وكالة أنباء الحوزة - أصدرَ آيةُ الله الشيخُ عيسى قاسم بياناً بمناسبة يوم عاشوراء، أكّدَ فيه أنَّ معركةَ اليومِ ليست مجرّدَ صراعٍ سياسيٍّ أو عسكريٍّ، بل هي استمرارٌ لمواجهةِ الحقِّ مع الباطلِ منذ واقعةِ الطفِّ، وأنَّ مشروعَ المقاومةِ اليومَ يستمدُّ روحَهُ من ثورةِ الحسينِ (عليه السلام) منهجاً وقيادةً وأخلاقاً وتضحيةً.
وفيما يلي نص البيان:
حاضرنا عاش ولا يزال يعيش معركة شرسة مصيريّة شنّتها أمريكا والصهيونيّة واليهود المتغطرسون الحاقدون المتوحشون، معركة لم يكادوا يبقون نوعاً من الأسلحة الفتّاكة ذات التدمير الواسع إلا استخدموه لإنهاء الجمهوريّة الإسلاميّة المباركة في إيران وجبهة المقاومة، مستهدفين عموم الأمّة الإسلاميّة بقصد تركيعها وإذلالها واستعبادها، وقد تلقوا دعماً ملحوظاً من الوجود الأوربّي، وتلقّوا معه للأسف دعماً أكبر من عدد من الحكومات في البلاد العربيّة.
وهذه الحرب العدوانيّة على جبهة المقاومة والأمّة الإسلاميّة بعمومها أشرس معركة وأوسع معركة وأخطر معركة عدوانيّة وأكثر تحطيماً وتدميراً شنّها العدوان لحدّ الآن.
وقد تسبّب الاشتراك من عدد من الدول العربيّة في هذه الحرب الظالمة في خندق واحد مع العدو ضدّ جبهة المقاومة في إلحاق متاعب جمّة ومصائب موجعة بعدد واسع من أبناء شعوبها، وخسائر فادحة من زجّ الكثيرين في السجون والتشريد والتهجير، وسحب الجنسيّة، والتخوين، وتشتّت العوائل من دون رحمة حتى بالأطفال الرّضع، والمطاردة الأمنيّة للمطلوبين للتحقيق والمحاكمات الشكليّة خارج الضوابط القانونيّة، ذلك لأنّ هؤلاء الناس يعلنون معارضتهم لمن يشارك الأعداء في حربهم على الإسلام والأمّة الإسلاميّة والعربيّة.
وقد ردّت دول المقاومة الإسلاميّة وفصائلها على هذه الحرب التي أسعرت نارها أمريكا والصهيونيّة وإسرائيل ببسالة لا توصف، وتضحيات هائلة بلا حساب، ومبدئيّة عالية، وحكمة وخبرة فائقتين، وشدّة وعنفوان، وصبر وصلابة، وبصيرة وتلاحم عظيم، وتنسيق رائع، بلا قلق وارتباك أمام المفاجآت، وبرهنت على نفس طويل، ووراء كلّ هذا قيادات نموذجيّة كبيرة في مقدّمتها الإمام السيد الشهيد الخامنئي العظيم، ثم نجله مجتبى الفذّ الذي واصل المسيرة القياديّة الجهاديّة المباركة بنجاح باهر.
وكلّ أطراف المقاومة المتلاحمة يوّحدها منهج واحد هو منهج الجهاد الحسيني وثورته الخالدة في كربلاء، وخطّها الإلهي القويم الذي لا ميل فيه عن الحقّ، ولا شوب من جهل الأرض وبغي أهلها، وسوء الهدف، وسقوط الأخلاقيّة، وخسّة الأسلوب.
إنّها مقاومة سماتها مُستقاة من دين الحسين عليه السلام، علمه، تقواه، رشده، حكمته، تربيته، قيادته، مدرسته، هادفيّته، صلابته، طهره، شدّة عنفوانه في الحقّ، عظيم عزمه، ومُضيّ همّته، معرفته لله وخشيته. مقاومة مرجع سماتها سمات القيادة المختارة من الله سبحانه وتعالى لإعمار الأرض، وإصلاح أهلها، وهو المختار للصفوة من أنصارها.
فكر كربلاء الحسين "عليه السلام" وثورته المظفّرة يخوضان اليوم الحرب الضارية المصيريّة في مواجهة العدوان الجاهلي الطاغوتي الغاشم على الإنسانيّة والدين وكلّ القيم التي ترتكز عليها الحضارة القويمة وتسلك بالإنسان إلى الغاية الكبرى من الحياة، وتوفّر له في الدنيا حياة مأمونة مريحة.
نعم يخوض الحسين "عليه السلام" وثورته الخالدة يوم عاشوراء هذه الحرب على يد المقاومة الإسلاميّة الجهاديّة الحاضرة التي بدأت تسجّل انتصاراتها المتوالية المتنامية في ميدان السياسة والميدان العسكري والإعلامي وكلّ ميادين القوّة الرشيدة البنّاءة الأخرى.
وهذه المقاومة العملاقة من عطاء المعرفة والعلم الديني الدقيق المحقّق للحوزات العلمية المأمونة المبدعة، والمآتم الحسينيّة الكفوءة الملهمة، ومواكب العزاء الحسيني الجرّارة المندفعة الموقظة المزلزلة.
صارت جبهة الحقّ المقاومة في معركة اليوم في مواجهة الباطل تكسر مغاليق التجهيل لحقيقة الإسلام المشرقة وعظمته الكبرى، وتفتح أبواب الاضطلاع والفهم لعظمته وجلاله وجماله وحكمته ورحمته، وأخلاقيّته الكريمة، وصناعته القوية، وتربيته الكريمة، ومنهاجه الناجح المنقذ دنيا وآخرة.
إنّ التضليل الإعلامي الزائف الظالم والافتراء على الإسلام ليوقع العالم الإنساني في خسائر عظمى ويحرمه من النعم العظمى المترتبة للإسلام، والمقاومة الإسلاميّة تشارك بفاعليّة واسعة في هزيمة عمليّة التضليل والتعمية التي تحرم الإنسانيّة من الرؤية الواضحة لشمس الإسلام، واستمداد الحياة الغنيّة الكريمة الطاهرة من عطاءاتها.
اليوم تحدث نقلة عظمى في حركة الجهاد الكربلائي في ميدان القتال وغيره من الميادين المحتاجة إلى الجهاد في سبيل الله وما أكثرها، وفي المواجهة العمليّة الصارمة والحاسمة للشرّ وقادته في الأرض حفظاً للإنسانيّة من استمرار الانحدار والشقاء وتجذرهما وتعمّقهما.
وستستمر الانتصارات الساحقة للباطل وتكبر ما دامت المقاومة الإسلاميّة على مقاومتها وجهادها وتضحياتها وتناميها والاشتداد المتواصل في قوّتها وعزيمتها.
وإنّ هذه الانتصارات ستتواصل بوتيرة متصاعدة حتى يتمّ التمهيد لظهور قائم آل بيت العصمة "صلوات الله عليهم أجمعين" ويتسلّم إمام العصر الراية الإلهيّة ليتحقق وعد الله عزَّ وجلّ بظهور الإسلام على الدين كلّه، ويعزّ المؤمنون في الأرض، وتشرق الأرض بنور ربّها ويعمّ الأمن والإسلام في كلّ الآفاق.
هنا جهاد مخلص متصاعد، وتضحيات كبرى، واندفاع على طريق الشهادة في سبيل الله تشهده الدنيا في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، وغزّة، ولبنان، واليمن، والعراق.
وهنا عذابات ومصائب موجعة صارخة يتلقّاها المؤمنون في بلدان مختلفة عقاباً لهم على ولائهم الجاهر لمجاهدي الأمّة في ساحات القتال المتعددة، وهو ولاء في أساسه لله ورسوله ودينه القويم آخذ بأمره الذي لا يردّه إلا منكر جاحد لحقّ الربوبيّة والألوهيّة لله وحده.
إنّ الذين يملؤون اليوم ساحات القتال الجهادي في مواجهة العدوان الأمريكي والإسرائيلي هم أنصار الإمام الحسين في الحاضر الأشدّاء الأحرار المؤمنون المخلصون، وإنّهم ليحاكي موقفهم وولاؤهم وصدقهم وبسالتهم وإخلاصهم وفدائيّتهم للإسلام وقيادته العليا ما كان عليه أنصار الحسين "عليه السلام" يوم كربلاء، وإنّ مآلهم من مآلهم الطيّب وعاقبتهم الحميدة من عاقبتهم.
ثمّ إنّ المقاومة وجهادها من أجل الأمّة كلّها، ولوحدتها لا فرقتها وتفكّكها، لمصالحها كلّها، لتتلاقى وتتوافى على طريق الحقّ الذي فيه هداها وخيرها، وثوابت الدين الذي يرفع شأنها ومستوى رشدها.
وإنّ خط المقاومة ليدرك تمام الإدراك ما يتحمل من مسؤوليّةٍ في رعاية حقّ الأمّة في دين الله عزَّ وجلّ.
وعلى الأمّة في المقابل ما لها عليه من حقّ يحتّمُ عليها من دعمه وتأييده وإسناده وأن تمدّ يد المودّة الصادقة إليه، وتشكر له جهاده، وتفرح لنصره لأنّه نصر وعزّة وقوّة لها.
على الأمّة كلّها بكلّ حكوماتها ومذاهبها وقوميّاتها طلباً لقوّتها وعزّتها وغناها وأمنها وسيادتها أن ترجع إلى دين ربّها وهدايته ونظام أنبيائه ورسله وأوليائه ليوحّدهم هذا الطريق على ما يرقون به ويهتدون ويفوزون ويفلحون ويسودون.
على دول الأمّة أن تعمل جادّة على تصفية الأجواء بينها تمهيداً لبناء الثقة المطلوبة لمصالح هذه الدول ووجود الأمّة بالكامل، كما يجب على شعوبها أن تسعى لتمتين علاقاتها الإيجابيّة الكريمة النافعة في ظلّ الوعي الديني والثقافة الدينيّة وأحكام الشريعة الإلهيّة المقدّسة، والتوحيد الحقّ لله تبارك وتعالى.
ويتحتّم على كلّ دولة من هذه الدول أن تعترف بحقوق شعبها وتفي بها كاملة له.
بذا كلّه لا بدونه يعزُّ موقع الأمّة من بين الأمم، وترقى وتعظُم وتأمن وتسود، وتنعم بحياة كريمة سعيدة، اليوم وغداً القريب والبعيد، وسعادة الأبد.
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) – 105/التوبة.
والحمدُ لله ربِّ العالمين.
والصلاة والسلام على سيّدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين.
عيسى أحمد قاسم
10 محرم 1448هـ
25 يونيو 2026مـ
المصدر: موقع المقاوم





تعليقك