وكالة أنباء الحوزة - خلال الجلسة العشرين والأخيرة من سلسلة "التحدّيات المستجدّة ومتطلّبات المواجهة الفاعلة في الخطوة الثانية للثورة الإسلاميّة" (الجلسة رقم 305 من سلسلة كراسيّ الحوار الحرّ)، التي استضافتها جامعة "طلوع مهر" في مدينة قم المقدّسة، قدّم حجّة الإسلام والمسلمين محسن مهاجرنيا، عضو الهيئة العلميّة في معهد الثقافة والفكر الإسلاميّ، خلاصةً للمباحث السابقة، مبيّنًا المتطلّبات الضروريّة لتجاوز الأزمات المركّبة التي تواجهها البلاد في المرحلة الراهنة.
واستهلّ كلمته بالإشارة إلى التحدّيات النظريّة والمعرفيّة في المجتمع المعاصر، قائلًا: إنّ من أبرز القضايا التي نواجهها اليوم اتّساع الفجوة بين الرواية الكلّيّة ومنظومة المعرفة السائدة، وبين الروايات الجزئيّة ذات الطابع الشخصيّ أو الفئويّ أو السياسيّ. وهذه التباينات والازدواجيّات تتحوّل تدريجيًّا إلى أزماتٍ حقيقيّةٍ، وتفضي إلى حالةٍ من الإرهاق الفكريّ، والشعور بفقدان المعنى، وانتشار النزعة الشكّيّة والنسبويّة الثقافيّة بين أفراد المجتمع.
وأضاف: عندما يتعرّض الخطاب الدينيّ المهيمن لحالةٍ من التآكل أمام الخطابات الفرعيّة الجديدة، فإنّ ذلك يمثّل خطرًا بالغًا. فلا يمكن إدارة مجتمعٍ يعيش في عالمٍ حديثٍ ومتغيّرٍ باستمرارٍ بالاعتماد على نظريّةٍ قديمةٍ، بل نحن بحاجةٍ إلى إنتاج معرفةٍ جديدةٍ وصياغة نظريّاتٍ معاصرةٍ قادرةٍ على الاستجابة لمتطلّبات الواقع وتحوّلاته.
وانتقد النهج الانفعاليّ في الساحة الثقافيّة، موضحًا: في العقد الأوّل من الثورة الإسلاميّة كنّا نتّبع نهجًا هجوميًّا في مواجهة الغرب والعلمانيّة، أمّا اليوم فقد انعكست الأدوار؛ إذ أصبح هؤلاء يبادرون إلى الهجوم وصناعة الروايات، بينما أصبحنا نحن انفعاليّين. وعندما يقع النظام الإسلاميّ في مرمى الهجمات، يهاجمه الأعداء بالصواريخ، ويؤسفنا أنّ بعض أبناء الوطن يوجّهون إليه الضربات بأقوالهم ومواقفهم. وهنا تقع على عاتق النخب من الحوزويّين والجامعيّين مسؤوليّة الحضور في الميدان عبر إنتاج الفكر، إذ إنّ إنتاج الفكر والمعرفة هو الحلّ الأساس.
التحدّي الجيليّ ومواجهة بين "نمطين مختلفين للحياة"
ولفت مدير مركز طلوع مهر لدراسات الثورة الإسلاميّة إلى أنّ المجتمع الإيرانيّ يواجه اليوم "نمطين مختلفين للحياة"، قائلًا: يقف في جانبٍ جيل الثورة الذي شهد مرحلة الدفاع المقدّس التي استمرّت 8 سنواتٍ (الحرب المفروضة مع صدّام حسين 1980-1988م) وتشرّب الثقافة الدينيّة، وفي الجانب الآخر جيلٌ جديدٌ غريبٌ عن الماضي والهويّة التاريخيّة والتجربة المعيشة خلال العقود الأربعة الأولى من الثورة الإسلاميّة.
وأضاف: إنّ الجيل الجديد يمتلك هويّةً سيّالةً؛ فهو يعيش في الحاضر، ويستمدّ خياراته الحرّة من الفضاء الافتراضيّ وشبكات التواصل الاجتماعيّ. وهذه حقيقةٌ لا يمكن إنكارها. وقد أصبح هذا الجيل معرّضًا إلى حدٍّ كبيرٍ للتلاعب بهويّته، بحيث قد يواجه أزمةً بمجرّد دعوةٍ في الفضاء الإلكترونيّ من قبل أشخاصٍ بلا جذورٍ. إنّ تجاهل هذا التحدّي يشبه ذرّ الرماد على النار.
وتابع قائلًا: ليست الحكومة مسؤولةً عن الاقتصاد فحسب، بل إنّ جميع قوانين البلاد، سواءٌ كانت صادرةً عن مجلس الشورى الإسلاميّ أم عن الحكومة، تحتاج إلى ملاحق ثقافيّةٍ وأخلاقيّةٍ وروحيّةٍ. كما ينبغي إعادة بناء ولاء الشعب للمبادئ الثابتة، ولا سيّما في ظلّ تأثّر فضائنا الفكريّ بصورةٍ كبيرةٍ بالفضاء الافتراضيّ والذكاء الاصطناعيّ، إلى الحدّ الذي يمكن وصفه بالتعرّض لغزوٍ ثقافيٍّ صامتٍ.
وأشار هذا الأستاذ الحوزويّ والجامعيّ إلى تراجع فاعليّة ثلاث مؤسّساتٍ رئيسةٍ في عمليّة التنشئة الاجتماعيّة، وقال: لقد فقدت الأسرة اليوم دورها في التنشئة والرقابة، وأصبحت تواجه أزماتٍ من قبيل الطلاق وتغيّر الأدوار الجندريّة. كما تحوّلت مدارسنا وجامعاتنا في الغالب إلى مؤسّساتٍ لإنتاج الشهادات، في حين يركّز العدوّ استثماراته تحديدًا على هذه الفئات العمريّة من طلّاب المدارس.
وأردف: إنّ الثورة الإسلاميّة هي وليدة الحوزة العلميّة، ومن واجب الحوزة أن تواصل دعم وليدها فكريًّا وثقافيًّا.
"الوفاق الوطنيّ"؛ إستراتيجيّةٌ لإدارة التنوّع والتعدّدية في البلاد
واعتبر حجّة الإسلام والمسلمين مهاجرنيا "الوفاق الوطنيّ" حلًّا عمليًّا للعبور من هذه التحدّيات، موضحًا: عندما نواجه مجتمعًا يتّسم بالتعدّديّة ونمطين مختلفين للحياة، فإنّ إدارة هذا التنوّع لا تتحقّق إلّا من خلال الوفاق الوطنيّ. وأضاف: إنّ بعض الجهات في البلاد تتّخذ موقفًا سلبيًّا من مفهوم "الوفاق"، وتعدّه مظهرًا من مظاهر اختراق العدوّ، في حين أنّ المقصود ليس توحيد الناس وصهرهم في قالبٍ واحدٍ، بل إيجاد اتّجاهٍ وطنيٍّ موحّدٍ يجمع الجميع مع الحفاظ على تنوّع الرؤى والاتّجاهات والميول.
وأكّد على ضرورة إعادة بناء الروايات الدينيّة، قائلًا: يجب أن نقدّم فهمًا صحيحًا للدين. فالإمام الحسين (عليه السلام) يمثّل رمزًا للعشق، والمعنويّة، والثورة، ورفض المساومة. وهذه المفاهيم يجب إعادة صياغتها بلغة العصر، وتقديمها إلى المجتمع بروح المحبّة، لا بمجرّد انفعالاتٍ عابرةٍ.
ورأى أنّ تراجع العقلانيّة الجمعيّة وضعف التحزّب يمثّلان تحدّيًا اجتماعيًّا، وقال: إنّ اتّساع الفجوة بين الحكومة والشعب هو أكبر ضربةٍ يمكن أن يتلقّاها أيّ نظامٍ. كما أنّ الإخفاق في توفير الرفاه والأمن والعدالة والأخلاق يؤدّي إلى تراجع ولاء الشعب.
وأضاف: علينا أن نوفّر جاذبيّةً لدرجة أن تجعل نخب العالم الإسلاميّ تقصد إيران، لا أن يهاجر شبابنا بسبب فقدان البرامج والجاذبيّات الخارجيّة.
واعتبر أنّ الحلّ للعبور من هذه الأزمة الاجتماعيّة يكمن في إعادة بناء نموذج "الاتّحاد المقدّس"، قائلًا: لقد شهدنا في مراحل مثل الحرب المفروضة التي استمرّت اثني عشر يومًا نموذجًا من الاتّحاد المقدّس، اصطفّ فيه جميع الإيرانيّين، حتّى بعض أطراف المعارضة المقيمة في الخارج، خلف النظام والقيادة. فينبغي إعادة إحياء هذا النموذج وتعميمه على مختلف مجالات الحوكمة.
الحرب المركّبة؛ صراعٌ على الوجود والهويّة
وتطرّق رئيس مركز طلوع مهر لدراسات الثورة الإسلاميّة إلى طبيعة الحرب الراهنة، وقال: إنّنا نواجه اليوم حربًا مركّبةً ووجوديّةً شاملةً. فالعدوّ لم يعد يطمح إلى احتلال الأرض فقط، بل أصبح يستهدف هويّة إيران ووجودها.
وأضاف: في هذه الحرب، تُعدّ معركة الروايات أشدّ فتكًا من المواجهة العسكريّة. فالعدوّ يستعين بالمرتزقة المأجورين لترويج العريّ واستهداف ثقافة البلاد، كما يستفيد للأسف من الروايات التي يروّج لها بعض الجامدين والمتشدّدين في الداخل الذين يخلقون المشكلات للبلاد دون وعيٍ.
وفي ختام كلمته، شدّد حجّة الإسلام والمسلمين مهاجرنيا على ضرورة التخطيط الذكيّ، وقال: إنّ البلاد بحاجةٍ إلى عيونٍ يقظةٍ تخطّط في جميع هذه المجالات. إنّ بقاء راية البلاد مرفوعةً لا يتحقّق إلّا إذا استند إلى رصيدٍ فكريٍّ ومعرفيٍّ وإلى حبٍّ راسخٍ للهويّة الوطنيّة والدينيّة وإلّا فإنّ مجرّد هبوب ريحٍ معاكسةٍ قد يدفع حتّى حَمَلة الراية إلى تغيير مسارهم.


لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرّر: حسن رحمانيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك