وكالة أنباء الحوزة - في كلمةٍ ألقاها يوم الأحد (18 أكتوبر 2026م) خلال لقائه عددًا من أعضاء مجلس تنسيق المقرّ الرئيس للتجمّعات الليليّة، تطرّق آية الله عليرضا الأعرافيّ، مدير الحوزات العلمية الإيرانيّة، إلى الجهود التي بذلها الأشخاص الذين تولّوا، خلال الأشهر الماضية وفي أصعب الظروف التي مرّت بها البلاد، قيادة الحضور الشعبيّ في الساحة، معربًا عن تقديره لهم، ومعتبرًا هذه المبادرة مصدر فخرٍ كبيرٍ.
وأحيا سماحته ذكرى الأنبياء والأولياء الإلهيّين والشهداء الأبرار، ولا سيّما القائد الشهيد الإمام الخامنئيّ (رضوان الله تعالى عليه)، سائلًا الله تعالى أن يمنّ بنصره وعنايته الخاصّة على الأمّة الإسلاميّة والشعب الإيرانيّ والثورة الإسلاميّة ومحور المقاومة والقوّات المسلّحة والقيادة وجميع القائمين على شؤون التجمّعات الشعبيّة.
الحرب الأخيرة؛ محطةٌ تاريخيّةٌ ستظلّ موضوعًا لتحليلات مفكّري العالم لسنواتٍ طويلةٍ
وأشار آية الله الأعرافيّ إلى أنّه طرح خلال الأشهر السبعة أو الثمانية الماضية أفكارًا وتحليلاتٍ عديدةً في خطاباته في قم وغيرها من التجمّعات، كما تطرّق إلى زياراته الخارجيّة خلال العامين الماضيين، مستذكرًا مشاركته في ماليزيا عقب حرب الاثني عشر يومًا، واتصالاته الواسعة بالوفود الأجنبيّة بعد تشييع القائد الشهيد (رضوان الله تعالى عليه). وأضاف قائلًا: خلال تلك المرحلة، شارك أكثر من 200 وفدٍ أجنبيٍّ من مختلف أنحاء العالم، واستمرّت اللقاءات والاتصالات مع الجهات الخارجيّة بصورةٍ شبه أسبوعيّةٍ، وحتّى في أصعب الظروف، حين لم يكن هناك مقرٌّ ثابتٌ للاستقرار، لم تنقطع هذه الاتصالات.
وخاطب الحاضرين مشيدًا ببصيرتهم وفهمهم للظروف، قائلًا: لقد تصدّرتم هذه الحركة العظيمة بفضل فهمكم وتحليلكم الصحيح، وتولّيتم مسؤوليّة قيادة الحضور الشعبيّ في الساحة. وإنّ ما شهدته الحرب الأخيرة أفرز نموذجًا ينبغي للخبراء والمفكّرين في العالم دراسته لسنواتٍ وعقودٍ من زوايا عسكريّةٍ وأمنيّةٍ وسياسيّةٍ واجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ مختلفةٍ.
الدفاع المقدّس الذي استمرّ ثماني سنواتٍ؛ تجربةٌ راسخةٌ في تاريخ إيران والعالم
وأشار عضو فقهاء مجلس صيانة الدستور الإيرانيّ إلى مكانة الدفاع المقدّس الذي استمرّ ثماني سنواتٍ (خلال الحرب المفروضة التي شنّها نظام صدّام حسين على إيران بين عامي 1980 و1988م) في التحوّلات التي شهدتها إيران والمنطقة، معتبرًا هذه التجربة إحدى المحطّات المحوريّة في مسيرة التحوّل داخل البلاد، وقال: على الرغم من مرور سنواتٍ طويلةٍ على الدفاع المقدّس، لا تزال هذه التجربة موضع تحليلٍ ودراسةٍ في العالم، وهي من مختلف الزوايا ظاهرةٌ متميّزةٌ في تاريخ السياسة والتحوّلات الاجتماعيّة.
واستذكر الأيّام الأخيرة من تلك الحرب المفروضة التي استمرّت ثماني سنواتٍ، وصدور بيان الإمام الخمينيّ (قدّس الله سرّه) بشأن قبول قرار وقف إطلاق النار، قائلًا: إنّ تأكيد الإمام الخمينيّ في ذلك البيان والبيانات اللاحقة على بقاء الدفاع المقدّس مشعلًا للهداية، يمثّل حقيقةً تاريخيّةً ثابتةً. وقد رأيتُ في مناطق مختلفةٍ من العالم أنّ الشعوب والمفكّرين يبدون دهشتهم إزاء صمود الشعب الإيرانيّ طوال ثماني سنواتٍ من الحرب، رغم ما اكتنفها من مشقّاتٍ وتكاليف باهظةٍ.
وشدّد على أنّ الدفاع المقدّس لا يزال مصدرًا للتحوّل والإلهام في العالم، موضحًا: إنّ صمود شعبٍ في مواجهة الضغوط والمشاقّ الممتدّة ليس تجربةً تنتهي بانتهاء الحرب، بل تظلّ آثارها حاضرةً لدى الأجيال اللاحقة وفي التحليلات السياسيّة والعسكريّة والثقافيّة والاجتماعيّة.
انتفاضة 15 خرداد 1342 ه.ش (5 يونيو عام 1963م)؛ المحطّة المفصليّة الأولى
واستعرض آية الله الأعرافيّ تحوّلات أكثر من نصف قرنٍ، محدّدًا أربع محطّاتٍ بوصفها مفاصل تاريخيّةً بارزةً في مسار نهضة الإمام الخمينيّ (قدّس الله سرّه) والثورة الإسلاميّة، وقال: إذا أردنا تحليل تحوّلات هذا النصف من القرن، فعلينا الالتفات إلى عددٍ من المنعطفات التي غيّر كلٌّ منها مسار تاريخ إيران والمنطقة.
واعتبر أنّ انتفاضة الخامس عشر من خرداد عام 1342 هـ.ش (5 يونيو 1963م) كانت المحطّة الأولى، قائلًا: في ذلك الوقت، كانت النظرة المادّيّة والثقافة الغربيّة تهيمنان على العالم، وكانت تحليلاتٌ كثيرةٌ تتحدّث عن نهاية عصر الإسلام وسيطرة الثقافة المادّيّة سيطرةً كاملةً على أذهان البشر وأفكارهم وحياتهم. وفي مثل هذا المناخ، أحدثت نهضة الإمام الخمينيّ (قدّس الله سرّه) هزّةً قويةً في بنية النزعة المادّيّة السائدة في العالم.
واستذكر أجواء السنوات الأولى للنهضة عام 1342 هـ.ش، مضيفًا: كنّا آنذاك فتيانًا نعيش في قم. وعلى الرغم من أنّنا لم نشهد انتفاضة الخامس عشر من خرداد بصورةٍ مباشرةٍ، فإنّنا عاينّا امتداداتها. ففي تلك الفترة، كانت نظريّاتٌ وتحليلاتٌ كثيرةٌ شائعةٌ في العالم تؤكّد أفول دور الدين وهيمنة الثقافة الغربيّة والمادّيّة.
وتابع قائلًا: لقد هزّت العالم صرخة الإمام الخمينيّ (قدّس الله سرّه) في مدرسة الفيضيّة والمسجد الأعظم (في مدينة قم)، وانتفاضة نساء الشعب الإيرانيّ ورجاله الشجعان في وجه الأجواء القاتمة السائدة؛ على الرغم من أنّ كثيرين لم يفهموا آنذاك مغزى هذه الحركة، فسخروا منها أو اعتقدوا أنّها لن تفضي إلى أيّ نتيجةٍ.
ولفت إلى المعارضات والإدانات الواسعة التي واجهتها هذه الحركة آنذاك من جانب قوى وتيّاراتٍ عالميّةٍ مختلفةٍ، موضحًا: لقد زعم كثيرون أنّها حركةٌ عابرةٌ سرعان ما ستخبو، لكنّ الوقائع التاريخيّة سلكت مسارًا آخر؛ إذ خُلّدت تلك الصرخة والانتفاضة في التاريخ وأثّرت في العالم.
وأشار إلى صعوبات مرحلة النضال، قائلًا: استغرق الانتقال من تلك المرحلة إلى المرحلة التالية نحو 16 عامًا؛ وهي سنواتٌ شهدت السجن والنفي والمعاناة والشهادة. وقد قضى كثيرون نحبهم في غربةٍ قاسيةٍ، لكنّهم ظلّوا أوفياء للراية التي رفعها الإمام (قدّس الله سرّه).
وشدّد على الدور المحوريّ الذي اضطلع به الشعب في انتصار النهضة، قائلًا: إنّ الدور الأساسيّ في هذا التحوّل التاريخيّ يعود إلى الشعب الإيرانيّ. فلو أطلق الإمام (قدّس الله سرّه) صرخته آلاف المرّات، من دون أن يلتفّ الشعب حوله، فكيف كان لهذه الحركة أن تبلغ غايتها؟ لقد شهد التاريخ قادةً كبارًا أرادوا إحداث تحوّلٍ، لكنّهم أخفقوا في تحقيق أهدافهم بسبب غياب التأييد الشعبيّ.
وأضاف: لقد انطلقت بداية هذا التحوّل الحضاريّ من التفاف النساء والرجال والشباب الذين أدركوا، في عام 1342 هـ.ش نفسه، ضرورة النزول إلى الساحة والسير على نهج الإمام الخمينيّ (قدّس الله سرّه). وبهذا الحضور، فتح الشعب الإيرانيّ صفحةً جديدةً في التاريخ المعاصر، وأرسى دعائم حركةٍ حضاريّةٍ جديدةٍ ومبتكرةٍ.
انتصار الثورة الإسلاميّة؛ المحطّة المفصليّة الثانية
واعتبر آية الله الأعرافيّ انتصار الثورة الإسلاميّة في 22 بهمن 1357 هـ.ش (11 فبراير 1979م) المحطّة المفصليّة الثانية، وقال: كان انتصار الثورة الإسلاميّة حدثًا مدهشًا داخل البلاد وخارجها، ولم يكن كثيرون يعتقدون أنّ نهضة الإمام الخمينيّ (قدّس الله سرّه) ستبلغ هذه النتيجة.
وأشار إلى ذكرياته عن المسيرات التي شهدها عام 1357 هـ.ش، قائلًا: حتّى في تلك المرحلة، كان بعض الأشخاص يشاركون في المسيرات، لكنّهم يعتقدون أنّ حركة الإمام (قدّس الله سرّه) لن تبلغ غايتها، وأنّ النضال سينتهي في نهاية المطاف إلى أعمال حرب العصابات. غير أنّ الإمام الخمينيّ (قدّس الله سرّه) كان يعرف الشعب، ويستند إلى قوّته الشعبيّة الهائلة والعميقة التي لا تنضب.
واستذكر أيام 20 و21 و22 بهمن عام 1357 هـ.ش، قائلًا: كنتُ في طهران خلال تلك الأيّام، وشاهدتُ عن كثبٍ المسيرات والتطوّرات التي شهدتها البلاد. وقد تجلّى مشهدٌ مهيبٌ على نحوٍ خاصٍّ بعد ظهر يوم 21 بهمن، عقب رسالة الإمام التي دعا فيها الشعب إلى النزول إلى الشوارع.
وأضاف: في وقتٍ كانت فيه قراراتٌ وخططٌ تُتّخذ لإبقاء الشوارع خاليةً، امتلأت شوارع طهران بالجماهير عقب رسالة الإمام (قدّس الله سرّه). فتبدّدت الخطط والحسابات التي بُنيت على غياب الشعب عن الساحة. وقد شكّل هذا الحضور إحدى المحطّات الكبرى والاستثنائيّة في تاريخ الثورة الإسلاميّة.
نهاية الحرب المفروضة؛ المحطّة المفصليّة الثالثة رغم مرارتها وصعوباتها
واعتبر آية الله الأعرافيّ أنّ انتهاء الحرب المفروضة وقبول قرار وقف إطلاق النار يشكّلان المحطّة التاريخيّة الثالثة، قائلًا: لقد رافقت هذه المرحلة مرارةٌ وصعوباتٌ، لكنّها انطوت في جوهرها على انتصاراتٍ كبرى أسهمت في صياغة تجربة الدفاع المقدّس وتركت آثارًا راسخةً.
وشدّد على أنّه لا ينبغي تقييم هذه المرحلة من زاوية صعوبات نهاية الحرب فحسب، مضيفًا: إنّ تجربة الدفاع المقدّس الممتدّ لثماني سنواتٍ، وصمود الشعب الإيرانيّ ومكتسبات تلك المرحلة، تمثّل جزءًا من الرصيد التاريخيّ للثورة الإسلاميّة، ولا تزال آثارها واضحةً في تحوّلات إيران والمنطقة.
الحرب المفروضة الأخيرة؛ المحطّة المفصليّة الرابعة ومرحلةٌ مختلفةٌ في تاريخ الثورة الإسلاميّة
واعتبر آية الله الأعرافيّ حرب الاثني عشر يومًا والحرب التي استمرّت أربعين يومًا المحطّة المفصليّة الرابعة في تاريخ الثورة الإسلاميّة، وقال: إنّ هذه المرحلة تحتلّ مكانةً تختلف عن سائر مراحل النهضة والثورة الإسلاميّة، سواءٌ في تاريخ النهضة الممتدّ لأكثر من 60 عامًا، أم في العقود الأربعة التي أعقبت انتصار الثورة.
وعدّ طرفَي هذه المواجهة إرادة العدوّ ومقاومة الشعب الإيرانيّ، موضحًا: إنّ ما يميّز هذه المرحلة يرتبط من جهةٍ بالإرادة التي امتلكها العدوّ ولا يزال يمتلكها، ومن جهةٍ أخرى بالمقاومة التي أبداها الشعب الإيرانيّ في مواجهته. وما شهدته هذه المرحلة يختلف اختلافًا جوهريًّا عن التجارب السابقة.
وأشار إلى تقييماته للتطورات التي أعقبت عمليّة طوفان الأقصى واستشهاد إسماعيل هنيّة، قائلًا: في البداية، لم أكن أقدّر أبعاد الموجة التي كانت تتشكّل آنذاك بهذا القدر من الجدّيّة؛ لكنّني أكّدت مرارًا بعد ذلك، خلال اجتماعاتٍ مختلفةٍ، ومنها اجتماعات مجلس المعاونين، أنّ هناك موجةٌ يجري التخطيط لها والمضيّ بها، وأنّها تختلف عن جميع الموجات السابقة.
وأضاف: لقد أكّدتُ هذا التقييم في مناسباتٍ عدّةٍ، موضحًا أنّ ما ميّز هذه الموجة هو تضافر إرادة القوى الكبرى في العالم مع صمت بعض الأطراف الأخرى ومساندتها، في توجّهٍ يستهدف إيران والثورة الإسلاميّة بالدرجة الأولى. ومن هنا، فلا يمكن مقارنة هذه المرحلة بالمراحل السابقة، كما لا ينبغي الاعتقاد بأنّ العدوّ سيكتفي بتحقيق أهدافٍ محدودةٍ وعابرةٍ.
استهداف إيران؛ أبعد من الخلافات الظاهريّة بين القوى العالميّة
وأشاد مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة مجدّدًا بحضور الشعب الإيرانيّ في التجمّعات الليليّة، مؤكّدًا: إنّكم تحملون راية جانبٍ من المقاومة الشاملة والواسعة والحضاريّة للشعب الإيرانيّ في مواجهة هجمةٍ لا مثيل لها في التاريخ المعاصر. وتتّضح قيمة هذا العمل أكثر حين نأخذ في الحسبان أبعاد المواجهة واتساع نطاق القوى المشاركة فيها.
وأشار إلى بعض الخلافات السياسيّة بين الديمقراطيّين والجمهوريّين في الولايات المتّحدة، وتباين وجهات النظر بين الدول الأوروبية وحلفائها الإقليميّين، قائلًا: لا يمكن إنكار وجود بعض الاختلافات في وجهات النظر بين هذه التيّارات والدول، غير أنّها تتلاقى إلى حدٍّ كبيرٍ في جوهر السياسة التي جرى التخطيط لها خلال العامين أو الأعوام الثلاثة الماضية، وهم جميعًا متّفقون عليها. وهذه حقيقةٌ ينبغي أخذها في الحسبان عند تحليل المشهد العالميّ.
كما أشار إلى التقارير والرسائل التي كانت بعض الدول ترسلها إلى إيران خلال الأسابيع الأولى من الحرب، قائلًا: منذ الأيّام الأولى، كنّا نتلقّى تقارير ورسائل من الأجهزة الاستخباراتيّة وأطرافٍ مختلفةٍ، من روسيا إلى باكستان وبعض الدول الأخرى. وكان كثيرٌ من هذه الرسائل يحمل نبرةً مشفقةً، فيما اقترح بعضها إيجاد مخرجٍ لإنهاء هذا الوضع؛ إذ كان أصحابها يعتقدون أنّ إيران لن تستطيع الصمود أمام هذا الهجوم شهرًا واحدًا، بأيّ حالٍ من الأحوال.
وتابع موضحًا: كانت بعض هذه الدول تقول لنا في رسائلها إنّ الأمريكيين شديدو القسوة، ولم يكن ينبغي لكم أن تدعوا الأمور تصل إلى هذا الحدّ. فبعض هذه الرسائل كان صادقًا، فيما كان بعضها الآخر مجرّد مواقف شكليّةٍ، لكنّ كثيرًا من الدول، إجمالًا، لم تكن تتوقّع خلال الأسابيع الأولى أن تتمكّن إيران من الصمود أمام مثل هذا الضغط. وكانت بعض هذه الدول تقول: إذا كان بوسعنا أن نقدّم لكم أيّ مساعدةٍ، فنحن على استعدادٍ لذلك، في حينٍ شدّد آخرون على ضرورة إيجاد مخرجٍ للأزمة واحتواء تداعياتها.
وأوضح أنّ هذه التقييمات تعكس تصوّر كثيرٍ من الأطراف الدوليّة لقدرة إيران على المقاومة، قائلًا: إنّ ما حدث عمليًا كان حدثًا أكبر بكثيرٍ ممّا شهدناه في الماضي؛ فهي تأتي امتدادًا للتجارب التاريخيّة المفصليّة السابقة، لكنها تختلف عنها من جوانب عدّةٍ، إذ دخلت القوى العالميّة الكبرى الميدان في هذه المرحلة.
ولفت إلى زيارات الوفود السياسيّة والدبلوماسيّة القادمة من دول المنطقة، ومنها الإمارات والسعوديّة، مؤكّدًا: إنّ للدبلوماسيّة مكانتها ودورها، وعليها أن تؤدي مهامّها؛ لكن ينبغي، إلى جانب التحرّكات الظاهريّة والخلافات التي تظهر في مواقف الدول، الالتفات أيضًا إلى الأهداف والحسابات التي تُدار خلف الكواليس.
وشدّد على أنّ تبادل الآراء والمحادثات الدبلوماسيّة لا يمثّلان سوى الجانب الظاهر من المشهد، بينما يتّفق جميع الأطراف، في الكواليس، على ضرورة توجيه ضربةٍ إلى خطاب الثورة الإسلاميّة وأضاف مؤكّدًا: إنّ المسألة الأساسيّة عند تحليل هذا المشهد هي تحديد الهدف الذي يُسعى إليه وراء المواقف الدبلوماسيّة الظاهريّة؛ فالهدف المشترك يتمثّل في ضرب خطاب الثورة الإسلاميّة والنيل من عظمة الشعب الإيرانيّ وإن اختلفت الأطراف في الأساليب التي تنتهجها لتحقيق هذا الهدف.
وتابع: في الظروف الراهنة، لا ينبغي الشعور بالاطمئنان أو الاعتقاد بأنّ التهديدات قد زالت وانتهت. فكما أكّد قائد الثورة الإسلاميّة، ورغم الإنجازات الكبرى التي تحقّقت، لا بدّ من أن يظلّ الجميع في الميدان، وأن يواصلوا الاضطلاع بمسؤوليّاتهم. إنّ ما أنجزه الشعب الإيرانيّ عظيمٌ إلى حدٍّ أنّه لو تعرّضنا، لا سمح الله، للهزيمة في هذه المرحلة، فسيسجّل التاريخ أنّ شعبًا صمد عامين في وجه أعظم موجات الضغط الدوليّ والقوى العالميّة وحافظ على تماسكه. لكنّنا نأمل، بفضل الله تعالى، ألّا يحدث ذلك، وأن يستمرّ مسار العزّة والعظمة في البلاد.
ردود فعل الوفود الأجنبيّة على الحضور الشعبيّ؛ مشهدٌ لم يكن كثيرون يتصوّرونه
وأشار مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة إلى مشاركة وفودٍ أجنبيّةٍ في مراسم تشييع جثمان القائد الشهيد (رضوان الله تعالى عليه)، مستذكرًا لقاءاته بعددٍ كبيرٍ من الشخصيّات الأجنبيّة، وقال: في تلك المرحلة، التقيتُ نحو مئة شخصيّةٍ قدمت من بلدانٍ مختلفةٍ. ولم يكن كثيرون منهم قادرين على تحليل ما كانوا يشاهدونه في إيران وفهم أبعاده.
وأضاف: لقد أبدى بعض العلماء البارزين من أفريقيا ومناطق أخرى، ممّن قدموا إلى طهران وقم، دهشتهم لدى مشاهدتهم سير الحياة اليوميّة بصورةٍ طبيعيّةٍ واستمرار حضور الناس في الساحة. فلم يكن من السهل عليهم تصوّر أن تستمرّ الحياة على هذا النحو بعد تلك الأحداث، وأن يظلّ الشعب حاضرًا في الساحة ومستمرًّا في أداء دوره.
وعدّ هذه الردود دليلًا على اتساع صدى التطوّرات الإيرانيّة في العالم، قائلًا: إنّ الواقع الذي تبلور في إيران كان عصيًّا على الوصف والتحليل لدى بعض المراقبين الأجانب. فقد كانت توقّعاتهم مختلفةً، لكنّهم واجهوا واقعًا لا ينسجم مع حساباتهم وتصوّراتهم السابقة.
وأشار إلى مشاركته في مؤتمر ماليزيا الذي انعقد بحضور ممثّلين عن أكثر من 100 دولةٍ وشخصيّاتٍ تنتمي إلى دياناتٍ مختلفةٍ، وقال: عُقد المؤتمر بمبادرةٍ من رئيس الوزراء الماليزيّ، وتولّت مؤسّساتٌ مرتبطةٌ بالسعوديّة دعمه، ولكن إيران هي التي كانت محور الاهتمام خلال الجلسات.
وأضاف: على الرغم من أنّ جهةً أخرى تكفّلت بتغطية نفقات المؤتمر، فقد تكرّر ذكر اسم إيران ومواقف الوفد الإيرانيّ خلال الجلسات، كما طلبت شخصيّاتٌ مختلفةٌ لقاء الوفد الإيرانيّ لإجراء مباحثاتٍ معه. وهذا يدلّ على أنّ مكانة إيران في المعادلات الفكريّة والسياسيّة العالميّة لا تتوقّف على الإمكانات الماليّة أو استضافة حدثٍ ما.
وأشار إلى حواراته مع بعض الشخصيّات المشاركة في ذلك المؤتمر، قائلًا: حتّى الشخصيّات التي كانت تعمل في إطار السياسات الرسميّة لبلدانها، أبدت في سلوكها وحديثها اهتمامًا بمكانة إيران والتشيّع. وتظهر هذه التجارب أنّه قد تحقّق رصيدٌ مهمٌّ لإيران على الساحة العالميّة، وهو رصيدٌ يتطلّب التخطيط وإطلاق مبادراتٍ جديدةٍ من أجل استثماره على النحو الصحيح.
وتابع مؤكّدًا: تنفق الدول اليوم مبالغ طائلةً لكي يُذاع صيتها وتحظى بالاهتمام، لكنّ إيران أصبحت اليوم في صدارة الاهتمام العالميّ. فإنّ هذه المكانة تمثّل رصيدًا ينبغي إدراك قيمته والحفاظ عليه، والعمل، من خلال التخطيط المناسب، على تحويله إلى إمكاناتٍ راسخةٍ ومستدامةٍ.
التجمّعات الليليّة؛ حلقةٌ في سلسلةٍ عالميّةٍ لعزّة إيران والثورة الإسلاميّة
وأكّد عضو فقهاء مجلس صيانة الدستور الإيرانيّ مكانة التجمّعات الليليّة في التطوّرات الأخيرة، قائلًا: إنّ تجمّعكم الليليّ ليس حركةً محدودةً ومعزولةً، بل هو حلقةٌ في سلسلةٍ كبرى تسهم في تعزيز مكانة الإسلام وإيران والثورة الإسلاميّة في العالم، وترسيخ عزّة الشعب الإيرانيّ وعظمته.
وأضاف: ينبغي أن تحظى هذه السلسلة بالاهتمام كلّ ليلةٍ، وألّا يُسمح لأيّ عاملٍ بأن ينال منها أو يضعفها. ومن الحقائق الجديدة التي كشفت عنها التطوّرات الأخيرة أنّ القوّة الاجتماعيّة والوطنيّة تنبع من هذه التجمّعات نفسها ومن حضور الناس في الشوارع.
وأشار إلى أهمّيّة القدرات الصاروخيّة والقوّات المسلّحة والحرس الثوريّ الإسلاميّ والإجراءات العسكريّة والأمنيّة التي تتّخذها البلاد، وقال: إنّ جميع هذه الإمكانات تحظى بأهمّيّةٍ بالغةٍ، لكن لو لم ينزل الشعب، بوصفه المصدر المولّد للقوّة، إلى الميدان ويشارك فيه بفاعليّةٍ، لما استطاعت الإمكانات الأخرى أن تؤدّي دورها بالشكل نفسه وبالمستوى ذاته من التأثير.
وتطرّق إلى استشهاد قائد الثورة الإسلاميّة الإمام الخامنئيّ (رضوان الله تعالى عليه) والضربات التي طالت الأجهزة الاستخباراتيّة والأمنيّة والعسكريّة في البلاد، قائلًا: لقد فقدنا في هذه الأحداث شخصيّاتٍ عسكريّةً وأمنيّةً كبيرةً، وتعرّضت مؤسّساتٌ ومنظوماتٌ مختلفةٌ في البلاد لضرباتٍ قاسيةٍ. ومع ذلك، واصلت البلاد مسيرتها ولم تتوقّف إدارة شؤونها. ففي تلك الظروف، واجهت بعض المؤسّسات والقطاعات صعوباتٍ جسيمةً، وتعذّر في حالاتٍ كثيرةٍ استمرار الاجتماعات والآليّات المعتادة، لكنّ البلاد استطاعت أن تواصل مسيرتها معتمدةً على قدراتها الذاتيّة. وتكشف هذه الحقيقة أنّ قوّة البلاد لا تقتصر على هياكلها الرسميّة، بل تستند إلى رصيدٍ عميقٍ من إيمان الشعب وبصيرته وإرادته وحضوره.
وشدّد على دور الشعب في الحفاظ على تماسك البلاد، قائلًا: للصواريخ والقوّات المسلّحة والإمكانات الأمنيّة مكانةٌ مهمّةٌ، لكنّ ما يضع هذه القدرات ضمن منظومةٍ متكاملةٍ للقوّة الوطنيّة هو حضور الشعب وما يُبديه من شعورٍ بالمسؤوليّة في المنعطفات التاريخيّة الحاسمة.
الحرب لم تنتهِ بعد؛ فلا يترك الناس الساحة
وفي جانبٍ آخر من حديثه، حذّر آية الله الأعرافيّ من الاعتقاد بانتهاء التهديدات، قائلًا: إنّ من يظنّ أنّ كلّ شيءٍ قد انتهى، وأنّه لم يعد بحاجةٍ إلى حضور الشعب في الساحة، فهو مخطئٌ. فإنّ استمرار عزّة البلاد وعظمتها مرهونٌ بهذا الحضور، وينبغي أن يدرك العالم أجمع أنّ الشعب الإيرانيّ لا ينسحب من الميدان، حتّى في أصعب الظروف.
وأضاف: ينبغي أن تكون الرسالة واضحةً، وهي أنّ شوارعنا ستظلّ نابضةً بالحياة ومفعمةً بالحضور الشعبيّ، حتّى لو لجأ العدوّ إلى خياراتٍ مختلفةٍ وازدادت الظروف صعوبةً، وهو احتمالٌ أُعدّت له الخطط أيضًا. وستبقى الرايات مرفوعةً، والهتافات متواصلةً، والبصائر يقظةً، والتحليلات موجّهةً نحو صون عزّة إيران والثورة الإسلاميّة وعظمتهما.
وأكّد أنّ التجمّعات الشعبيّة تمثّل المحرّك الأساس والقلب النابض لهذه الحركة، مخاطبًا الحاضرين بالقول: أنتم القائمون على خدمة هذا الحضور الشعبيّ، وقيمة العمل الذي تقومون به لا يمكن وصفها. إنّنا واقفون عند منعطفٍ تاريخيٍّ ومصيريٍّ؛ وإذا قصّرنا في هذه المرحلة، فقد نُضطرّ إلى أن نعيش قرنًا أو قرنين بطريقةٍ مختلفةٍ تمامًا.
وأضاف: إنّ ما تقومون به هو إسناد جبهةٍ تخوض صراعًا تاريخيًّا كبيرًا. فينبغي النظر إلى أهمّيّة هذا الحضور في ضوء حجم التحوّلات التاريخيّة وما يترتّب عليها من آثارٍ بعيدة المدى.
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرر: أمين فتحيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك