وكالة أنباء الحوزة - أكد آية الله السيد ياسين الموسوي، إمام جمعة بغداد والأستاذ البارز في حوزة النجف الأشرف، أن العراق لا يمكن فصله عن هويته الإسلامية والتشيّع ومرجعيته الدينية، منتقداً توظيف مفاهيم الوطنية والقومية بطريقة تؤدي إلى إضعاف الروابط التاريخية والعقائدية بين الشعب العراقي وأهل البيت (عليهم السلام) وسائر الشعوب الإسلامية.
جاء ذلك في خطبته السياسية يوم الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، التي تناول فيها العلاقة بين العقيدة والوطنية، ومفهوم الهوية العراقية، والعلاقات العراقية الإيرانية، فضلاً عن انتقاده أداء بعض القوى السياسية وما وصفه بالخضوع للضغوط الأمريكية.
معركة المفاهيم والهوية
وقال السيد الموسوي إن الحديث عن العمل من أجل العراق بمعزل عن الدين والمذهب والقومية والحزب، والتساؤل عما إذا كانت الوطنية مقدمة على العقيدة عند التعارض، يستلزمان مراجعة المفاهيم وتحديد أسسها ومرجعياتها، بدلاً من التعامل معها بوصفها مسلّمات لا تقبل النقاش.
واستعاد تجربته في تسعينيات القرن الماضي، مشيراً إلى تأليفه كتاب «معركة العقائد» دفاعاً عن عقيدة التشيّع، وإلى تعرضه لمحاولة اغتيال بسبب مواقفه وكتاباته. ودعا إلى فتح نقاش أوسع حول المفاهيم السياسية والفكرية المتداولة، وتحديد مدى صحتها ومشروعيتها.
القومية والوطنية في ميزان التاريخ
ورأى السيد الموسوي أن القومية والوطنية بصيغتهما السياسيتين الحديثتين نشأتا في سياقات تاريخية محددة، وأن تقسيم المجتمعات الإسلامية إلى هويات قومية ووطنية ضيقة أسهم في إضعاف مفهوم الأمة الإسلامية الجامعة.
وتساءل عن المرجعية التي ينبغي أن يُحتكم إليها في تحديد صحة المفاهيم السياسية وخطئها، مؤكداً أن المعيار لا ينبغي أن يكون مواقف السياسيين والإعلاميين، بل القرآن الكريم وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام). كما أشار إلى مفهوم «دار الإسلام» في التراث الفقهي، معتبراً أن الانتماء الإسلامي أوسع من الحدود السياسية والقومية الحديثة.
الشهيد محمد باقر الصدر وحدود سايكس بيكو
واستشهد السيد الموسوي بموقف الشهيد السيد محمد باقر الصدر الداعم للثورة الإسلامية في إيران، وأوضح أن الشهید الصدر دافع عن موقفه انطلاقاً من رؤيته لوحدة الأمة الإسلامية، ورفضه اعتبار الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية، ومنها حدود اتفاقية سايكس بيكو، أساساً لقطع الروابط بين الشعوب الإسلامية.
وشدد السيد الموسوي على أن رفض هذه الحدود بوصفها حواجز بين الشعوب لا يعني الدعوة إلى إخضاع العراق لدولة أخرى، بل التمسك باستقلاله مع الحفاظ على علاقاته الدينية والتاريخية.
العراق وعمقه التاريخي في مدرسة أهل البيت
وأكد إمام جمعة بغداد أن العراق يحتل مكانة استثنائية في الوجدان الشيعي، لارتباط مدنه المقدسة بتاريخ أهل البيت (عليهم السلام)، ووجود مراقد الأئمة ومراكز الحوزة العلمية فيه. وأشار إلى مكانة النجف وكربلاء وسامراء، وإلى ما تمثله زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وتربة كربلاء من قيمة دينية وروحية لدى الشيعة في مختلف أنحاء العالم.
وأضاف أن ارتباط العراقيين بأهل البيت ليس مجرد علاقة جغرافية، بل امتداد تاريخي وعقائدي راسخ، لا يمكن فصله عن هوية المجتمع العراقي وتاريخه.
رفض القطيعة بين العراق وإيران
وانتقد السيد الموسوي الخطابات التي تصور العلاقة بين العراق وإيران بوصفها تعارضاً بين هويتين متناقضتين، معتبراً أنها تستهدف إضعاف الروابط الدينية والاجتماعية بين الشعبين. واستشهد بمشاركة مقاتلين وقادة إيرانيين في المعارك ضد تنظيم داعش إلى جانب القوات العراقية والحشد الشعبي.
وشدد على أن الدفاع عن سيادة العراق لا يستلزم قطع علاقاته مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مؤكداً أن العلاقة بين البلدين تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وترتبط بصلات دينية وتاريخية واجتماعية عميقة.
انتقاد القيود على الزائرين والضغوط الأمريكية
وتطرق السيد الموسوي إلى القيود التي قال إنها تُفرض على زوار الإمام الحسين (عليه السلام)، منتقداً الإجراءات المتعلقة بالطيران والحدود، ومؤكداً رفض التضييق على الزائرين أو استخدام هذه الإجراءات للضغط على العلاقات العراقية الإيرانية.
كما وجّه انتقادات حادة إلى قوى سياسية اتهمها بالخضوع للإرادة الأمريكية وتقديم مصالحها الخاصة على مصالح المواطنين، مشيراً إلى ارتفاع الأسعار وتراجع الأوضاع المعيشية وزيادة الأعباء الاقتصادية، في مقابل ما وصفه بتراكم الثروات لدى بعض المسؤولين.





تعليقك