وكالة أنباء الحوزة - إنّ التأكيد على ضرورة ترسيخ نمط الحياة الإيمانيّ في عصرٍ يتّسم بالتسارع الشديد، ويتزايد فيه حضور أفراد المجتمع وتفاعلهم في الفضاء الافتراضيّ، لا يعني بأيّ حالٍ من الأحوال الانعزال عن التكنولوجيا؛ إذ بات التعايش مع التقنيّات الحديثة والاستفادة من وسائل الإعلام والاتّصال المتطوّرة من مقتضيات الحياة في عصرنا الحاضر.
إنّ المقصود، في الحقيقة، هو ضرورة أن يظلّ الإنسان هو المتحكّم في التكنولوجيا، لا أن يصبح أسيرًا لها؛ فالإنسان المؤمن ينبغي له، قبل كلّ شيءٍ، أن يكون قادرًا على اختيار ما يشاهده وما ينشره، وتحديد أوقات اتّصاله بالإنترنت، والأوقات التي يضع فيها هاتفه المحمول جانبًا أو يمتنع فيها عن استخدام وسائل الاتّصال الحديثة.
وانطلاقًا من ذلك، لا يمكن اعتبار الفضاء الافتراضيّ عدوًّا للإيمان بالضرورة، كما أنّ مجرّد الحضور فيه لا يضمن تنمية المعرفة وتعزيز الوعي وتحقيق الارتقاء المعنويّ؛ إذ إنّ ما تؤول إليه تجربتنا في هذا الفضاء يتوقّف، إلى حدٍّ كبيرٍ، على طبيعة اختياراتنا وكيفيّة استخدامنا له.
ولنأخذ الهاتف المحمول مثالًا على ذلك؛ فقد يقضي الإنسان بسببه ساعاتٍ طويلةً في استهلاك محتوًى ضئيل القيمة، بل ومنافٍ للقيم أحيانًا، في حينٍ يمكنه أن يستخدمه وسيلةً للمطالعة والتعلّم والتواصل مع الأقارب ومساعدة الآخرين، فضلًا عن الاستفادة منه في الاطّلاع على المعارف الدينيّة. كما يمكن لشبكات التواصل الاجتماعيّ، التي تتيح تداول الشائعات والإساءات، أن تتحوّل في المقابل إلى منصّاتٍ فاعلةٍ لنشر الأخلاق وتعزيز روح التعاطف والتضامن وتنظيم المبادرات الخيريّة.
معيارٌ لتحديد ما إذا كان الفضاء الافتراضيّ فرصةً أم تهديدًا
يقول حجّة الإسلام حبيب بابائيّ، الناشط الثقافيّ والباحث الحوزويّ: أعتقد أنّ المعيار الأهمّ لتقييم حضورنا في الفضاء الافتراضيّ هو أن نطرح على أنفسنا سؤالًا جوهريًّا: ما الذي تغيّر في داخلنا بعد ساعاتٍ وأيّامٍ من استخدام هذا الفضاء؟ أهو الوعي أم التخبّط؟ والطمأنينة أم القلق؟ والتواصل أم الوحدة؟ والأخلاق أم العدوانيّة؟ والشكر والامتنان أم الشعور بالحسرة؟
ويضيف: بناءً على ذلك، إذا أصبح الفضاء الافتراضيّ أداةً لتنمية المعرفة، وتعزيز العلاقات الإنسانيّة، وفعل الخير، وتعميق المعنويّة، فإنّه يمكن أن يشكّل إحدى الفرص الكبرى في حياتنا المعاصرة. أمّا إذا استحوذ على زمام وقت الإنسان وعقله ومشاعره، فقد تتحوّل الفرصة نفسها إلى مصدرٍ لخطرٍ كبيرٍ.
الفضاء الافتراضيّ جزءٌ لا يتجزّأ من الحياة الواقعيّة
ويتابع هذا الناشط الثقافيّ قائلًا: لا بدّ، في أيّ حالٍ، من الإقرار بأنّ الفضاء الافتراضيّ تحوّل اليوم من مجرّد أداةٍ ثانويّةٍ إلى جزء لا يتجزّأ من حياتنا اليوميّة؛ فكثيرٌ من الناس باتوا يستخدمون الهواتف المحمولة وشبكات التواصل الاجتماعيّ وتطبيقات التراسل والمواقع الإلكترونيّة ومختلف الخدمات عبر الإنترنت منذ الساعات الأولى، بل الدقائق الأولى، من استيقاظهم، حتّى اللحظات الأخيرة من الليل. كما باتت هذه المنصّات تُستخدم في التسوّق والتعلّم والتواصل مع الأصدقاء والأقارب ومتابعة الأخبار والترفيه وإنجاز المعاملات المصرفيّة وممارسة الأنشطة الثقافيّة، فضلًا عن جوانب من التواصل الدينيّ والمعنويّ.
ويضيف: من الطبيعيّ، في ظلّ هذه الظروف، ألّا يعود من الممكن النظر إلى الفضاء الافتراضيّ بوصفه عالمًا منفصلًا عن الحياة الواقعيّة؛ فالسلوك الذي يصدر عن الإنسان في هذا الفضاء يُعدّ بدوره جزءًا من نمط حياته. وإذا نظرنا إلى نمط الحياة الإيمانيّة بوصفه منظومةً من المعتقدات والاختيارات والسلوكيّات القائمة على الإيمان بالله، والالتزام بالمسؤوليّة الأخلاقيّة، واحترام حقوق الآخرين، وصون الكرامة الإنسانيّة، والاهتمام بالنموّ الروحيّ، فإنّ الحضور في الفضاء الافتراضيّ لا يمكن فصله عن هذه المبادئ.
ويصرّح حجّة الإسلام بابائيّ قائلًا: إنّ من أبرز مقوّمات الحياة الإيمانيّة في الفضاء الافتراضيّ الاستخدام الواعي والهادف والأخلاقيّ للإمكانات التي وفّرتها التقنيّات الإعلاميّة الحديثة.
الفضاء الافتراضيّ... فرصةٌ ثمينةٌ لاكتساب المعرفة
ومن جانبها، تشير الدكتورة السيّدة فاطمة سيّدمدلّلكار، الأستاذة الجامعيّة، إلى أنّ من أهمّ إمكانات الإنترنت والفضاء الافتراضيّ في عالم اليوم إتاحة الوصول السريع إلى طيفٍ واسعٍ من المصادر العلميّة والدينيّة، وتقول: في الماضي، لم يكن الوصول إلى بعض الكتب والمحاضرات والدروس التعليميّة والأساتذة البارزين متاحًا بسهولةٍ لجميع الناس، أمّا اليوم، فقد أصبح كثيرٌ من هذه المصادر متاحًا للمستخدمين، ويمكن الوصول إليه من خلال عمليّات بحثٍ يسيرةٍ.
وتضيف: بات بإمكان المهتمّ أن يستمع، في أيّ وقتٍ من الليل أو النهار، إلى تلاوة القرآن الكريم، وأن يطالع ترجمة الآيات وتفسيرها، فضلًا عن مشاهدة المحاضرات الدينيّة، والبحث في الأحكام والمسائل العقديّة، والمشاركة في الدورات التعليميّة عبر الإنترنت. كما أنّ كثيرًا من المكتبات والمؤسّسات العلميّة تنشر مؤلّفاتها القيّمة بصيغٍ رقميّةٍ. وهذا الاتّساع في نطاق الوصول إلى المصادر يمكن أن يشكّل فرصةً كبيرةً لتعزيز المعرفة الدينيّة لدى الفرد. والمهمّ أن يكون حضور الإنسان في الفضاء الافتراضيّ فاعلًا وواعيًا وذكيًّا، وأن يتّسم في الوقت نفسه بالمسؤوليّة والالتزام.
تعزيز الروابط الدينيّة والاجتماعيّة وتوسيع نطاقها بصورةٍ هادفةٍ
وتؤكّد هذه الأستاذة الجامعيّة قائلةً: إنّ شبكات التواصل الاجتماعيّ والفضاء الافتراضيّ يمكن أن يوفّرا فرصًا جديدةً لبناء الروابط الثقافيّة والدينيّة وتعزيزها وتوسيع نطاقها؛ فكثيرٌ من الناس يتعرّفون عبر هذه الشبكات إلى المجالس الدينيّة والبرامج الثقافيّة والأنشطة الخيريّة والحملات الاجتماعيّة. وفي تقديري، يُعدّ الإعلان عن فعاليّةٍ دينيّةٍ ومعنويّةٍ، أو جمع التبرّعات للأسر المحتاجة والمعوزة، أو التعريف بالكتب القيّمة والترويج لها، أو نشر كلمةٍ أخلاقيّةٍ، بل حتّى إرسال رسالةٍ تبعث الأمل في نفس صديقٍ يمرّ بظروفٍ صعبةٍ، أمثلةً بسيطةً على الإمكانات الإيجابيّة والنافعة التي يتيحها الفضاء الافتراضيّ؛ وهي فرصةٌ قيّمةٌ لا ينبغي إغفالها.
وتتابع: ومن جهةٍ أخرى، ينبغي الانتباه إلى أنّ فعل الخير في عصرنا الراهن، عصر الفضاء الافتراضيّ، لا يقتصر بالضرورة على الأنشطة الكبيرة والمنظّمة، بل قد يتمثّل أحيانًا في نشر محتوًى مفيدٍ، أو الإجابة عن سؤالٍ بأسلوبٍ محترمٍ ومقنعٍ، أو التعريف بمصدرٍ موثوقٍ، أو الحيلولة دون تداول خبرٍ كاذبٍ؛ فهذه الممارسات أيضًا تجسّد المسؤوليّة الأخلاقيّة.
فرصةٌ مهمّةٌ للدعوة إلى الخير
وتشير الدكتورة سيّدمدلّلكار: في الماضي، كان إيصال رسالةٍ ثقافيّةٍ إلى شريحةٍ واسعةٍ من أفراد المجتمع يتطلّب إمكاناتٍ كبيرةً، أمّا اليوم، فقد أصبح بإمكان كلّ مستخدمٍ لشبكات التواصل الاجتماعيّ أن يصبح صانعًا للمحتوى وناشرًا له، الأمر الذي أتاح فرصةً مهمّةً للدعوة إلى القيم الأخلاقيّة والإنسانيّة.
وتضيف: فقد يكون لمنشورٍ قصيرٍ عن احترام الوالدين، أو مقطعٍ مصوّرٍ يحثّ على مساعدة المحتاجين، أو التعريف بكتابٍ، أو الأمر بمعروفٍ ونهي عن منكرٍ، أو تعليم مهارةٍ نافعةٍ، أو مشاركة تجربةٍ ملهمةٍ، أثرٌ في حياة عددٍ كبيرٍ من مستخدمي الفضاء الافتراضيّ. ومن هنا، فإنّ من السمات الأخرى للحياة الإيمانيّة في هذا الفضاء حُسن استثمار هذه الفرص التي قد تبدو بسيطةً، لكنّها بالغة الأهمّيّة.
إعداد: السيّد محمّد مهدي الموسويّ
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرر: أمين فتحيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك