وكالة أنباء الحوزة - في كلمةٍ ألقاها يوم الأربعاء (7 أكتوبر 2026م) خلال درس الخارج في الفقه، شدّد آية اللّه مصطفى الأشرفيّ الشاهروديّ، أحد علماء مدينة مشهد المقدّسة، على أهمّيّة الدور الاجتماعيّ والتربويّ لرجال الدين، قائلًا: إنّ حضور رجل دينٍ ملتزمٍ ومسؤولٍ بين أبناء المجتمع، ولا سيّما في القرى ومختلف التجمّعات، يمكن أن يترك آثارًا تربويّةً واسعةً، إذ لا تملك أيّ فئةٍ في المجتمع هذه القدرة التي يمتلكها رجال الدين على إحداث تحوّلٍ عميقٍ في نفوس الناس من خلال سيرتهم العمليّة وأخلاقهم وسلوكهم.
واستشهد سماحته بآية «النَّفْر» [التوبة: 122]، موضحًا: إذا كان شخصٌ يلتزم بأحكام الدين وتعاليمه حاضرًا بين الناس في بيئةٍ حضريّةٍ أو ريفيّةٍ، وكان، قبل أن يدعو الآخرين إلى الالتزام بالدين، متمسّكًا هو نفسه بالأحكام والتعاليم الإلهيّة، فإنّ سلوكه العمليّ يمكن أن يكون له أثرٌ بالغٌ في نفوس الناس، وأن يهيّئ الظروف لتحوّلهم، ويخلّف آثارًا وبركاتٍ كثيرةً.
وتابع قائلًا: لا يمكن أن نجد في أيّ مكانٍ من العالم طبيبًا أو كيميائيًّا، مهما بلغ من المراتب العلميّة العليا، يكون له في المجتمع، من حيث سيرته العمليّة وأخلاقه وسلوكه، التأثير نفسه الذي يتركه رجل دينٍ ملتزمٌ ربّى نفسه وهذّبها؛ فرجل الدين الذي يؤدّي مسؤوليّته وفق ما تقتضيه آية "النَّفْر" يمكن أن يكون مصدرًا لتحوّلٍ عميقٍ في المجتمع، وقد أدّى الفقهاء هذا الدور على مرّ التاريخ.
العُجب بالنفس؛ آفةٌ تعوق مسيرة الإنسان نحو التكامل المعنويّ
وانتقل آية اللّه الأشرفيّ الشاهروديّ بعد ذلك إلى بحث "حكم العُجب"، محذّرًا من تسلّل نزعة الاستعلاء والعُجب بالنفس إلى الإنسان، وقال: لا ينبغي للإنسان أن يتصوّر لنفسه مكانةً مميّزةً لمجرّد امتلاكه قدرًا محدودًا من المعلومات والمعارف؛ فإنّ "إعجاب المرء بنفسه" من الآفات الخطيرة التي طالما أكّد علماء الأخلاق ضرورة اجتنابها.
وأوضح سماحته أنّ العجب بالنفس يحول دون نموّ الإنسان وتكامله المعنويّ، قائلًا: إنّ هذه الصفة قد تؤدّي بالإنسان حتّى إلى العزلة والانكفاء عن المجتمع، وللأسف، فإنّ أسباب ظهورها تكون أوفر لدى رجال الدين، وتخلّف وراءها آثارً سلبيّةً على المستويين الفرديّ والاجتماعيّ.
واستشهد بروايةٍ نقلها العلّامة الشيخ حرّ العامليّ في المجلّد الأوّل من كتابه "وسائل الشيعة"، ضمن مقدّمات العبادات، في الباب الثالث والعشرين المعنون بـ"تَحْرِيمِ الْإِعْجَابِ بِالنَّفْسِ وَبِالْعَمَلِ وَالْإِدْلَالِ بِهِ"، قائلًا: ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّ اللّه تعالى يقول في شأن بعض عباده المؤمنين: «إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ يَجْتَهِدُ فِي عِبَادَتِي فَيَقُومُ مِنْ رُقَادِهِ وَلَذِيذِ وِسَادِهِ فَيَجْتَهِدُ لِيَ اللَّيَالِيَ فَيُتْعِبُ نَفْسَهُ فِي عِبَادَتِي فَأَضْرِبُهُ بِالنُّعَاسِ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ نَظَراً مِنِّي لَهُ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِ فَيَنَامُ حَتَّى يُصْبِحَ فَيَقُومُ وَهُوَ مَاقِتٌ لِنَفْسِهِ زَارِئٌ عَلَيْهَا وَلَوْ أُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُ مِنْ عِبَادَتِي لَدَخَلَهُ الْعُجْبُ مِنْ ذَلِكَ فَيُصَيِّرُهُ الْعُجْبُ إِلَى الْفِتْنَةِ بِأَعْمَالِهِ فَيَأْتِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ هَلاكُهُ لِعُجْبِهِ بِأَعْمَالِهِ وَرِضَاهُ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ قَدْ فَاقَ الْعَابِدِينَ وَجَازَ فِي عِبَادَتِهِ حَدَّ التَّقْصِيرِ فَيَتَبَاعَدُ مِنِّي عِنْدَ ذَلِكَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ اَلْحَدِيثَ».
وتابع موضحًا: تؤكّد هذه الرواية أنّ الإنسان لا ينبغي أن يُعجب بنفسه، ولا أن يرى لنفسه منزلةً ومكانةً خاصّةً، وكأنّه أصبح شخصيّةً مميّزةً يتعيّن على الآخرين الاعتراف بها ومراعاة مكانتها.
وأشار آية اللّه الأشرفيّ الشاهروديّ إلى ما طرحه آية اللّه الخوئيّ في كتاب "التنقيح" حول هذه المسألة، مبيّنًا: من الصور الشائعة للعجب بين رجال الدين أن يتحدّث الإنسان عن مقدار ما حصّله من العلم والدراسة، وعن مشاركته في دروس بعض الشخصيّات العلميّة المعروفة، ونحو ذلك؛ غير أنّ للعجب صورةً أخرى تتعلّق بعبادة اللّه تعالى، وذلك حين يتصوّر الإنسان أنّه لا يغتاب أحدًا، وأنّه ملتزمٌ بالأخلاق، ويتجنّب المحرّمات، ويحافظ على الصلاة والعبادة والمستحبّات، ثمّ ينتهي به الأمر إلى الاعتقاد بأنّه لم يعد لله تعالى عليه حقٌّ أو أنّه لم يعد مدينًا له بشيءٍ.
وصرّح قائلًا: إنّ هذه الحالة، التي يبالغ فيها الإنسان في تقدير أعماله ويرى نفسه كبيرًا ويميل إلى إظهار ما يقوم به من الأعمال للناس على نحوٍ من التباهي، تُعدّ أمرًا محرّمًا من منظور صاحب «وسائل الشيعة». وعلى الإنسان أن يملك زمام نفسه، وأن يدرك، ولا سيّما وهو بين يدي الله تعالى، أنّه لا شيء، وألّا يتوهّم أنّه قد أكثر من العبادات وأدّى ما عليه، حتّى لم يعد في ذمّته لله تعالى حقٌّ.
وتابع أستاذ البحث الخارج في حوزة خراسان العلميّة: إنّ من أقبح الأحوال أن يقف الإنسان بين يدي الله تعالى وكأنّه صاحب حقٍّ عليه، فيتوهّم أنّه قد أدّى من الطاعة والعبادة أكثر ممّا طُلب منه؛ وإنّ هذه الحال لمن أعظم الآفات التي حذّرت منها الروايات، وقد تمهّد الطريق لنفوذ الشيطان وتمكّنه من الإنسان.
وأشار سماحته مجدّدًا إلى الحديث المذكور، قائلًا: قد يجهد الإنسان نفسه في العبادة، ويتحمّل المشقّة ويقوم ليلًا للعبادة، لكنّ اللّه تعالى قد يسلّط عليه النوم؛ لأنّه لو تُرك وشأنه، فقد يصيبه العُجب ويغترّ بأعماله، ويكون هذا الغرور سببًا في هلاكه.
وأشار آية الله الأشرفيّ الشاهروديّ إلى رأي أستاذه آية الله الخوئيّ في هذه المسألة، موضحًا: إنّه تناول هذه المسألة في عدّة مراحل، فبحث ماهيّة العجب، وأسبابه ومنشأه، وما إذا كان يفضي إلى بطلان العمل أم لا.
وأضاف: إنّ العجب حالةٌ نفسانيّةٌ، وليس عملًا في حدّ ذاته؛ بخلاف بعض الأفعال التي يصدق عليها عنوان "العمل"، ويترتّب عليها أحد الأحكام الشرعيّة الأربعة، كالحلال والحرام. فالأعمال تتعلّق بها التكاليف الشرعيّة، أمّا أمورٌ من قبيل الحسد والعجب، فبما أنّها لا تُعدّ أعمالًا بالمعنى الاصطلاحيّ، فلا يثبت لها، بهذا الاعتبار، حكمٌ شرعيٌّ من الأحكام المتعلّقة بالأعمال.
وتابع: إنّ الصفات النفسانيّة من الأمور الحضوريّة والباطنة، وهي تتشكّل في نفس الإنسان وكيانه وشخصيّته. وإنّ آية اللّه الخوئيّ أيضًا لا يعدّ العجب من الأمور الحصوليّة التي يمكن أن يثبت لها، بهذا المعنى، حكمٌ شرعيٌّ.
وأشار آية الله الأشرفيّ الشاهروديّ إلى أنّ الروايات قدّمت توجيهاتٍ لعلاج هذه الحالات النفسانيّة، مبيّنًا: قد يُصاب الإنسان، بطبيعته، بالحسد عندما يرى نجاح غيره، غير أنّ الروايات بيّنت سبل علاج الحسد والتخلّص منه.
واعتبر سماحته التوسّل بالإمام الرضا (عليه السلام) من الوسائل المؤثّرة في التخلّص من هذه الحالات، موضحًا: إنّ هذه الحالات نفسانيّةٌ، وتكون إلى حدٍّ ما خارجةً عن اختيار الإنسان وإرادته. وفي هذا الخصوص، قد ذكّر آية اللّه الخوئيّ، استنادًا إلى الروايات، بضرورة أن يتفكّر الإنسان في نفسه؛ من هو؟ ومن أين جاء؟ ولماذا جاء؟ وإلى أين سيذهب؟ ثمّ يستحضر عظمة الخالق وضآلة نفسه، ويدرك أنّ كلّ ما لديه إنّما هو من فيض الذات الإلهيّة المتعالية.
وأضاف: يمكن لهذا التفكّر أن يكون من أنجع السبل إلى تهذيب النفس وعلاجها؛ فعلى الإنسان أن يستحضر أنّه كان في وقتٍ ما عدمًا محضًا، ثمّ وهبه الله تعالى العلم والإدراك والكمال، وأنّ جميع ما بلغه من ذلك إنّما هو من عطائه سبحانه. وإنّ استحضار هذه الحقيقة والتفكّر فيها كفيلٌ بأن يصون الإنسان من الوقوع في العُجب بنفسه وبأعماله.
وصرّح آية اللّه الأشرفيّ الشاهروديّ قائلًا: إنّ جهل الإنسان بحقيقة الذات الإلهيّة المتعالية وبحقيقة نفسه يمهّد لوقوعه في العجب، وإنّ استحضار هذه الحقيقة والالتفات إليها يمكن أن يكون سبيلًا إلى علاجه والتخلّص منه.
واعتبر سماحته رفع الجهل بهذه المسألة عاملًا مؤثّرًا في تهذيب النفس وعلاج العجب، وقال: فيما يتعلّق بحكم العجب، قيل إنّ العجب إذا طرأ بعد الفراغ من العمل، فإنّه لا يوجب بطلان العمل؛ أمّا إذا اقترن العجب بالعمل، فقد ذهب بعضهم إلى أنّه يوجب فساده، في حين أنّ آية اللّه الخوئيّ وآخرين نفوا أن يكون العجب موجبًا لفساد العمل حتّى في هذه الصورة.
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرر: أمين فتحيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك