

كان من المقرر أن نلتقي القائد عند الساعة الخامسة مساءً. لكن قرابة الساعة الرابعة والنصف، وأثناء وجودنا في اجتماع، تعرض المكان للقصف، ولذلك لم نتمكن من الوصول في الموعد المحدد.

وعلى أي حال، نجونا من الحادث وغادرنا الموقع، وكانت أجسادنا مغطاة بالغبار، كما تعرضت أقدامنا وركبنا لإصابات.

بعد ذلك أبلغونا أن سماحته ما زال بانتظارنا. فوصلنا إلى لقائه نحو الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة، وكان ينتظر فقط الاطمئنان علينا ورؤيتنا. شرحنا له ما جرى، فأصدر بعض التوجيهات ودعا لنا. وبعد انتهاء اللقاء عدنا إلى منازلنا.

لقد كان كالجبل في دعمه للحكومة ومساندته لها، وإذا حققنا أي إنجازات فإن ذلك يعود إلى دعمه ومساندته. أما اليوم، فإن بعض الأشخاص وجدوا الأجواء مناسبة لإطلاق تصريحات معينة؛ إما لأنهم يجهلون الحقائق، أو لأنهم لا يدركون طبيعة الظروف، أو لأنهم يفتقرون إلى الإنصاف.

في أول اجتماع خُصص لبحث أوضاع المتضررين من أحداث شهر يناير، ما أبرز الموضوعات التي نوقشت مع قائد الثورة الشهيد؟

لقد كان حزينًا للغاية، وكنا نحن أيضًا في غاية الحزن، لأن ما جرى كان بالفعل بالغ الوحشية. ومن جهة أخرى، وبسبب عدم وجود الجهوزية الكافية لإدارة الأزمة، تعرض عدد كبير من الأشخاص للأذى. فقد قُتل واستشهد كثير من الشباب، كما فقد آخرون أطرافًا من أجسادهم.

وما زالت هذه الحادثة عالقة في ذهني حتى اليوم، ولا أستطيع نسيانها. لم يكن ينبغي أن نسمح للأمور بأن تصل إلى هذا الحد.

حتى ترامب نفسه قال بصراحة إنهم كانوا قد سلحوا هؤلاء الأشخاص وقدموا لهم الدعم، ولذلك كان واضحًا ما الذي كانوا يهدفون إليه. ومع ذلك، كان بين المشاركين أيضًا أشخاص أبرياء. والحقيقة أننا كنا نواجه مشكلات، وما زلنا نواجهها حتى الآن. فبعض الناس كانوا يطرحون مشكلاتهم ومطالبهم المحقة، لكن آخرين أرادوا استغلال هذه الأجواء لتحقيق أهدافهم الخبيثة والشريرة، وهو ما أدى إلى اختلاط الأمور ببعضها البعض.

ويقول الشاعر:

الحقيقة كدارٍ مزينة،

لكن الغبار الذي تثيره الأهواء والشهوات يحجبها.

ألا ترى أن الغبار إذا ارتفع،

عجز البصر عن الرؤية ولو كان صاحبه بصيرًا؟

فعندما يتحول الاحتجاج إلى أعمال شغب، لا يعود التمييز بين الصديق والعدو أمرًا سهلًا، وتصل الأحداث إلى مرحلة تقع فيها وقائع مؤلمة وصعبة.

لقد رأيتم كيف زعمت بعض وسائل الإعلام والصحفيين أن عدد القتلى في إيران بلغ 40 ألفًا أو 60 ألف شخص. وعندما رأينا أن مثل هذه الأجواء قد تشكلت، طالبنا بنشر أسماء جميع الضحايا والشهداء وأرقامهم الوطنية، وطلبنا من أي شخص لديه أسماء إضافية أن يقدمها.

لكن بعض الأشخاص الجالسين خارج البلاد، ممن يقدمون أنفسهم على أنهم حريصون على الوطن أو مطلعون أو حتى مثقفون ومفكرون، حولوا رقمًا يقارب ثلاثة آلاف شخص إلى 30 أو 40 ألفًا، وضللوا الرأي العام. وهذا السلوك يبين مدى افتقارهم إلى الأمانة والوطنية.

السيد الدكتور، في المراسلات واللقاءات التي جمعتكم بالسيد مجتبى، ما أبرز السمات التي انطبعت في ذهنكم عن شخصيته ورؤيته وأسلوبه في الحوار؟

لقد قلت هذا مرارًا، سواء علنًا أو في الاجتماعات الخاصة. فالشخصية التي عرفتها فيه كانت، من حيث الأخلاق والمنطق والتواضع، شخصية استثنائية بحق. ولذلك أعتقد أنه كلما استطعنا أن نطرح عليه قضايانا وهمومنا بصراحة أكبر، أصبح من الأسهل الوصول إلى تفاهم مشترك.

إنه شخص منطقي للغاية ويتمتع بقدر كبير من الصبر وسعة الصدر. وقد طرحت أمامه بصراحة كل ما كان يدور في ذهني حتى يكون على اطلاع كامل على القضايا، وكان يتعامل معنا دائمًا بلطف ومنطق وأسلوب راقٍ للغاية.

ولهذا السبب، فإن بعض الأمور التي تُنقل أحيانًا على لسانه لا تنسجم مع الشخصية التي عرفتها بنفسي. فالصورة التي يرسمها بعض الناس له تختلف عن الواقع.

وللأسف، فإن الظروف الحالية أتاحت المجال لبعض أصحاب النيات السيئة لتقديم روايات مغايرة للأحداث، ورسم صورة مختلفة عنه عما هو عليه في الحقيقة.

المصدر: تسنيم

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha