الأحد 19 يوليو 2026 - 15:00
هرمز يعود مجدداً إلى دوامة الأزمة والعالم يدفع ثمن نقض أمريكا لعهودها

وكالة الحوزة - لم يدم التوقف المؤقت الذي أعقب تفاهم إسلام آباد طويلاً، ومع نقض أمريكا لتعهداتها، عاد هرمز مجدداً إلى دوامة الأزمة.

وكالة أنباء الحوزة - مضى أكثر من ١٤٠ يوماً على العدوان الأمريكي ضد إيران، والآن وبعد أن نقضت واشنطن التفاهم مجدداً، أصبح مضيق هرمز مرة أخرى نقطة الغليان في تطورات المنطقة والعالم؛ فذلك الممر الذي كلما تعطل، لا يخلط فقط المعادلات السياسية والأمنية، بل يوجه ضربة مباشرة للاقتصاد العالمي وسوق الطاقة ومعيشة الشعوب في مختلف الدول.

كان العالم قد دفع سابقاً، أثناء حرب الأربعين يوماً، الثمن الباهظ لإغلاق هذا الممر المائي الاستراتيجي، ففي تلك الفترة، شهدت الأسواق العالمية اضطرابات، وارتفعت أسعار الطاقة، وزادت تكاليف النقل والتأمين البحري، وسرعان ما تجلت آثار هذه الأزمة في أسعار الوقود والسلع في مختلف البلدان.

وبعد ذلك، وفي أعقاب تفاهم إسلام آباد، حدث توقف مؤقت لهذا المسار. فتحت إيران، في إطار ذلك التفاهم، مضيق هرمز لتمهيد الطريق لخفض التوتر وعودة الاستقرار النسبي إلى الأسواق، وقد أدى هذا الإجراء وحده إلى تهدئة الأجواء النفسية لسوق الطاقة إلى حد ما، وأثار الأمل في أن يلتزم الطرف الأمريكي هذه المرة بتعهداته، وأن تبتعد المنطقة عن أزمة استنزافية، لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً، إذ أثبتت أمريكا مرة أخرى أنها في اللحظات الحاسمة تفضل منطق الضغط ونكث العهود على أي تفاهم. ومع نقض واشنطن لتعهداتها، عاد هرمز إلى حالته الحرجة، وتفعّلت مجدداً سلسلة الضغوط الاقتصادية ذاتها التي كان العالم قد اختبرها خلال حرب الأربعين يوماً.

العالم قد دفع هذا الثمن مرة من قبل

في أثناء حرب الأربعين يوماً، رأى العالم بوضوح أن انعدام الأمن في مضيق هرمز ليس مجرد خبر سياسي أو عسكري، بل إن هذا الانعدام للأمن ينعكس فوراً في الأسواق العالمية؛ بدءاً من ارتفاع أسعار النفط ومشتقات الطاقة وصولاً إلى زيادة تكاليف نقل البضائع وتصاعد المخاوف بشأن تأمين الإمدادات المستدامة للطاقة.

لقد كانت تلك التجربة كافية لتوضح أن هرمز ليس مجرد ممر مائي بسيط؛ إنه أحد الشرايين الرئيسية لنقل الطاقة في العالم، وأي اضطراب فيه يترك آثاره من شرق آسيا إلى أوروبا، ومن الأسواق المالية إلى حياة الناس اليومية. ولهذا السبب، كلما اقتصرت الملاحة في هرمز، دخل العالم في دورة جديدة من القلق والتضخم وعدم الاستقرار.

في الواقع، ما يحدث اليوم مجدداً هو تكرار لتلك الحقيقة المريرة التي سبق اختبارها. لم يكن العالم قد تجاوز بعد تداعيات الأزمة السابقة حين وجد نفسه، نتيجة نكث أمريكا المتكرر لعهودها، معرضاً لصدمة جديدة.

ضاعت فرصة التفاهم وعادت الأزمة

لم تكن إعادة فتح هرمز بشكل مؤقت بعد تفاهم إسلام آباد مجرد إجراء فني أو تكتيكي، بل حمل هذا القرار رسالة واضحة مفادها أن إيران، رغم العدوان والضغط، ما زالت تتصرف في إطار المنطق السياسي وتحسباً للسلوك، وأنه إذا التزم الطرف الآخر بتعهداته، فإن إمكانية السيطرة على الأزمة وخفض التوتر قائمة.

وقد كانت هذه الفترة القصيرة فرصة مهمة لأمريكا لإثبات أنها تسعى للخروج من الأزمة لا لتوسيعها، لكن واشنطن لم تستغل هذه الفرصة فحسب، بل بنقضها التفاهم أعادت عملياً تكرار مسارها المعتاد؛ ذلك المسار القائم على الضغط والفرض وإفساد الاتفاقات،

وكانت نتيجة هذا الخيار واضحة، فما إن تراجعت أمريكا عن تعهداتها حتى تلاشت الأجواء النسبية للهدوء، وعاد هرمز إلى بؤرة التوتر. وهكذا، كان على الاقتصاد العالمي مرة أخرى أن يدفع ثمن قرار سياسي اتخذ في واشنطن.

من محطات الوقود في أمريكا إلى موائد شعوب العالم

ربما الأثر الأهم لهذه الأزمة يكمن في أن ضررها يصيب الأمريكيين أنفسهم قبل غيرهم. فكل تصعيد للتوتر في هرمز يضغط فوراً على سوق الطاقة، وسرعان ما يظهر هذا الضغط في أسعار البنزين والنقل والسلع الاستهلاكية ومستوى الأسعار العام في أمريكا.

بالنسبة للشعب الأمريكي، تكتسب هذه الحرب معناها حين ترتفع تكلفة ملء خزان السيارة، وتزداد أسعار السلع اليومية، ويعاود التضخم فرض ضغوط جديدة على الأسر. فمجتمع كان يعاني أصلاً من الغلاء والديون وتكاليف العلاج وأزمة المعيشة، لا يتحمل بطبيعة الحال موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية.

بالطبع، لا يقتصر هذا الوضع على أمريكا وحدها؛ فأوروبا التي ما زالت تعاني من عدم اليقين في مجال الطاقة، والاقتصادات الآسيوية التي تعتمد بشكل كبير على ممر الخليج الفارسي، والكثير من الدول النامية التي تتأثر تضخماً بأدنى قفزة في أسعار الطاقة، جميعها معرضة لتبعات هذه الأزمة.

ببساطة، إغلاق هرمز ليس مجرد تطور بحري؛ فهذا الحدث يمكن أن يتحول بسرعة إلى غلاء وانخفاض في القوة الشرائية وعدم يقين اقتصادي في جميع أنحاء العالم.

وفي خضم ذلك، أصبحت حقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، وهي أن عصر نكث التعهدات دون ثمن قد ولّى. لقد حاولت أمريكا في السنوات الماضية مراراً تجاوز الاتفاقات دون دفع ثمن مناسب، لكن التطورات الأخيرة تظهر أن المعادلة هذه المرة مختلفة، وأن كل قرار عدواني يترك أثره ليس فقط في الميدان، بل أيضاً في الاقتصاد ومعيشة الناس.

من هذا المنظور، يمثل مضيق هرمز بالنسبة لإيران ليس مجرد موقع جغرافي، بل جزء من القوة الاستراتيجية للبلاد، يمكنه في اللحظات الحساسة أن يظهر وزنه الحقيقي في المعادلات الإقليمية والعالمية. لقد أظهرت إعادة فتحه المؤقتة بعد تفاهم إسلام آباد أن إيران ليست أهلاً للسلوك غير المحسوب، لكن عودة الأزمة مجدداً أثبتت أيضاً أنه إذا اختار الطرف الآخر طريق نكث العهود، فإن تبعات ذلك لا تبقى على المستوى السياسي فحسب.

في النهاية، ما يجري اليوم في هرمز هو انعكاس لحقيقة واضحة، وهي أن العالم دفع مرة ثمن إغلاق هذا الممر المائي في حرب الأربعين يوماً، والآن وبسبب نكث أمريكا مجدداً لعهودها، عادت الأزمة ذاتها إلى الحياة.

إذا أصرت واشنطن على مسار نقض التعهدات وتصعيد التوتر، فلن تتضرر المنطقة فقط؛ بل سيدفع شعوب العالم، من الأسواق العالمية إلى موائد الأسر، مرة أخرى ثمن سياسة نشأت من تأجيج ترامب للحروب.

المصدر: وكالة تسنيم

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha