وكالة أنباء الحوزة - يسلّط هذا التقرير الضوء على جذور الخلاف بين الشيعة والبهائيّة، من خلال استعراض الخلفيّة التاريخيّة لنشأة هذه الحركة، ومراحل تطوّرها، والتحوّلات التي طرأت على ادّعاءات عليّ محمّد الشيرازيّ. كما يتطرّق إلى مكانة الاعتقاد بالإمام المهديّ المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ومبدأ ختم النبوّة بالنبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المنظومة العقديّة الشيعيّة، ويبحث في الأسباب التي جعلت الخلاف مع البهائيّة يتجاوز مجرّد التباين بين المعتقدات الدينيّة، فضلًا عن العوامل العقديّة والتاريخيّة المرتبطة بهذه القضيّة.
المسألة الأساسيّة: من أين بدأت البهائيّة؟
لفهم أسباب معارضة البهائيّة، لا بدّ من العودة إلى نقطة انطلاقها. فالإسلام والتشيّع، على الرغم من اختلافهما العقديّ مع سائر الأديان، يميّزان بين "الاختلاف في المعتقد" و"المساس بأسس دينٍ ما".
وقد لا يؤمن المسيحيّ أو اليهوديّ أو الزرادشتيّ بنبوّة النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو لا يعدّ القرآن الكريم كتابًا من عند الله، لكنّ الخلاف مع البهائيّة لا يندرج في إطار هذا النوع من الاختلاف؛ ذلك أنّ هذه الحركة لم تنشأ منذ البداية بالابتعاد عن الإسلام والتشيّع، بل تشكّلت داخل البيئة الإسلاميّة، مستندةً إلى مفاهيم ومراتب ذات صلةٍ بالعقيدة الشيعيّة.
وبدأت القضيّة بادّعاء الارتباط بالإمام المهديّ المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). فقد عرّف عليّ محمّد الشيرازيّ نفسه، في البداية، بأنّه "الباب"، أي إنّه ادّعى أنّه الطريق والواسطة التي تمكّن الناس من الوصول إلى الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وأنّ التواصل معه ممكن من خلاله. وقد طُرح هذا الادّعاء في سياقٍ كان الشيرازيّ يعرّف فيه نفسه بأنّه مسلمٌ وشيعيٌّ، ويقدّم ادّعاءه بالارتباط بالإمام في هذا الإطار نفسه. لكنّ الأمر لم يتوقّف عند هذا الحدّ؛ إذ قال في البداية: «أنا الباب، وأنا الواسطة بين الناس والإمام المهديّ»، ثمّ ادّعى: «أنا نفسي الإمام المهديّ»، وبعد ذلك قال: «لم أكن أريد أن أقول ذلك، لكنّني سأخبركم الآن: أنا نبيّ في الحقيقة».
وتكمن أهمّيّة القضيّة تحديدًا في هذا التدرّج. فقد بدأت هذه الحركة بادّعاء الارتباط بالإمام المهديّ المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، لكنّ هذا الادّعاء أخذ يتغيّر ويتّسع تدريجيًّا؛ إذ بدأ الحديث عن "الباب" والوساطة بين الناس والإمام المهديّ، ثمّ طُرح ادّعاء المهدويّة، وانتهى الأمر لاحقًا إلى ادّعاء النبوّة. وهكذا، تطوّر الادّعاء خطوةً بعد أخرى، مع طرح مكانةٍ أعلى في كلّ مرحلةٍ، إلى أن انتقل من ادّعاء الارتباط بالإمام المهديّ إلى ادّعاء النبوّة. ويُظهر هذا المسار أنّ المسألة لا تتعلّق بمجرّد خلافٍ في الرأي، بل بادّعاءات تمسّ مباشرةً أحد أهمّ الأسس العقديّة لدى الشيعة.
وللتعرّف إلى هذه الحركة بصورةٍ أدقّ، تكتسب دراسة تطوّراتها وعلاقاتها في السنوات اللاحقة أهمّيّةً خاصّةً. فتتضمّن المصادر التاريخيّة رواياتٍ ووثائق متعدّدةً تتناول دور القوى الخارجيّة، ولا سيّما بريطانيا، في تشكيل هذه الحركة، فضلًا عن العلاقات التي ربطت هذه الحركة بالمحافل اليهوديّة. ومن يرغب في تقييم هذا الموضوع من دون أحكامٍ مسبقةٍ، يمكنه الرجوع إلى المصادر التاريخيّة، بل وإلى الدراسات الغربيّة أيضًا، لدراسة مسار انتشار البهائيّة، وعلاقات قادتها بالقوى الأجنبيّة، وأسباب استقرار مقرّ هذه الطائفة في الأراضي المحتلّة، ودوافع وجود مركزها العالميّ في حيفا. كما تشير بعض المصادر التاريخيّة إلى وجود صلات بين قادة بهائيّين وشبكات بريطانيّة في الشرق الأوسط منذ أوائل القرن العشرين، وقد ازدادت أهميّة هذه الصلات خلال فترة الوجود البريطانيّ في فلسطين.
وعليه، فإنّ المسألة لا تتعلّق باحترام معتقدات الآخرين أو عدم احترامها؛ فكلّ جماعةٍ دينيّةٍ تدافع عن أصولها العقديّة، ولا تقبل أن يستغلّ شخصٌ اسم الدين نفسه ليُعيد صياغة مكانة نبيّه أو إمامه أو مبادئه العقديّة وفق تصوّراته الخاصّة، ثمّ يستقطب الناس إلى اتّباعه. ومن هنا تبدأ إشكاليّة البهائيّة من المنظور الشيعيّ؛ إذ ظهرت هذه الحركة بادّعاء الارتباط بالإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ثمّ تطوّرت ادّعاءاتها إلى المهدويّة، وبعدها إلى النبوّة، قبل أن تنشأ لاحقًا صلاتٌ بينها وبين شبكاتٍ من القوى الخارجيّة، وهي صلاتٌ تقتضي دراستها تاريخيًّا لفهم هذه الحركة على نحوٍ أدقّ.
لمراجعة المبحث باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرّر: حسن رحمانيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك