الاثنين 26 أكتوبر 2026 - 22:55
آية الله الأراكيّ يشرح أسس المجتمع الإسلاميّ المنشود: من مشروعيّة الحكومة إلى محوريّة المحبّة

وكالة الحوزة - أكّد آية الله الأراكيّ أنّ المحبّة تمثّل محور العلاقة بين الإمام والأمّة في المجتمع الإسلاميّ المنشود، وأنّ رضا الناس من أبرز سمات هذا المجتمع، موضحًا أنّ قيام الحكومة في الفكر السياسيّ الإسلاميّ يرتبط بإرادة الشعب وحضوره، بينما تستند مشروعيّتها إلى الإرادة الإلهيّة.

وكالة أنباء الحوزة – في كلمةٍ ألقاها يوم الاثنين (26 أكتوبر 2026م) خلال مشاركته في البرنامج التلفزيونيّ "بيان"، أكّد آية الله محسن الأراكيّ، عضو المجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة وعضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة الإيرانيّ، أنّ للمجتمع الإسلاميّ أسسًا تختلف عن أسس سائر المجتمعات، موضحًا: إنّ فهم الفلسفة الاجتماعيّة والسياسيّة للإسلام يقتضي الالتفات إلى أنّ المجتمع يتشكّل بفعل إرادة الإنسان واختياره؛ فمجرّد اجتماع مجموعةٍ من الناس في مكانٍ واحدٍ لا يكفي لتكوين المجتمع، بل إنّ وجود محورٍ حاكمٍ تتجمّع حوله إرادة الأفراد يُعدّ أحد العوامل الأساسيّة في تكوين المجتمع.

وفي معرض تفريقه بين مشروعيّة الحكومة وقدرتها على ممارسة السلطة، أوضح قائلًا: إنّ قيام الحكومة واستمرارها يعتمدان على إرادة الشعب ودعمه، في حين تستمدّ مشروعيّتها من الله تعالى. وللناس دورٌ في إقامة الحكومة، لكنّهم مسؤولون أيضًا عن خياراتهم، وعليهم أن يتّخذوا قراراتهم وفق المعايير والقيم الصحيحة.

وانتقد سماحته الرؤى التي تعدّ القيم مجرّد نتاجٍ للمجتمع، قائلًا: إذا اعتُبرت القيم من صنع المجتمع وحده، فلن يبقى معيارٌ يتجاوز إرادة أصحاب السلطة للتمييز بين الخير والشر، وقد يُفرض ما يقرّره الحكّام وأصحاب النفوذ ويُتقبّل بوصفه قيمةً. أمّا في المنظور الإسلاميّ، فللقيم معايير سابقةٌ على إرادة الإنسان، وينبغي أن تخضع إرادته لهذه المعايير وتلتزم بها.

وأشار إلى نماذج من سلوك القوى العالميّة ودعم بعض الحكومات الغربيّة للإجراءات التي يتّخذها الكيان الصهيونيّ، معتبرًا هذا النهج مثالًا على فرض القيم والمصالح التي تخدم أصحاب السلطة، وقال: في ظلّ هذه الرؤية، قد تتحوّل المصالح والرفاهيّة التي يدّعي الحكّام تحقيقها إلى ذريعةٍ لتبرير ممارساتٍ تلحق الضرر بشعوبٍ أخرى.

الرفاه في المجتمع الإسلاميّ والنظام الرأسماليّ

وتطرّق عضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة الإيرانيّ إلى مكانة الرفاه والعيش الكريم في المجتمع الإسلاميّ المنشود، قائلًا: إنّ الإسلام يولي رفاه الناس أهمّيّةً كبيرةً، غير أنّ مفهوم الرفاه ومعاييره في المنظور الإسلاميّ يختلفان عمّا تتبنّاه بعض الأنظمة الاقتصاديّة والسياسيّة. فمن المنظور الإسلاميّ، ينبغي للحكومة أن تعمل على تحسين المستوى المعيشيّ للناس، بما يفضي إلى القضاء على الفقر وتبعيّة الأفراد للأثرياء، وألّا يُضطرّ أفراد المجتمع إلى الخضوع لموقعٍ أدنى من أجل تأمين احتياجاتهم.

وانتقد سماحته العلاقات السائدة في النظام الرأسماليّ، معتبرًا أنّها تهيّئ الأرضيّة لنشوء علاقاتٍ غير متكافئةٍ، مؤكّدًا: إنّ مجرّد تنظيم تجمّعاتٍ شعبيّةٍ حاشدةٍ في المجتمعات الغربيّة لا يعني بالضرورة أنّها قادرةٌ على التأثير في القرارات السياسيّة.

دور إرادة الشعب في قيام الحكومة

وفي سياق حديثه عن أسس الفلسفة السياسيّة في الإسلام، عدّ آية الله الأراكيّ المشروعيّة والقدرة ركيزتين متمايزتين للحكومة، موضحًا: إنّ المشروعية تحدّد مسؤوليّات الحكومة، في حين تتيح لها القدرة أن تتحقّق وتمارس دورها في الواقع. وبناءً على ذلك، فإنّ تمتّع الحاكم بالمشروعيّة لا يكفي وحده لقيام حكومته في المجتمع، بل لا بدّ من حضور الشعب ودعمه.

واستشهد بكلام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في بيان سبب قبوله تولّي الحكم، مستندًا إلى قوله: «لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر»، موضحًا: إنّ إعلان الناس استعدادهم لمؤازرة الإمام ودعمه يسهم في تحقّق الحكومة، وإن كانت مشروعيّة الإمام لا تتوقّف على تأييد الناس له أو عدم تأييدهم.

ثمّ تناول أساليب الوصول إلى السلطة في الحكومات غير الدينيّة، قائلًا: إنّ خداع الناس أو اللجوء إلى القوّة والتهديد والترهيب من الوسائل التي يستخدمها بعض الحكّام لاستمالة الناس إلى الطاعة والحفاظ على سلطتهم. وقد تُستخدم هذه الأساليب مجتمعةً؛ بحيث تنقاد فئةٌ من المجتمع بفعل الدعاية المضلّلة، فيما تتعرّض فئةٌ أخرى للضغط والتهديد.

وأكّد أنّ الفقه الإسلاميّ يتضمّن منظومةً سياسيّةً متكاملةً، قائلًا: لقد تناولت المصادر الإسلاميّة بدقّةٍ المسائل المتعلّقة بالحكم والمشروعيّة والسلطة والعلاقة بين الحكومة والشعب، غير أنّ الفرصة الكافية لم تُتح بعد لبيان هذه الأسس وتوضيحها في المجتمع، كما أنّ الضجيج الإعلاميّ يحول أحيانًا دون إيصال الحجج والاستدلالات إلى مسامع الناس.

المحبّة؛ محور العلاقة بين الإمام والأمّة

وعاد عضو المجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة إلى الحديث عن المحبّة في المجتمع الإسلاميّ المنشود، معتبرًا إيّاها أساسًا للعلاقة بين الإمام والأمّة، وكذلك للعلاقات بين أفراد المجتمع، وقال: إنّ العلاقة بين الناس والإمام والسلطة في المجتمع الإسلاميّ ينبغي أن تقوم على المحبّة، بما تفضي إليه من رضا الناس ومؤازرتهم، وهي علاقةٌ تختلف في طبيعتها عن بعض أنماط العلاقات السائدة في المجتمعات الأخرى.

واستشهد بالآية 31 من سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، موضحًا: إنّ المحبّة لله في المنطق القرآنيّ تقترن باتّباع الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله). ومن هذا المنطلق، فإنّ محبّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) تجلٍّ من تجلّيات محبّة الله تعالى، وطريقٌ للاقتداء بالقيم الإلهيّة والالتزام بها.

وأشار إلى الروايات الواردة في محبّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) للناس، مبيّنًا: إنّ هذه المحبّة لم تكن من طرفٍ واحدٍ؛ بل كان النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يُولي أصحابه والمؤمنين عنايةً ومحبّةً، وكان يتفقّد أحوالهم أحيانًا للاطمئنان عليهم ومعرفة أوضاعهم.

وأضاف: إنّ محبّة النبيّ الأكرم وأهل بيته (عليهم السلام) ليست مجرّد شعورٍ فرديٍّ، بل يمكن أن تنعكس آثارها في الحياة الاجتماعيّة أيضًا. فالمجتمع الذي تتجذّر فيه محبّة الخير والقيم الإلهيّة يكون أقدر على النموّ وتحمّل المسؤوليّة والإبداع وحسن استثمار الطاقات والقدرات الإنسانيّة.

ضرورة استحضار الأسس الإسلاميّة في رسم السياسات

وفي جانبٍ آخر من حديثه، انتقد آية الله الأراكيّ هيمنة النزعات التكنوقراطيّة والنماذج المستمدّة من العلوم الإنسانيّة الغربيّة على بعض السياسات، قائلًا: إنّ المعرفة في مجال القضايا الاجتماعيّة والعلوم الإنسانيّة لا تنفصل عن القيم والأسس المعرفيّة، وإنّ اختلاف الرؤى بشأن الإنسان والمجتمع ينعكس على النتائج والاستنتاجات العلميّة.

وشدّد على أنّ هذا النقد لا يعني رفض جميع منجزات العلوم الإنسانيّة الغربيّة، موضحًا: إنّ هذه العلوم تتضمّن معارف مفيدةً أيضًا، غير أنّ تمييزها وتقويمها يقتضيان دراسةً دقيقةً لأسسها ومعاييرها. وينبغي للمجتمع الإسلاميّ أن يستند في سياساته إلى المعرفة القائمة على الاستدلال والأسس العقليّة والتعاليم الدينيّة.

وفي ختام حديثه، شدّد على ضرورة إعادة النظر في أسس المجتمع الإسلاميّ المنشود، مؤكّدًا أنّ المحبّة ورضا الناس والمشروعيّة الإلهيّة، إلى جانب مسؤوليّة الحكومة عن توفير الرفاه والعيش الكريم، تمثّل محاور أساسيّةً ينبغي أخذها في الحسبان عند دراسة النظام السياسيّ في الإسلام.

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرر: أمين فتحيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha