الأربعاء 19 أغسطس 2026 - 19:23
حجّة الإسلام والمسلمين بهراميّ: تحقيق الرؤى الإستراتيجيّة للقائد الشهيد في مركز "نور"

وكالة الحوزة - على أعتاب أربعينيّة تشييع جثمان القائد الشهيد الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه) ودفنه، قام مركز البحوث الكمبيوتريّة للعلوم الإسلاميّة "نور" باستحضار المبادئ والأهداف التأسيسيّة التي انطلق عليها هذا المركز عام (1989م)، معزّزًا خطواته الإستراتيجيّة لترسيخ تقنيات الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ في المجالات البحثيّة.

وكالة أنباء الحوزة - تقدّم حجّة الإسلام والمسلمين محمد حسين بهراميّ، رئيس مركز البحوث الكمبيوتريّة للعلوم الإسلاميّة "نور"، يوم الثلاثاء (18 أغسطس 2026م)، في حديثه إلى الصحفيّين، بالتعازي بمناسبة حلول الذكرى الأربعين لتشييع جثمان القائد الشهيد الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه) ودفنه، وحيّا ذكرى شهداء الحرب المفروضة الثالثة، متناولًا المسار التحوّلي الذي يشهده هذا المركز.

واستذكر سماحته تأكيدات ذلك الشهيد الجليل على ضرورة الريادة في مجال التقنيات الحديثة، معلنًا عن الانتهاء من إعداد "المساعد الشامل للعلوم الإسلاميّة"، معتبرًا هذا الإنجاز ثمرة أربعة عقودٍ من الجهاد في مجال التقنيات، وتجسيدًا عمليًّا للرؤية الاستشرافيّة التاريخيّة لذلك الشهيد.

رواية الريادة؛ الرؤية الإستراتيجيّة للقائد الشهيد تجاه التكنولوجيا وولادة مركز "نور"

واعتبر حجّة الإسلام والمسلمين بهراميّ "الاهتمام الخاصّ بالعلم" أبرز سمةٍ للقائد الشهيد في مسار مشروع بناء الحضارة، مصرّحًا: من أبرز السّمات التي ميّزت القائد الشهيد هي اهتمامه الخاصّ بقضيّة العلم ومكانته؛ واستلهامًا من قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «العِلْمُ سُلْطَانٌ»، كان يرى أنّ العلم يمثّل الركيزة الأساسيّة في مشروع "بناء الحضارة الإسلاميّة الحديثة" الذي رسمه أفقًا للمجتمع.

وأضاف: ومن الخصائص البارزة للقائد العزيز أنّه كان على درايةٍ كاملةٍ بالعديد من البُنى المادّيّة والمعنويّة اللازمة لتشكيل حضارةٍ جديدةٍ، وكان يبادر إلى تأسيسها وتطويرها. فقد أنشأ العديد من المؤسّسات والهياكل والتيّارات التي تسهم في بناء "الحضارة الإسلاميّة الحديثة"، على حدّ تعبير القائد الشهيد نفسه.

وتابع هذا الأستاذ الحوزويّ والجامعيّ: ومن الجوانب التي أولاها اهتمامًا خاصًّا الإفادة من التقنيات الحديثة، ولا سيّما الأدوات الرقميّة، في خدمة الحضارة الإسلاميّة، وبالأخصّ في مجال العلوم الإسلاميّة. ولعلّ أوضح تجلّيات هذه الرؤية يتمثّل في تأسيس مركز البحوث الكمبيوتريّة للعلوم الإسلاميّة، والمسار الذي قُطع في غضون أربعة عقودٍ من قيادته.

البدايات الأولى لتأسيس مركز "نور" ودعم القائد الشهيد

وأوضح رئيس مركز البحوث الكمبيوتريّة للعلوم الإسلاميّة "نور" قصة تأسيس هذا المركز، قائلًا: في غضون عامي 1988-1989م حاول عددٌ من الطلّاب الجامعيّين والحوزويّين الاستفادة من التقنيّة الرقميّة - التي كانت متاحةً آنذاك على شكل حواسيب إلكترونيّةٍ بدائيّةٍ -، ولو في حدّها الأدنى، لخدمة العلوم الإسلاميّة. فأعدّوا نماذج في علم الرجال وأجروا أعمالًا موضوعيّةً على بعض مجلّدات كتاب "بحار الأنوار"، ثمّ عرضوا هذه الأعمال على عددٍ من المؤسّسات الحوزويّة وغيرها طلبًا للدعم.

وأضاف: وخلال هذه المراجعات واللقاءات، كانت إحدى الأماكن التي سعوا جدًّا لعرض عملهم فيها هي التشرّف بلقاء القائد الشهيد في عام 1989م؛ أي السنة الأولى من تولّي سماحته قيادة الثورة الإسلاميّة. فطلبوا فرصةً، وحضر اثنان أو ثلاثةٌ من الأعزّاء بين يديه لعرض العمل. وفي التقرير الموجود عن تلك الجلسة، ورد أنّ سماحته رحّب بهذا العمل وأبدى تأكيدًا كبيرًا على أهمّيّته؛ كما أوصى أصدقاءنا بإعداد خطّةٍ متكاملةٍ لمتابعة العمل واستمراره.

وأشار حجّة الإسلام والمسلمين بهراميّ إلى حكاية رواها الدكتور عليرضا طالب بور، أوّل مديرٍ عامٍّ لمركز نور، قائلًا: كان يقول إنّنا عندما خرجنا من الجلسة لم نحدّد موعدًا لتقديم الخطّة، إلّا أنّ العاملين في مكتب القيادة قالوا لنا: اذهبوا الآن، فسماحته مشغول جدًّا! فظننّا أنّه ينبغي أن ننتظر حتّى تُتاح فرصةٌ أخرى للقاء. لكن بعد فترةٍ قصيرةٍ، تلقّينا اتصالًا مجدّدًا من مكتب القيادة، أُبلغنا فيه بأنّ سماحة القائد يتابع موضوع إعداد خطّةٍ لاستخدام الحاسوب في العلوم الإسلاميّة، ويسأل عن المرحلة التي وصل إليها العمل.

وتابع: وقال طالب بور إنّ الإخوة بادروا إلى استكمال العمل سريعًا، وقد تلقّينا أيضًا نوعًا من التوبيخ بسبب تأخّرنا. كما نقل عن ذلك اللقاء عبارةً بالغة الدلالة على عمق رؤية سماحة القائد؛ إذ قال سماحته في اللقاء الثاني الذي تشرّف فيه الإخوة بلقائه: «إنّ كلّ يومٍ يتأخّر فيه إنجاز هذا العمل يمثّل خسارةً، وعليكم أن تتابعوا هذا العمل على وجه السرعة، وأن تسارعوا إلى إنجازه وإتمامه».

وأوضح حجّة الإسلام والمسلمين بهراميّ: إنّ هذه الرؤية الاستشرافيّة التي طُرحت عام 1989م تكتسب أهمّيّةً بالغةً، بالنظر إلى ما شهدناه لاحقًا من تطوّراتٍ في الإنترنت ومنجزاتٍ مدهشةٍ في مجال الذكاء الاصطناعيّ. وبحسب تعبير أحد الأصدقاء، فقد وُضع حجر الأساس لمركز نور قبل تأسيس شركة غوغل بعشر سنواتٍ، وهو ما يكشف عن مدى ريادة هذا المركز وسبقه. ولم يقتصر اهتمام سماحة القائد على التأكيد على أهمّيّة هذا المشروع، بل نُقل أنّه خصّص في ذلك اللقاء مبلغًا لتأسيس المركز، كما أُسندت إليه الرئاسة العليا للمركز بموجب نظامه الأساسيّ الأوّل. كذلك، قدّم سماحته آنذاك توصياتٍ لافتةً بشأن كيفية الاستفادة من هذه التقنيّة وتوظيفها في خدمة العلوم الإسلاميّة.

وأضاف أنّ سماحته أشار في إحدى الجلسات، وفي معرض حديثه عن المشقّة التي كان يتكبّدها العلماء في السابق لنقل الكتب، إلى قصّة أبي الفرج الأصفهانيّ، وقال: «استيقظ يا أبا الفرج! وانظر كم تغيّر العالم؛ ففي إمكاننا اليوم أن ننقل مكتبةً ضخمةً بأكملها إلى قرصٍ صلبٍ صغيرٍ».

رؤية القائد الشهيد تجاه الحاسوب والبرمجيّات الإسلاميّة

وقال رئيس مركز نور في هذا السياق: وثمّة نقطةٌ ثانيةٌ بالغة الأهمّيّة، وهي أنّ سماحة القائد كان يحرص بنفسه على استخدام الحاسوب، وكان من مستخدمي منتجات المركز وبرامجه. وقد أشار سماحته في أحد تصريحاته إلى ذلك قائلًا: «لديّ حاسوبٌ صغيرٌ وأقوم بإنجاز أموري من خلاله».

وأضاف: أكّد سماحته في لقاءٍ آخر جمعه بأعضاء مجلس الأمناء قائلًا: «علينا أن نألف هذه البرمجيّات ونتعوّد على استخدامها». وكان يقول: «ما دمتُ لم أعتد استخدام هذه البرمجيّات، كنتُ أشعر بأنّ العثور على المعلومات في الكتب أسهل بالنسبة إليّ؛ ولكن عندما ألفتُها تدريجيًّا، أدركتُ أنّ إنجاز العمل من خلالها أكثر سهولةً». ومن هذا المنطلق، كان يوصي الأساتذة والطلّاب الحوزويّين بأن يولوا الاهتمام اللازم للتعوّد على استخدام الحاسوب، مؤكّدًا ذلك من خلال تجربته الشخصيّة، إذ كان يستفيد بنفسه من هذه البرمجيّات في أبحاثه الفقهيّة.

رؤية القائد الشهيد تجاه الفضاء الافتراضيّ والإنترنت

وأكّد حجّة الإسلام والمسلمين بهراميّ: والنقطة الثالثة هي أنّ رؤيته كانت مواكبةً لمتطلّبات العصر، ولم تكن جامدةً عند مرحلةٍ بعينها. فعندما دخل الحاسوب إلى الساحة، وجّه إلى تأسيس مركز "نور"، وحين شهدت التكنولوجيا مرحلتها الثانية المتمثّلة في ظهور الإنترنت، أولى الفضاء الافتراضيّ وما يتركه من آثارٍ اهتمامًا بالغًا.

وأضاف هذا الأستاذ الحوزويّ والجامعيّ: كانت لدى سماحته معرفةٌ صحيحةٌ بتأثيرات الفضاء الافتراضيّ، وكان قد استشرف كثيرًا من الأحداث التي وقعت لاحقًا. وكان تأكيده على تشكيل شبكة المعلومات الوطنيّة، إلى جانب الاستفادة من الإنترنت، متوازنًا ومعتدلًا للغاية. ويمكن أن نرى امتداد هذه الرؤية اليوم في مجال الذكاء الاصطناعيّ؛ فقد أكّد سماحته، قبل غيره، على ضرورة تحرّك البلاد في هذا المجال، وحدّد هدفًا بأنّنا يجب أن نكون بين الدول العشر الأولى فيه. وكلّ هذا يبيّن مدى دقّة رؤية القائد ومواكبتها للتطوّرات وفاعليتها.

توجيه القائد الشهيد لمسيرة مركز "نور" على مدى أربعة عقود

وفي معرض حديثه عن الإنجازات الحديثة لمركز "نور"، قال حجّة الإسلام والمسلمين بهراميّ: بفضل ذلك الأساس الذي وُضع في البداية، وما حظي به المركز من دعمٍ، تمكّنا اليوم من إنشاء أكبر وأثمن قاعدة بياناتٍ للعلوم الإسلاميّة في مركز نور، سواءٌ في مجال المعارف الشيعيّة، أو تراث أهل السنّة، أو العلوم الإنسانيّة. وقد أُتيحت منتجاتنا عبر منصّاتٍ مختلفةٍ، كما أنّها تحظى بشراكاتٍ مع جامعاتٍ كبرى في العالم.

وأضاف: ومن أبرز المجالات التي نركّز عليها اليوم توظيف الذكاء الاصطناعيّ. فقد أصبح لدينا اليوم عددٌ من أبرز روبوتات المحادثة الذكيّة؛ بدءًا من روبوت الأحاديث، وصولًا إلى روبوتات متخصّصةٍ في التفاسير والكتب الإسلاميّة. وقد أعددنا مؤخّرًا "روبوت محادثةٍ للحوار مع القائد الشهيد" للعرض، وهو يتيح الوصول إلى آثار سماحته وبياناته في قالب روبوت محادثةٍ تفاعليٍّ.

وأكّد رئيس مركز "نور": كان توفيقنا أنّ القائد الحكيم بيّن آراءه في مختلف الظروف، وهذا تراثٌ يمكن للمستخدمين الحصول على إجاباتٍ لأسئلتهم بلغةٍ طبيعيّةٍ ومستندةٍ إلى آثاره. وقد قُدّم هذا العمل إلى مؤسّسة نشر آثار الثورة الإسلاميّة، وإن شاء اللّه، سيُتاح لعامّة الناس بعد الحصول على الموافقة النهائيّة.

حكاية من اللقاء الأخير مع القائد الشهيد

وأشار حجّة الإسلام والمسلمين بهراميّ إلى حكاية مؤثّرةٍ، قائلًا: في آخر جلسةٍ تشرّفنا فيها بلقائه حضوريًّا، سأل سماحة القائد عن الأنشطة الدوليّة، وروى لنا خاطرةً، قال فيها: «كان لنا ممثّلٌ أكاديميٌّ في السعوديّة؛ ففي إحدى اللقاءات، ذكر لي أنّ بعض أساتذة الجامعة من أهل السنّة هناك قالوا: إنّنا من خلال آثار المركز الذي أسّسه سماحتكم، تعرّفنا على كثيرٍ من أصول الشيعة ومعارفها التي لم نكن نعلم بها من قبل».

واختتم قائلًا: كنّا نطّلع، إلى حدٍّ ما، على ردود الأفعال، بل وعلى حالات استبصار بعض الأشخاص بفضل هذه البرمجيّات، لكن سماع هذه العبارة على لسان سماحة القائد كان بالنسبة إلينا أمرا بالغ الأهمية، وظلّت هذه الخاطرة راسخةً في نفوسنا. ونأمل أن نكون أوفياء للمسيرة التي رسمها سماحته، وأن نواصل، بعون اللّه تعالى، هذا المسار في ظلّ قيادة سماحة آية اللّه السيّد مجتبى الخامنئيّ (حفظه اللّه)، حتّى بلوغ الحضارة الإسلاميّة الحديثة، والتمهيد لظهور الإمام الحجّة (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف).

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرر: أمين فتحيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha