وكالة أنباء الحوزة - في أيّام العشرة الأولى من شهر المحرّم الحرام، تُقام مجالس حسينيّةٌ حاشدةٌ في شتّى أنحاء البلاد بهدف إحياء ذكرى سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام). والهدف من إقامة هذه المجالس هو تهيئة الأرضيّة للنموّ المعنويّ في المجتمع وترسيخ نمط الحياة الحسينيّ.
وممّا لا شكّ فيه أنّ نظرةً فاحصةً في الأحاديث الشريفة وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) في إقامة البرامج الدينيّة من شأنها أن توفّر استفادةً أكبر من مجالس عزاء أهل البيت (عليهم السلام) في شهري المحرّم وصفر.
وفي هذا السياق، أوضح حجّة الإسلام والمسلمين حجّت سروريّ أنّ مجالس الإمام الحسين (عليه السلام) لا تقتصر على إقامة العزاء فحسب، بل تمثّل مجالس للتفكّر والعقلانيّة والعواطف والتحوّل والوعي وتعزيز البصيرة وتجسيدًا لمناهضة الظلم، مشيرًا إلى أنّ الإجابة عن أربعة أسئلةٍ أساسيّةٍ قد تسهم في توسيع رؤيتنا تجاه واقعة عاشوراء الأليمة.
الأسئلة الأربعة الأساسيّة:
1. من الذي نقل إلينا كلّ هذه التفاصيل الدقيقة عن أحداث كربلاء؟
2. إذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه قد استُشهدوا في اليوم العاشر من المحرّم، فلماذا نبدأ مراسم العزاء منذ اليوم الأوّل من هذا الشهر؟
3. لماذا قالت السيّدة زينب (عليها السلام) بعد واقعة عاشوراء: «ما رأيت إلّا جميلًا»؟
4. متى بدأ عزاء أهل البيت (عليهم السلام) على سيّد الشهداء (عليه السلام)؟

وفي معرض إجابته عن السؤال الأوّل الذي يتعلّق بمصادر نقل أحداث كربلاء، قال حجّة الإسلام والمسلمين سروريّ مبيّنًا: لقد نقلت هذه الأحداث شخصياتٌ وجماعاتٌ متعدّدةٌ بدوافع مختلفةٍ، ومن أبرزهم:
أوّلًا: بعض أفراد أسرة الإمام الحسين (عليه السلام) والمقرّبين منه ممّن حضروا في كربلاء ولم يشاركوا في القتال؛ ومنهم الإمام الباقر (عليه السلام) الذي كان عمره آنذاك أربع سنوات، والإمام السجّاد (عليه السلام)، وشقيقتا الإمام السيّدة زينب والسيّدة أمّ كلثوم (عليهما السلام)، وزوجته السيّدة الرباب (عليها السلام)، وابنتاه السيّدة سكينة والسيّدة فاطمة (عليهما السلام)، حيث كان هؤلاء من أبرز رواة واقعة كربلاء.
ثانيًا: بعض الرجال الذين كانوا برفقة الإمام الحسين (عليه السلام) ولكنّهم لم يُستشهدوا في الواقعة، فنقلوا أحداث كربلاء؛ ومنهم الحسن المثنّى، نجل الإمام الحسن (عليه السلام) الذي لم يُستشهد رغم جراحه البالغة، وكذلك عقبة بن سمعان الذي كان غلامًا للإمام الحسين (عليه السلام) ولم يشارك في القتال فلم ينل شرف الشهادة.
ثالثًا: بعض المراسلين الذين أُرسلوا إلى كربلاء لتسجيل الوقائع، ومنهم حميد بن مسلم وهلال بن نافع، حيث اقتربوا من ساحة المعركة وسجّلوا تفاصيل الأحداث والحوارات عن قربٍ مستفيدين من الحصانة التي تتمتّع بها مهنتهم.
رابعًا: بعض أفراد جيش العدوّ ممّن شهدوا المعركة، وتحدّثوا لاحقًا عن وقائع ذلك اليوم، ورووا، طوعًا أو كرهًا، ما شاهدوه أو اقترفوه بأنفسهم.
خامسًا: كما نُقلت بعض أحداث كربلاء عن الأئمّة (عليهم السلام) الذين لم يكونوا حاضرين في الواقعة، إلّا أنّهم، بفضل ما آتاهم اللّه من علمٍ، كانوا على اطّلاعٍ تامٍّ بتفاصيلها، فنقلوا بعض تلك الوقائع لأصحابهم.

وفي الإجابة عن السؤال الثاني المتعلّق ببداية العزاء من اليوم الأوّل من شهر المحرّم، رغم وقوع واقعة عاشوراء الأليمة في اليوم العاشر من هذا الشهر، استشهد حجّة الإسلام والمسلمين سروريّ بروايةٍ عن النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)، الذي قال: «إنّ لقتل الحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدًا» [جامع أحاديث الشيعة، الجزء 12، الصفحة 556]، وأضاف سماحته موضحًا: إنّ كلّ من يشعر بهذه الحرارة واللوعة يدرك تمامًا مدى صعوبة الدخول المباشر في أجواء يوم عاشوراء من دون مقدّماتٍ روحيّةٍ، ولذلك يُعتبر العزاء في أيّام العقد الأوّل من شهر المحرّم فرصةً للتهيئة والاستعداد النفسيّ والروحيّ للدخول في يوم عاشوراء.
وتابع هذا الباحث الحوزويّ حديثه مشيرًا إلى ما رواه الإمام الرضا (عليه السلام) بشأن سيرة عزاء والده الكريم الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في شهر المحرّم: يقول الإمام الرضا (عليه السلام): «كان أبي إذا دخل شهر المحرّم لا يُرى ضاحكًا، وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى يمضي منه عشرة أيّامٍ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قُتل فيه الحسين صلّى اللّه عليه» [بحار الأنوار، الجزء44، الصفحة 284]. فيمكن القول إنّ المؤسّس لعزاء العشرة الأولى من شهر المحرّم هو الإمام الرضا (عليه السلام)، ولعلّ السبب الرئيس لبدء العزاء قبل الاستشهاد يعود إلى سيرة عزاء الإمام الكاظم (عليه السلام).
كما لفت مؤلّف كتاب "عديمو البصيرة من تاريخ كربلاء" [بالفارسية: بي بصيرتاني از تاريخ كربلا] إلى روايةٍ أخرى، قائلًا: ورد في روايةٍ مشهورةٍ أخرى أنّه عندما دخل ابن شبيب على الإمام الرضا (عليه السلام) في أوّل المحرّم، ذكر له الإمام مصيبة استشهاد أهل البيت (عليهم السلام) وسبيهم.
وأضاف سماحته مبيّنًا: ربّما يكون السبب الآخر هو أنّ الضغط الذي مارسه العدوّ على الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه بدأ منذ اليوم الثاني من شهر المحرّم، ولذلك يبدأ العزاء قبل يوم الاستشهاد.
وأوضح قائلًا: إنّ قافلة الإمام الحسين (عليه السلام) حلّت بأرض كربلاء في اليوم الثاني من المحرّم عام 61 للهجرة، ثمّ تواردت جيوش الكوفيّين تباعًا وبدأت المصيبة لأهل البيت (عليهم السلام) منذ ذلك الحين. وفي اليوم التاسع (يوم تاسوعاء) فُرض الحصار الكامل على قافلة الإمام (عليه السلام)، وفي اليوم العاشر (يوم عاشوراء) استُشهد ذلك الإمام العظيم وأصحابه. فبما أنّ معاناة الإمام الحسين (عليه السلام) قد بدأت منذ العشرة الأولى من المحرّم، فإنّ أتباعه يقيمون العزاء عليه من أوّل هذا الشهر الحرام.
وفي معرض إجابته عن السؤال الثالث حول قول السيّدة زينب (عليها السلام) بعد واقعة عاشوراء: «ما رأيتُ إلّا جميلًا»، أوضح حجّة الإسلام والمسلمين سروريّ أنّه يمكن إدراج بعض مظاهر الجمال في عاشوراء ضمن النقاط التالية:
النقطة الأولى: الرضا بالمشيئة الإلهيّة؛ فقد كانت كربلاء المظهر الأسمى لرضا الإنسان بقضاء اللّه وقدره، حيث كان الإمام الحسين (عليه السلام) يناجي في لحظاته الأخيرة من حياته المباركة في ميدان المعركة: «إلهي رضًا بقضائك وتسليمًا لأمرك ولا معبود سواك يا غياث المستغيثين»، ممّا يدلّ على الفناء في إرادة اللّه ورضاه. وقد ورد في كتاب "موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)"، الصفحة 328، أنّه قال في خطبةٍ له عند انطلاقه من مكّة نحو الكوفة: «رضا اللّه رضانا أهل البيت».
النقطة الثانية: محوريّة الحقّ؛ حيث قال الإمام الحسين (عليه السلام) في أوّل خطبةٍ له في اليوم الثاني من المحرّم: «ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟» [بحار الأنوار، الجزء 44، الصفحة 381]، وهذا الكلام يدلّ على أنّ الإمام كان طالبًا للحقّ، ويكشف عن أنّ هدف نهضته كان إحقاق الحقّ وإبطال الباطل.
النقطة الثالثة: الوفاء والولاء؛ فقد تجلّى ولاء أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) وتبعيّتهم له ووفاؤهم حتّى آخر قطرة دمٍ مرارًا وتكرارًا في كربلاء؛ ففي ليلة عاشوراء أعلن الجميع عن وفائهم المطلق، وفي لحظاتهم الأخيرة كان بعضهم يسأل الإمام (عليه السلام): «أوفيتُ يا بن رسول اللّه؟».

وفي معرض إجابته عن السؤال الرابع بشأن بداية عزاء أهل البيت (عليهم السلام) على سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، أفاد حجّة الإسلام والمسلمين حجّت سروريّ مبيّنًا أنّ سيرة أهل البيت (عليهم السلام) في العزاء كانت تتميّز بخصيصتين:
الأولى: البكاء على مصائب شهداء كربلاء.
الثانية: تبيين مكانة أهل البيت (عليهم السلام)، وشرح أحداث كربلاء، وكشف حقيقة التزوير الذي مارسته الدولة الأمويّة.
فكان الإمام السجّاد (عليه السلام) والسيّدة زينب (عليها السلام) وسائر الأسرى في الكوفة والشام، يندبون الإمام الشهيد وأصحابه، وفي الوقت ذاته يستعرضون فضائل أهل البيت (عليهم السلام) ومكانتهم، ويفضحون الجرائم النكراء لبني أمية.
أسلوب عزاء أهل البيت (عليهم السلام) على الإمام الحسين (عليه السلام)
وأوضح مؤلّف كتاب "تبيين عاشوراء": إنّ أسلوب عزاء أهل البيت (عليهم السلام) على الإمام الحسين (عليه السلام)، بعد مرحلة الأسر، كان يتمثّل في دعوة الشعراء والمنشدين لقراءة المراثي في مجالس الإمام؛ فكانوا يبكون ويحثّون الحاضرين بالبكاء؛ حيث كان الإمام الباقر (عليه السلام) يقيم مجلس عزاءٍ في يوم عاشوراء ويبكي على مصائب جدّه، ويُعدّ إنشاد الشاعر "الكميت" في ذلك المجلس من الوقائع المعروفة تاريخيًا.
وأضاف قائلًا: نُقل عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه طلب من دعبل الخزاعيّ إنشاد مرثيةٍ في الإمام الحسين (عليه السلام)، ثمّ نصب الإمام سترًا بين الحاضرين وعائلته لكي يذرفوا الدموع على مصائب سيّد الشهداء (عليه السلام).
واستطرد هذا الباحث الحوزويّ مذكّرًا بأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد طلب من شقيقاته ونسائه وبناته الاجتناب عن الأساليب الخاطئة في العزاء بعد استشهاده، حيث قال: «إذا أنا قُتلت لا تشققنّ عليّ جيبًا، ولا تخمشنّ عليّ وجهًا، ولا تقلنّ فيّ هجرًا» [موسوعة كربلاء، المجلّد1، الصفحة 606]، وبناءً عليه يجب الابتعاد في مراسم العزاء عن كلّ ما يؤدّي إلى وهن المذهب الشيعيّ.
وفي ختام حديثه، أفاد مؤلّف كتاب "تبيين عاشوراء" مبيّنًا أنّ هناك أربعة عناصر أساسيةٍ ساهمت في خلود واقعة كربلاء على مرّ التاريخ، وهي:
أوّلًا: تأكيد أهل البيت (عليهم السلام) على إقامة مجالس العزاء وتبيين أهداف النهضة الحسينيّة.
ثانيًا: ولاء أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ووفاؤهم عبر العصور.
ثالثًا: جهود المؤرّخين والمحدّثين وعلماء الشيعة في حفظ التراث الحسينيّ.
رابعًا: دور الخطباء، والشعراء، والرواديد وقرّاء المراثي في إحياء ذكرى عاشوراء.
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرّر: حسن رحمانيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك