الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 - 14:38
آية اللّه المرويّ: لا ينبغي أن نغفل عن عظمة إدارة نظام ولاية الفقيه ومدرسة المقاومة.. تقع على عاتق رجال الدين مسؤوليّةٌ جسيمةٌ في الحفاظ على الوحدة وتبيين إنجازات الثورة الإسلاميّة

وكالة الحوزة - أكّد آية اللّه المرويّ أنّ صمود الجمهوريّة الإسلاميّة في مواجهة التحدّيات يجسّد عظمة إدارة نظام ولاية الفقيه ومدرسة المقاومة، مشدّدًا على أنّ رجال الدين يتحمّلون مسؤوليّةً تاريخيّةً في صون الوحدة الوطنيّة، وتبيين إنجازات الثورة الإسلاميّة، والإجابة عن التساؤلات المتزايدة حولها في مختلف أنحاء العالم.

وكالة أنباء الحوزة - تناول سماحة آية اللّه جواد المرويّ، في مستهلّ درس البحث الخارج في الفقه، الذي ألقاه أمام جمعٍ من طلّاب الحوزة وفضلائها يوم الأحد (6 سبتمبر 2026م) في مسجد مدرسة آية اللّه العظمى الكلبايكانيّ (رحمه اللّه)، أربعة محاور رئيسةٍ، تمثّلت في: عظمة إدارة نظام ولاية الفقيه، وضرورة الحفاظ على الوحدة والتماسك الداخليّ، ودور ولاية الفقيه في ترسيخ التقدّم العلميّ وتعزيز روح المقاومة والجهاد، وأهميّة الاضطلاع بالواجبات العلميّة إلى جانب المسؤوليات الميدانيّة. وفيما يلي نصّ كلمة الأمين الثاني للمجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى اللّه على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين صلاةً تُرغم أنوف الجاحدين، اللهمّ وفّقنا للعلم والعمل به.

في بداية أبحاث الفقه والأصول، وبعد فترةٍ طويلةٍ من توقّف الدروس، أرى من المناسب أن أتوقّف عند أربع نقاط مهمّةٍ، ثمّ ننتقل بعدها إلى بحثنا العلميّ.

النقطة الأولى: عظمة إدارة نظام ولاية الفقيه

إنّ استشهاد قائد الأمّة الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه) جرحٌ غائرٌ ما يزال ينزف في قلوب المؤمنين، ومصابٌ لم تخمد لواعجه بعد، بل لا تزال ناره متّقدةً في الأفئدة، تؤجّج مشاعر الوفاء وتستنهض معاني الثبات.

ومن جهةٍ، لا بدّ من الوقوف عند الآثار العميقة التي خلّفها هذا الاستشهاد، كلٌّ في موضعه. ومن جهةٍ أخرى، فإنّ المدرسة التي خلّفها ذلك القائد الشهيد، والقائمة على مناهضة الاستكبار وصون الاستقلال وترسيخ ثقافة المقاومة، وصيانة عزّة الأمّة الإسلاميّة وإيران الشامخة وكرامتها، إلى جانب ما امتازت به من قيادةٍ حكيمةٍ وإدارةٍ راسخةٍ، تمثّل أمانةً عظيمةً ينبغي أن نحفظها ونصونها كما نصون أعزّ ما نملك، بل كما نصون أرواحنا.

وأنتم تشاهدون اليوم بأعينكم إحدى الثمار العمليّة لإدارة نظام ولاية الفقيه ولنهج قائدنا الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه). فقد أقدمت الولايات المتّحدة الإجراميّة على مواجهةٍ مباشرةٍ مع الشعب الإيرانيّ؛ تلك الولايات المتّحدة التي طالما قيل إنّها تتصدّر جيوش العالم من حيث القوّة العسكريّة، وإنّها تمتلك أعلى مستويات القدرة على تنفيذ العمليّات العسكريّة في مختلف أنحاء العالم، وإنّ أبرز ما يميّز جيشها من الناحية اللوجستيّة هو قدرته الفائقة على نقل القوّات والوقود والذخائر والمعدّات إلى أيّ بقعةٍ في العالم. وعلى مدى عقودٍ طويلةٍ، أقامت أضخم القواعد العسكريّة في المنطقة، وأحاطت الجمهوريّة الإسلاميّة بشبكةٍ واسعةٍ من القواعد والنقاط العسكريّة.

وإلى جانب ذلك، فقد زجّ جيش الكيان الصهيونيّ، المعروف بوحشيّته، بكامل قدراته في ساحة المواجهة، كما سخّرت الأنظمة العميلة في المنطقة جميع إمكاناتها، ووضع حلف شمال الأطلسيّ (الناتو)، بصورةٍ مباشرةٍ وغير مباشرةٍ، كلّ ما يملك من قدراتٍ وإمكاناتٍ في خدمة الولايات المتّحدة. لقد تكاتفوا جميعًا، وشنّوا عدوانهم على نحوٍ منسّقٍ، وكان هدفهم الأوّل، كما أعلنوه صراحةً، إسقاط نظام الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة. وهنا تتجلّى عظمة النظام القائم على إدارة ولاية الفقيه، وتتجلّى كذلك عظمة القيادة الحكيمة التي جسّدها سيّدنا القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه)؛ إذ استطاع هذا النهج، رغم اجتماع تلك القوى كلّها، أن يحفظ تماسك الدولة ويفشل أهداف المعتدين.

وقد حدّثني أحد أعضاء مجلس النوّاب العراقيّ قائلًا: عندما كانت المشاورات دائرةً بشأن تشكيل الحكومة واختيار رئيس الوزراء، وجّه الأمريكيّون رسالةً إلى القوى السياسيّة دعوهم فيها إلى التريّث أسبوعًا واحدًا، زاعمين أنّ نظام الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة سينهار خلال تلك المدّة، وأنّ المرحلة المقبلة تقتضي التنسيق معهم، لا مع إيران.

لقد شهد العالم بأسره، بوضوحٍ لا لبس فيه، أنّهم بعدما أخفقوا في تحقيق هدفهم الأوّل، اضطرّوا إلى تغيير وجهة أهدافهم، فزعموا أنّ غايتهم أصبحت الاستيلاء على مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب، غير أنّهم مُنيوا بالفشل مرّةً أخرى. ثمّ انتقلوا إلى هدفٍ ثالث، تمثّل في السعي إلى فرض السيطرة على مضيق هرمز، لكنّهم لم يحقّقوا فيه أيضًا أيّ نجاحٍ. واليوم، وبعد ستّة أشهرٍ من المواجهة الشاملة التي شنّوها ضدّ هذا الشعب، لم يقتصر الأمر على إخفاقهم في تحقيق أيٍّ من أهدافهم، بل باتوا عاجزين حتّى عن إيجاد مخرجٍ من المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه، وأصبحوا في حالةٍ من العجز والارتباك واليأس.

كيف استطاع قائدنا الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) إدارة هذا البلد بهذه الكفاءة، رغم الحصار الاقتصاديّ الخانق، ورغم ما شاب بعض الأجهزة التنفيذيّة من ضعفٍ في الإدارة، ورغم العقوبات الواسعة التي فُرضت عليه؟ وكيف أمكن، في ظلّ هذه الظروف كلّها، تحقيق هذا التقدّم العلميّ اللافت، وهذه الجاهزيّة العالية للقوّات المسلّحة التي كانت تخضع مباشرةً لإدارة الوليّ الفقيه؟ ومع مرور كلّ يوم، تتجلّى للعالم بصورةٍ أوضح عظمة الجمهوريّة الإسلاميّة، وعظمة نظام الحكم القائم على ولاية الفقيه. وكلّما لوّح أعداؤها بتهديدٍ جديدٍ، جاءهم الردّ أشدّ قوّةً وحزمًا، سواءً من الشعب الإيرانيّ أو من قوّاته المسلّحة، بما يحبط رهاناتهم ويؤكّد صلابة هذا النظام واقتداره.

وقد ذكرتُ من قبل أنّ أحد كبار الساسة في العالم العربيّ سُئل يومًا: كيف تفسّرون هذا التقدّم الذي حقّقته إيران، وصمودها في مواجهة القوى الكبرى، في مقابل حالة الضعف والاستكانة التي تعيشها الدول العربيّة؟ فأجاب بكلمةٍ لافتةٍ: إنّ السرّ يكمن في أنّ إيران يحكمها نظام ولاية الفقيه، بينما تحكمنا - نحن العرب - ولاية السفيه.

النقطة الثانية: ضرورة الحفاظ على الوحدة والتماسك

إنّ المخطّط الرئيس للعدوّ يقوم على ربط عدوانه العسكريّ بإثارة الفوضى والاضطرابات في الداخل، والسعي، بكلّ الوسائل الممكنة، إلى دفع فئاتٍ من المجتمع إلى الظهور بمظهر المعارض لهذا النظام، تمهيدًا لإشعال الفتنة وإثارة القلاقل وزعزعة الاستقرار. ومن هنا، تكتسب مسؤوليّة الجميع ـ ولا سيّما العلماء ورجال الدين ـ أهميّةً بالغةً وحساسيّةً استثنائيّة؛ إذ إنّ الواجب يقتضي الحضور الفاعل في الميدان، والعمل على صون الوحدة الوطنيّة، وتعزيز التماسك الداخلي، وإفشال مخطّطات العدوّ الرامية إلى بثّ الفرقة وشقّ الصفّ.

وفي إحدى التغريدات التي نشرها ذلك الرجل المختلّ نفسيًّا، ترامب، قال صراحةً: إنّنا ننتظر خروج الشعب الإيراني إلى الشوارع والتحرّك ضدّ النظام الحاكم.

ومن هنا، فإنّ الحفاظ على الوحدة الوطنيّة والتماسك الداخليّ، إلى جانب الحضور الواعي والفاعل للشعب في الساحة، يُعدّ من أهمّ الواجبات في هذه المرحلة، وهو أمرٌ ينبغي أن يحظى بأقصى درجات الاهتمام والعناية.

وأغتنم هذه المناسبة لأتوجّه بخالص الشكر والتقدير إلى العلماء الأجلّاء من رجال الدين، ولا سيّما الشباب منهم، الذين تحلّوا بالكفاءة والإخلاص، ولم يغادروا الميدان طوال الأشهر الستّة الماضية. وقد وردت إلينا تقارير عديدةٌ من طهران، ومن المحافظات الجنوبيّة، ومن مختلف المدن، تؤكّد أنّهم بذلوا جهودًا كبيرةً في حشد الجماهير، وتعزيز حضورها في الساحات، بما أظهر للعدوّ بجلاءٍ حجم الالتفاف الشعبيّ حول النظام. وإنّي لأتقدّم إلى هؤلاء الأعزّة بجزيل الشكر وعظيم الامتنان، تقديرًا لما بذلوه من جهودٍ مخلصةٍ ومسؤولةٍ.

النقطة الثالثة: ولاية الفقيه محور التقدّم العلميّ والمقاومة الجهاديّة

أمّا الحديث عن الآثار التي تركها دم القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) على الساحة الدوليّة، فهو حديثٌ يقتضي بسطًا وتفصيلًا، غير أنّني سأكتفي في هذه المرحلة بالإشارة إلى نقطةٍ واحدة. فقد امتدّت صلتي بالعالم خارج إيران سنواتٍ طويلةً، إذ بدأت أسفاري إلى الخارج قبل انتصار الثورة الإسلاميّة. ففي عام 1978م، وكنتُ آنذاك فتىً في السادسة عشرة من عمري، زرتُ تركيا وسوريا والأردن والمملكة العربيّة السعوديّة.

وفي المملكة العربيّة السعوديّة، وبعد أن كنتُ قد طالعتُ مؤلّفات إحسان إلهي ظهير، أحد أبرز رموز التيّار السلفيّ في تلك المرحلة، والذي كان قد قدم من باكستان لأداء مناسك الحج، التقيتُ به في المدينة المنوّرة ليلة عيد النوروز. وقد دار بيني وبينه حوارٌ علميٌّ، تناولتُ خلاله بالنقد والمناقشة بعض مؤلّفاته، الأمر الذي أثار دهشته واستغرابه.

ومنذ ذلك الحين، لم تنقطع صلتي بالعالم خارج إيران، ولم تتوقّف أسفاري واتصالاتي الخارجيّة. وبعد ثلاثة أعوامٍ من انتصار الثورة الإسلاميّة، شاركتُ ضمن وفدٍ علميٍّ من الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة زار المؤسّسات العلميّة والجامعات في سوريا وتركيا ولبنان، للمشاركة في الحوارات العلميّة وإلقاء المحاضرات، وكنتُ أصغر أعضاء ذلك الوفد سنًّا. وانطلاقًا من هذه التجربة الطويلة، وما اكتسبتُه من خبرةٍ ميدانيّةٍ واسعةٍ، أقول - من دون أدنى مبالغةٍ أو تهويلٍ - إنّني لم أشهد في أيّ مرحلةٍ من المراحل إقبالًا عالميًّا على الثورة الإسلاميّة ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وتعاليم المذهب الشيعيّ، كما أشهده في هذه المرحلة.

لقد برز في هذه المرحلة اهتمامٌ عالميٌّ غير مسبوقٍ، فلم يعد يقتصر على أبناء الأمّة الإسلاميّة، بل شمل أيضًا كثيرًا من غير المسلمين، الذين باتوا يسعون إلى معرفة الثورة الإسلاميّة، والوقوف على حقيقة مدرسة التشيّع، واستيعاب منظومتها الفكريّة. وكثيرًا ما نسمع منهم هذا التساؤل: ما سرّ هذا الإكسير الحضاريّ الذي تمتلكونه، والذي مكّنكم من تحقيق هذا التقدّم، وأكسبكم هذه القدرة على الصمود والمقاومة؟ حدّثونا عنه، وانقلوا إلينا معالمه.

ولذلك، تقع اليوم على عاتق العلماء ورجال الدين مسؤوليّةٌ تاريخيّةٌ جسيمةٌ؛ إذ ينبغي لهم أن ينفتحوا على الآخرين، وأن يبلّغوا هذه الرسالة، ويقدّموا الأجوبة الشافية عن الأسئلة التي تُطرح حول الإسلام والثورة الإسلاميّة ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام). وفي هذا الباب حديثٌ ذو شجونٍ، وأمورٌ كثيرةٌ تستحقّ الوقوف عندها، غير أنّنا نؤجّل الحديث عنها إلى فرصةٍ أخرى.

النقطة الرابعة: الاهتمام بالواجبات العلميّة إلى جانب الواجبات الميدانيّة

إنّ الحضور في الميادين والشوارع - الذي يُعدّ في حدّ ذاته ساحةً من ساحات المواجهة - لا ينبغي أن يصرفنا عن ساحةٍ لا تقلّ أهميّةً، وهو ساحة العلم والمعرفة. فكما أنّ الواجب يقتضي الحضور في الميادين والشوارع، فإنّه يفرض علينا أيضًا مواصلة التزوّد بالعلم والمعرفة وبناء الكفاءات. فلنكن حاضرين في جميع الساحات حضورًا كاملًا، ولنسخّر جميع طاقاتنا في سبيل طلب العلم واكتساب المعرفة، حتى نكون على أتمّ الاستعداد لخدمة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والدفاع عن رسالتها وأداء مسؤوليّاتها على أكمل وجهٍ.

وكثيرًا ما نرى في سير السلف الصالح وفي حياة علمائنا الكبار، مواقف ناصعةً تمثّل مدرسةً في البذل والإخلاص، وتختزن من الدروس والعبر ما يدعو إلى التأمّل. وعندما نرجع إلى أنفسنا ونقيس أعمالنا بأعمالهم، لا يسعنا إلّا أن نتساءل: كيف كانوا يبذلون تلك الجهود العظيمة، وأين نحن اليوم من هممهم وعطائهم؟

وانظروا في سيرة "الفاضل الجواد"، صاحب كتاب "مفتاح الكرامة"، ذلك الفقيه الذي بلغ الغاية في الاستقصاء والتتبّع والرجوع إلى مصادر الفقه. وتأمّلوا كيف ألّف جانبًا من كتابه "مفتاح الكرامة" في أحلك الظروف، إبّان الهجوم الذي شنّه الوهّابيّون على العراق، حين اجتاحوا الحلّة وكربلاء والنجف، وارتكبوا فظائع كبرى، ونهبوا الممتلكات، وأوقعوا عددًا من الشهداء. ومع ذلك، كان هذا العالم الجليل يجمع بين الجهاد والدفاع عن ديار المسلمين وبين التدريس والتأليف، في صورةٍ نادرةٍ من الثبات والإخلاص. وقد وصفه صاحب "أعيان الشيعة" بقوله: «وفي كلّ هذه الحروب والحصار كان لا يفتأ عن التدريس والتأليف». (أعيان الشيعة، ج4، ص290). أي إنّ صاحب "مفتاح الكرامة" لم تكن الحروب ولا الحصار لتثنيه عن أداء رسالته العلميّة؛ فلم يفتر عن التدريس، ولم يتوقّف عن التأليف، وظلّ ثابتًا على أداء واجبه العلميّ إلى جانب مسؤوليّته في الجهاد والدفاع.

ويقول الفاضل الجواد نفسه في كتاب «مفتاح الكرامة»، في باب الهبة: «وقد تمّ، والحمد للّه كما هو أهله، باب الصدقة والهبة في اليوم السابع عشر من جمادى الأولى سنة 1226هـ، وجاءنا عسكر الوهابيّين، وقد وقع في أطراف العراق، كالحلّة والمشهدين، البلاء المبين من القتل الذريع الكثير، خصوصًا في الزوّار والمتردّدين، والنهب، وحرق الزروع، وكنّا حينئذٍ في النجف الأشرف كالمحاصَرين، والحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى اللّه على محمّدٍ وآله الطاهرين. والعبد لم يترك الاشتغال، مع ما نحن عليه من هذا الحال، مضافًا إلى مرضٍ في الجسم، واعتلالٍ لابني، والحمد للّه ربّ العالمين. وقد كتبتُ ذلك وأنا في العقد السابع من عمري، فأوصيكم - أيّها الإخوان - ببذل الجدّ والجهد في تحصيل العلم على كلّ حالٍ». وهذه وصيّة عالمٍ لم تكن كلماته مجرّد مواعظ، بل جسّدها في سيرته العمليّة؛ فقد ظلّ مواظبًا على طلب العلم وتعليمه وتأليفه، رغم الحصار والحرب، ورغم المرض والابتلاء، فكان قدوةً في الجمع بين ميدان العلم وميدان العمل، وبين أداء الواجب العلميّ والقيام بمسؤوليّة الجهاد والدفاع.

ومن الواضح أنّه إذا وقع التعارض بين واجب الجهاد والدفاع وبين طلب العلم، فلا ريب في أنّ الجهاد والدفاع يتقدّمان. أمّا إذا أمكن الجمع بين أداء واجب الجهاد ومواصلة طلب العلم، كما كان دأب سلفنا الصالح، فإنّ ذلك هو النهج الذي ينبغي لنا أن نسير عليه، وهو ما تقتضيه مسؤوليّتنا اليوم.

نعم، قبل بضعة أشهرٍ تداولنا هذا الأمر مع عددٍ من كبار العلماء، ورأينا أنّ استئناف الدروس في الحوزة العلميّة آنذاك قد يؤثّر في هذا الحراك الشعبيّ الذي يقوده جمعٌ من الفضلاء الشباب في مختلف المدن، ولذلك ارتأينا استمرار تعليق الدروس في تلك المرحلة. أمّا اليوم، فقد أصبح بالإمكان معالجة الأمر بحكمةٍ وتدبيرٍ، ولذلك أرجو من الجميع أن يبقوا راسخين في ميدان الجهاد والدفاع، وفي الوقت نفسه ألّا يغفلوا عن واجبهم الأصيل، وهو تحصيل علوم أهل البيت (عليهم السلام)، ونشر معارفهم بين الناس. فالمسؤوليّة تقتضي أن نجمع بين الواجبين، فنؤدّي واجب الجهاد والدفاع بكلّ قوّةٍ وثباتٍ، ونواصل في الوقت نفسه مسيرة التحصيل العلميّ والتبليغ، اقتداءً بسيرة علمائنا الأعلام وسلفنا الصالح.

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرّر: حسن رحمانيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha