الثلاثاء 18 أغسطس 2026 - 12:35
خطر معصية المثليّة الجنسيّة؛ من نسيان الفطرة إلى تغيّر النعم

وكالة الحوزة - إنّ التمرّد على مسار الفطرة الإلهيّة يُخرج النعم الإلهيّة عن صورتها المنشودة، ويحوّل "مطر الرحمة" إلى "حجارة العذاب"؛ وهي صورةٌ تدعو الإنسان إلى التأمّل في عواقب المعصية، والعودة إلى الفطرة الإلهيّة، وطلب المغفرة والرحمة من اللّه تعالى.

وكالة أنباء الحوزة - إنّ الإنسان في بداية خلقه كالإناء الفارغ، لكنّه مهيّأٌ لأن يتأثّر طوال حياته بالأعراف والتقاليد والأفكار والقيم المختلفة، حقًّا كانت أم باطلًا، كما أنّ الأنظمة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة تؤدّي دورًا في تشكيل رؤيته وشخصيّته؛ ومع ذلك كلّه، فقد أودع اللّه في كيان الإنسان فطرةً إلهيّةً ونزوعًا داخليًّا إلى معرفة الحقّ والتمسّك به، لكي يتمكّن، وسط التأثيرات البيئيّة المختلفة، من معرفة سبيل الحقيقة والسير فيه؛ وقد أشار اللّه تعالى إلى هذه الحقيقة في القرآن الكريم بقوله:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30].

وأحيانًا تخيّم الغفلة والجهالة على كيان الإنسان إلى حدٍّ ينسى معه حقيقة فطرته الإلهيّة، فيبتعد باختياره وإرادته عن مسار الفطرة والهداية الإلهيّة؛ ونتيجةً لذلك، بدلًا من أن يجعل النداء الداخليّ الباحث عن الحقّ مصباحًا يهتدي به، يختار تحت تأثير الأهواء النفسيّة والعوامل البيئيّة سبيلًا مغايرًا لمسار فطرته الإلهيّة.

وما يضفي أهمّيّةً على هذا البحث هو أنّ نسيان الفطرة الإلهيّة أو الانحراف عن مسارها يؤدّيان إلى تغيّر النعم الإلهيّة. ولنتأمّل هذا المثال القرآنيّ:

كان "قوم لوط" من الأقوام الذين عوقبوا بسبب ارتكابهم الكبائر، ومنها "اللواط". وكان نبيّهم لوط (عليه السلام). ووفقًا للمصادر التاريخيّة، ابتُلي قوم لوط بالعذاب الإلهيّ في نهاية المطاف، بعد إصرارهم على عدم ترك "الكبائر"، ومنها "اللواط". وقد وصف القرآن الكريم عذاب قوم لوط بقلب الأرض عليهم، وإنزال الحجارة عليهم من السماء.

﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: 84].

ويقول عزّ وجلّ أيضًا:

﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: 82].

وعليه، فإنّ "المثليّة الجنسيّة"، وفقًا للتعاليم الأخلاقيّة والدينيّة في الإسلام، تُعدّ من الذنوب التي يمكن أن تُبعد الإنسان عن مسار الفطرة الإلهيّة، وأن تمهّد لتغيّر النعم الإلهيّة.

إنّ الذنب والتمرّد على المسار الإلهيّ يخرجان النعمة عن صورتها المنشودة، ويحوّلان "مطر الرحمة" إلى "حجارة العذاب"؛ وهي صورةٌ تدعو الإنسان إلى التأمّل في الآثار المعنويّة للمعصية، والعودة إلى الفطرة الإلهيّة، وطلب المغفرة والرحمة من اللّه تعالى.

ومن هنا تتّضح أكثر فأكثر المكانة الرفيعة لكلام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في "دعاء كميل": «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُغَيِّرُ النِّعَمَ».

ذلك أنّ المؤمن ينبغي له دائمًا، من أجل رفع البلاء؛ أي التخلّص من آثار الذنوب وتداعياتها، وكذلك دفع البلاء؛ أي الوقاية من الابتلاء بالذنوب وتغيّر النعم، أن يلجأ إلى اللّه تعالى متضرّعًا إليه، طالبًا منه المغفرة والرحمة، وأن يسير في طريق إصلاح نفسه.

الإجابة عن سؤالٍ:

إذا كان الذنب المتمثّل في المثليّة الجنسيّة يستتبع العذاب الإلهيّ وتغيّر النعم الإلهيّة وفقًا للتعاليم الدينيّة، فلماذا لا يتعرّض المثليّون في المجتمعات المعاصرة، ولا سيّما المجتمعات الغربيّة، للعذاب الإلهيّ؟ بل وربّما يتمتّعون بالنعم الإلهيّة أيضًا، فكيف يمكن تفسير ذلك؟

إنّ ما ينبغي الالتفات إليه في بداية الإجابة عن هذا السؤال هو أنّ العذاب الموعود به لا يختصّ بتعاليم الإسلام وحدها. وقد ورد في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية:

«لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ، وَكَذلِكَ الذُّكُورُ أَيْضًا تَارِكِينَ اسْتِعْمَالَ الأُنْثَى الطَّبِيعِيَّ، اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُورًا بِذُكُورٍ، وَنَائِلِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ جَزَاءَ ضَلاَلِهِمِ الْمُحِقَّ» (رومية 1: 26-27).

ويتحدّث الكتاب المقدّس عن جزاءٍ محقٍّ لانحراف المثليّة الجنسيّة. فما هو هذا الجزاء؟ وقد ورد في سفر اللاويين في بيان هذا الجزاء:

«وَلاَ تُضَاجِعْ ذَكَرًا مُضَاجَعَةَ امْرَأَةٍ. إِنَّهُ رِجْسٌ.. بِكُلِّ هذِهِ لاَ تَتَنَجَّسُوا، لأَنَّهُ بِكُلِّ هذِهِ قَدْ تَنَجَّسَ الشُّعُوبُ الَّذِينَ أَنَا طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكُمْ، فَتَنَجَّسَتِ الأَرْضُ. فَأَجْتَزِي ذَنْبَهَا مِنْهَا، فَتَقْذِفُ الأَرْضُ سُكَّانَهَا. لكِنْ تَحْفَظُونَ أَنْتُمْ فَرَائِضِي وَأَحْكَامِي..» (اللاويين 18: 22، 24، 25، 26).

إنّ انتقام الأرض من سكّانها وغضبها عليهم هو العذاب الذي يُعدّ ثمرةً لعدم الاكتراث بالفطرة الإلهيّة والطبيعة الإنسانيّة؛ وهو العذاب نفسه الذي أشار إليه القرآن الكريم أيضًا:

﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا...﴾ [هود: 82].

وعليه، فإنّ العذاب الموعود به لا يختصّ بتعاليم الإسلام وحدها.

وثمّة نقطةٌ أخرى ينبغي الالتفات إليها في الإجابة عن السؤال المطروح، وهي أنّ التأخير في العذاب الإلهيّ، وكذلك التمتّع بالنعم الإلهيّة وعدم تغيّرها، ليس دليلًا على تأييد المعصية أو الرضا بها.

وقد قال اللّه تعالى في القرآن الكريم في شأن الذين نسوا أوامر اللّه، مع أنّهم يتمتّعون في الظاهر بالنعم الإلهيّة:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44].

ومن هنا يقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله):

«إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي عَلَى الْمَعَاصِي، فَإِنَّ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنْهُ» (تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 718).

وعليه، فإنّ "سنّة الاستدراج"، وفقًا للتعاليم الدينيّة، تُعدّ من السنن والقوانين الإلهيّة؛ ومعناها أنّ من ابتعد عن مسار الفطرة الإلهيّة، مع بقائه في الوقت نفسه متمتّعًا بالنعم الإلهيّة، ينبغي له أن يعلم أنّه يسير في طريق الهلاك؛ وأنّ هذا الرخاء المؤقّت وعدم نزول العذاب لا يعنيان بأيّ حالٍ من الأحوال رحمةً إلهيّةً بالشخص العاصي.

وتبلغ أهمّيّة هذا البحث حدًّا جعل أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يحذّرنا من هذه الحقيقة قائلًا:

«يَا ابْنَ آدَمَ، إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَ أَنْتَ تَعْصِيهِ، فَاحْذَرْهُ.» (نهج البلاغة، الحكمة 25).

وعلى الرغم من كثرة ما كُتب حول خطر ذنب المثليّة الجنسيّة والأدلّة التي تذكّر بهذا الخطر، إلّا أنّنا نكتفي بهذا القدر اختصارًا.

إعداد: مصطفى أميني

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرّر: حسن رحمانيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha