وكالة أنباء الحوزة - في كلمةٍ ألقاها مساء الأربعاء (21 أكتوبر 2026م) خلال درسٍ أخلاقيٍّ بحضور عددٍ من الفضلاء وطلّاب العلوم الدينيّة في حوزة قم العلميّة، أكّد آية الله جواد المرويّ، الأمين الثاني للمجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة، أنّ الاهتمام بالمعارف الفاطميّة، مع اقتراب أيّام ذكرى استشهاد الصدّيقة الطاهرة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، أمرٌ بالغ الأهمّيّة، ويُعدّ من واجبات طلّاب العلوم الدينيّة والحوزويّين.
الاهتمام بالمعارف الفاطميّة؛ واجبٌ جليلٌ مع اقتراب ذكرى استشهاد السيّدة الزهراء (عليها السلام)
وشدّد آية الله المرويّ على ضرورة الاهتمام بالمعارف الفاطميّة، قائلًا: يقول العلّامة السيّد عبد الحسين شرف الدين في خصوص الخطبتين للسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)؛ وهما الخطبة المعروفة بـ "الخطبة الفدكيّة" والخطبة التي تبدأ بـ «أصْبَحَتُ واللهِ عَائِفَةً لِدُنْياكُم، قَالِيَةً لِرِجَالِكُم..»: «وخطبتاها في ذلك سائرتان، وكان أهل البيت يلزمون أولادهم بحفظهما كما يلزمونهم بحفظ القرآن» (شرف الدين الموسويّ، المراجعات، 1: 498)؛ وهذا يدلّ على أنّ أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يولون حفظ هاتين الخطبتين للصدّيقة الطاهرة (عليها السلام) مكانةً تضاهي منزلة مكانة القرآن الكريم.
وأضاف: لذلك، إذا كنّا ننشد البركة في علومنا الإسلاميّة والدينيّة، فإنّ منطلقًا من منطلقات هذا المسار هو الاهتمام بهذه المعارف نفسها، وبخطبتَي السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام). فلنولِ هاتين الخطبتين عنايةً خاصّةً في الأيّام الفاطميّة، ولنقرأهما وندرسهما، ونعرّف الآخرين بهما، ليتسنّى لهم أيضًا الانتفاع بما تنطويان عليه من حقائق ساميةٍ.
الخطوة الأولى في التكامل المعنويّ؛ معرفة المحرّمات واجتنابها
واعتبر الأمين الثاني للمجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة أنّ الخطوة الأولى للاهتمام بالنفس وإعادة بنائها هي "الورع عن محارم الله"، وأوضح قائلًا: إنّ اجتناب المحرّمات الإلهيّة يمثّل أهمّ خطوةٍ وأبرز مرتكزٍ في مسيرة التكامل المعنويّ للإنسان. ومن المقدّمات الأساسيّة لاجتناب المحرّمات معرفة المحرّمات نفسها، وإدراك الأضرار والآثار المترتّبة على ارتكابها.
وأضاف: إنّنا لا ندرك مخاطر المحرّمات، ولا نعرف ما يترتّب على ارتكابها من أضرارٍ وعواقب. فالغيبة، على سبيل المثال، لها أضرارٌ بالغةٌ، ولذلك ينبغي لنا أن نتحلّى باليقظة والحذر في جلسات المباحثة، وألّا نغفل عن اجتنابها.
القرآن الكريم؛ الحبل الإلهي الواصل بين الإنسان وربّه
ولفت عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة إلى أنّ معرفة الأضرار التي تلحق بالنفس جرّاء الذنوب تهيّئ الأرضيّة لاجتنابها، بوصفه المرحلة الأولى في مسيرة التكامل النفسيّ للإنسان.
وأضاف: أنّ من الأمور التي نغفل عنها الاهتمام بالقرآن الكريم والاغتراف من معين معارفه.
الأنس بأدعية أهل البيت (عليهم السلام)؛ كنزٌ فريدٌ للسلوك المعنويّ
وشدّد آية الله المرويّ على أهمّيّة الاهتمام بأدعية أهل البيت (عليهم السلام) والتشرّب بمعانيها، قائلًا: إنّ أعظم ما خلّفه أهل البيت من تراث هو أدعيتهم.
وأضاف: إنّ الشيعة يمتلكون كنزًا لا نظير له في العالم، غير أنّنا غافلون عن هذا الميراث العظيم.
دعاء أبي حمزة الثماليّ وأثره في التحوّل الباطنيّ؛ ذكرى عن آية الله العظمى الميلانيّ
ونقل الأمين الثاني للمجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة ذکرى عن آية الله العظمى الميلانيّ، قائلًا: كان آية الله العظمى السيّد محمّد هادي الميلانيّ شخصيّةً علميّةً رفيعةً؛ حيث عندما سُئل آية الله الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ، المعروف بالكُمبانيّ، عن أعلم تلامذته، ذكر اسم السيّد محمّد هاديّ الميلانيّ، في حينٍ كان آنذاك آية الله السيّد أبو القاسم الخوئيّ يحضر دروسه أيضًا.
وأضاف: مرض آية الله الميلانيّ ذات يومٍ، فنُقل إلى مستشفى الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد، حيث أُدخل لتلقّي العلاج. وكان الطبيب البروفيسور بلون على رأس الفريق الذي أجرى له العمليّة الجراحيّة، التي استغرقت نحو ثلاث إلى أربع ساعاتٍ. وبعد انتهاء العمليّة، خرج أفراد الفريق الطبيّ من غرفة العمليّات. فتوقّف البروفيسور وطلب إحضار مترجمٍ، وحين حضر المترجم، قال له: «عندما يبدأ هذا الرجل باستعادة وعيه، ترجم لي كلّ كلمةٍ يتفوّه بها.
وتابع: بدأ آية الله الميلانيّ يستعيد وعيه تدريجيًّا، وأخذ يتلو دعاء أبي حمزة الثماليّ، فكان يقرأ فقراتٍ منه، فيما يترجم أحد الحاضرين معانيها من العربية إلى الفارسية للبروفيسور. وبعد أن استعاد آية الله الميلانيّ وعيه، التفت البروفيسور إلى الحاضرين وقال: «علّموني العبارة التي تُقال للدخول في الإسلام؛ فأنا أريد أن أُسلم». وحين سأله الحاضرون عن سبب رغبته في اعتناق الإسلام، أجابهم قائلًا: «إنّ الإنسان قد يتمكّن من التظاهر وإخفاء ما في داخله في مراحل مختلفةٍ من حياته، لكنّه لا يستطيع التصنّع أو التمثيل في اللحظات التي يستعيد فيها وعيه بعد التخدير؛ بل يطفو على لسانه كلّ ما يختزنه باطنه. فأنا أجريتُ قبل مدّةٍ عمليّةً جراحيّةً لأسقفٍ كانتربيري في إنجلترا، وعندما بدأ يستعيد وعيه، أصغيت إليه، فإذا به يردّد الأغنية نفسها التي كان الشباب يتغنّون بها آنذاك في الأزقّة والأسواق. فأدركتُ أنّه من أولئك الذين يُظهرون للناس خلاف ما يبطنون، فإذا خلوا بأنفسهم أتوا ما لا يُظهرونه في العلن. أمّا عالمكم هذا، فقد أجريتُ له عمليّةً جراحيّةً، وها أنا أسمعه الآن يتلفّظ بعباراتٍ تكشف أنّ جميع خلايا جسده مفعمةٌ بالمعنويّة. فالدين الذي يستطيع أن ينشئ إنسانًا بهذه الروح، هو دينٌ جديرٌ بأن يعتنقه المرء». وهكذا، أسلم البروفيسور بلون واعتنق المذهب الشيعيّ. وبعد وفاته، فُتحت وصيّته، فإذا به قد كتب فيها: «أنا مسلمٌ شيعيّ؛ فغسّلوني وكفّنوني وفقًا لتعاليم المذهب الشيعيّ، وادفنوني في المدينة التي دُفن فيها السيّد محمّد هادي الميلانيّ».
وأضاف: يقع قبر البروفيسور بلون في مشهد، في مقبرة خواجه ربيع، خلف مرقد ربيع بن خُثَيم. وهذه بعض آثار أدعية أهل البيت (عليهم السلام) وخصائصها. فلنتعرّف أكثر إلى أدعيتهم المباركة، ولننهل من هذا الكنز العظيم ونستفد من معارفه وذخائره.
الاستيقاظ في السحر؛ وصيّةٌ أكّدها كبار العلماء لنيل المقامات المعنويّة
وقال آية الله المرويّ: كان كبار العلماء يوصوننا بالاستيقاظ في السحر، بل كانوا يلجؤون أحيانًا إلى عباراتٍ شديدة التأكيد على أهمّيّة هذه المسألة، ليحثّونا على تعويد أنفسنا على الاستيقاظ في أوقات السحر. فلا ينبغي أن تتحوّل بعض هذه الوصايا في أذهاننا إلى مجرّد حكاياتٍ تُروى وقصصٍ تُحكى؛ فإذا أردنا العلم والفهم، ونماء الذهن وصقل المواهب والاستعدادات، فعلينا أن نلتمس ذلك في يقظة السحر، وأن نجعل الاستيقاظ في تلك الساعات من عاداتنا الراسخة.
الرسالة الاجتماعيّة لرجال الدين؛ مواكبة الشعب والدفاع عن ولاية الفقيه
وأكّد آية الله المرويّ قائلًا: إلى جانب هذه المباحث، ينبغي ألّا نغفل عن المسؤوليّة الاجتماعيّة الملقاة اليوم على عاتق الحوزات العلميّة ورجال الدين. فلا يجوز أن نتخلّف عن أبناء الشعب الذين نزلوا إلى الميدان لأداء واجبهم. وعلينا أن نولي رسالتنا الاجتماعيّة الراهنة ما تستحقّه من اهتمامٍ، وألّا نسمح بأن تُنسى أو تُهمل. ومن واجباتنا أن ندافع بكلّ قوّةٍ عن ولاية الفقيه؛ لقد رأيتم، ورأينا نحن أيضًا، أنّ الإكسير والعامل الذي حصّن هذا البلد في مواجهة مختلف الهجمات التي تعرّض لها من أنحاء العالم، إنّما هو ولاية الفقيه؛ فولاية الفقيه هي العمود الذي تقوم عليه خيمة الثورة الإسلاميّة.
وتابع مؤكّدًا: إنّ طاعة الوليّ الفقيه، قائد الثورة الإسلاميّة سماحة آية الله السيّد مجتبى الحسينيّ الخامنئيّ، واجبٌ يقع اليوم على عاتق كلّ واحدٍ منّا، كما أنّ الحضور في الميدان إلى جانب أبناء الشعب ومواكبتهم من واجباتنا أيضًا. فلا ينبغي أن يبادر الناس إلى الميدان لأداء واجبهم ويسبقوا رجال الدين في أداء هذه المسؤوليّة. وهذه مسألةٌ نرجو، إن شاء الله، أن تولوها ما تستحقّه من اهتمامٍ.
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرّر: حسن رحماني
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك