الأحد 1 يناير 2017 - 07:40
مصدر الحبّ الإلهيّ وتداعيات تأثيره

وكالة الحوزة ـ كتب مدير معهد المعارف الحكميّة سماحة الشيخ شفيق جرادي مقالاً تحت عنوان "الحبّ الإلهيّ"، تطرق فيه إلى مفهوم الحب من مختلف الزاويا، وناقش في قسم منه " مصدر الحبّ الإلهيّ وتداعيات تأثيره".

وكالة أنباء الحوزة ـ كتب مدير معهد المعارف الحكميّة سماحة الشيخ شفيق جرادي مقالاً تحت عنوان "الحبّ الإلهيّ"، تطرق فيه إلى مفهوم الحب من مختلف الزاويا، وناقش في قسم منه "مصدر الحبّ الإلهيّ وتداعيات تأثيره"، وفيما يلي نعرض بين أيديكم نص المقال:

يمكن القول، بموضوعيّة، إنّ الدعاء خطاب إنسانيّ يخرج من واقع بشريّ نزّاع نحو القداسة الإلهيّة والذات الربّانيّة. وكأيّ خطاب نريد معالجته، فإنّ علينا تحديد الهدف المركزيّ لهذا الخطاب الدعائيّ، لما لذلك من دور في معرفة قطب المعنى في مضامين الخطاب.

ومثل هذا التحديد تزداد الحاجة إليه حينما نكون في مثل حالتنا أمام خطاب متنوّع باهتماماته، فهو يرتبط بمصدر الوجود والحياة، وبالدين وأحكامه، وبالطبيعة في سمائها وأرضها وشمسها ونجومها وقمرها... وبحالات الغنى والفقر، والحزن والفرح، وبالوجدان وما يختلج فيه..

إنّ مثل هذا الانتشار لحركة الخطاب الدعائيّ يستدعينا أن نحدّد المحور المركزيّ في اهتماماته وهدفه.. وفي ظنّي أنّه يتعلّق بشكل مباشر في التوبة ودواعيها ومؤثّراتها. كما ويتطلّع نحو هدف مركزيّ هو نيل الحبّ الإلهيّ.

أمّا بالنسبة لمحوريّة التوبة في الدعاء، ففضلًا عن كونه أمرًا ملحوظًا ومقصودًا عند كلّ خطاب دُعائيّ، فهو تعبير عن إحساس بالغربة يعيشه الداعي عن مصدر وجوده وحقيقته، فيعمل على الإياب والعودة إلى حيث كان أو ينبغي أن يكون.. إنّ التوبة رجوع إنسانيّ إلى مصدر القداسة، رجوع إلى الصواب بعد الخطأ، وإلى المغفرة والفضل بعد الذنب والكفر، وإلى السموّ بعد التسافل. بتعبير جامع يمكن القول: إنّ التوبة هي إحساسٌ عميق بعظيم أثر هجران رحمة الله ممّا يستدعي النية والعزم وبذل الجهد للعودة المنصوح نحو التوطّن بمقام القرب الإلهيّ. لذا، كان أفضل سُبُل التوبة هي تلك النابعة من حبّ الله والقاصدة مقام المحبّين. ومن هنا تضافرت الأدعية مع الروايات والآيات على تسمية أهل التوبة (بأحباب الله).

وهو ما نصّ عليه دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام (في الاشتياق إلى طلب المغفرة) بالقول: "وصيِّرنا إلى محبوبك من التوبة"[1]، ثمّ يقول: "فأيّدنا بتوفيقك، وسدِّدنا بتسديدك، واعم أبصار قلوبنا عمَّا خالف محبّتك"[2].

فالمطلوب هو توبة قائمة على الحبّ، لأنّ أصل التوبة وسيلة حبّ إلهيّ للعباد. ويذكر عليه السلام في (ذكر التوبة وطلبها): "وقد قلت يا إلهي في مُحكم كتابك أنّك تقبل التوبة عن عبادك، وتعفو عن السيئات، وتحبُّ التوّابين، فاقبل توبتي كما وعدت، واعفُ عن سيئاتي كما ضمنت، وأوجب لي محبّتك كما شرطت"[3].

فالدعاء هنا، نابع ممّا ورد في القرآن الكريم من كون الله يقبل توبة التائب ويثيبه الصفح والتسامح والعفو عن سيئاته، ثمّ يرفع له الدرجات بأن يجعله في مقام (أحباب الله). مما يستدعي توجّه الداعي إلى ربّه برجاء قبول التوبة واستيجاب المحبّة؛ لأن الداعي يعرف أنّ من أوجب الله له محبّته، أحدث فيه تغييرًا في حقيقة واقع قلبه بأن أعاده إلى فطرة الإخلاص ورفعة التسامي الذي كان له قبل وقوع الذنب.

وبالمناسبة هنا، فإنّ التوبة هي سدُّ نقصٍ طرأ بالذنب على الإنسان وإعادة لأصالة الغنى الفطريّ الذي جعله الله سبحانه عليه حينما خلقه. فليس الأصل في الإنسان المعصية والرجس، بل الطهارة والعصمة اللذان يخرقهما كسب السوء بفعل ضجيج الحياة وهوى النفس. من هنا، يلجأ التأنيب دومًا إلى حصن الله الحافظ له راجيًا قائلًا: "اللهمّ وإني أتوب إليك من كلّ ما خالف إرادتك أو زال عن محبّتك، من خطرات قلبي ولحظات عيني وحكايات لساني"[4].

وإلّا فإنّ الإنسان في أصل ذاته مُدرك مستوى الفضل الإلهيّ، وأنّ الأنعم الإلهيّة فيّاضة عليه دومًا حدوثًا واستمرارًا.. إلّا أنّ المضلّات من الأمور وقطّاع الطرق إلى الله هم من يحدثون انحراف الهجران والغربة "فكلّ البريّة معترفةٌ بأنك غير ظالم لمن عاقبت، وشاهدةٌ بأنّك متفضّل على من عافيت، وكلٌ مقرٌ على نفسه بالتقصير عمّا استوجبت، فلولا أنّ الشيطان يختدعهم عن طاعتك ما عصاك عاصٍ، ولولا أنّه صوّر لهم الباطل في مثال الحقّ ما ضلَّ عن طريقك ضال"[5].

وبنفس السياق من أصالة السموّ والقداسة في خلق الإنسان يقول الإمام زين العابدين عليه السلام في دعاء يوم عرفة: "اللهمّ وأنا عبدك الذي أنعمت عليه قبل خلقك له، وبعد خلقك إياه، فجعلته ممن هديته لدينك، ووفّقته لحقّك، وعصمته بحبلك"[6].

هذا واقع الإنسان حسب رؤية الأدعية الإسلاميّة.. إلّا أنّه متعرّض لخطر انزلاق ثانٍ نابع من غير الشيطان، وهو هنا الدنيا وهوى الميل إليها.. "وانزع من قلبي حبّ دنيًا دنيّة تنهى عمّا عندك، وتصدُّ عن ابتغاء الوسيلة إليك، وتُذهل عن التقرّب منك، وزيِّن لي التفرّد بمناجاتك في الليل والنهار"[7].

ولو أردنا البحث عن الأثر المركزيّ الذي يحدثه قاطع الطريق إلى الله بألوانه وأشكاله التي تارةً هي الدنيا الدنيّة، وتارةً الشيطان، أو الهوى.. لوجدنا أنّه (موت القلب). من هنا، فإنّ طلب التوبة إنّما لغاية هي تحقيق (إحياء القلب)؛ والقلب، كما أشرنا سابقًا حسب الروايات، (حرم الله، وعرش الرحمن...).

عليه، فإنّ الإمام زين العابدين عليه السلام يقول في المناجاة الأولى الواردة في الصحيفة السجاديّة تحت عنوان (مناجاة التائبين): "إلهي ألبستني الخطايا ثوب مذلّتي، وجلّلني التباعد منك لباس مسكنتي، وأمات قلبي عظيم جنايتي، فأحيه بتوبة منك يا أملي وبغيتي، ويا سؤلي ومُنيتي، فوعزّتك ما أجد لذنوبي سواك غافرًا، ولا أرى لكسري غيرك جابرًا [إلى أن يقول عليه السلام] لك العُتبى حتى ترضى"[8].

فهو هنا، يعترف أنّ موت القلب كان نتيجة الذنب وما كسبت أيدي الناس من عظيم الجناية، وهي التي تأتي على صهوة الخطايا فتُلبسهم المذلّة، وتحلُّ بظلام التباعد فتوقعهم بالمسكنة والقلق والضياع لأنّها الهجران بعينه، وما بين المسكنة والمذلّة موت القلب الذي لا حياة له إلّا بالتوبة إلى الله الذي هو أمل الإنسان وبغية النور في حياته، وهو حقيقة حاجته وأمنياته الذي إذا حلَّ في قلب المرء عفا وغفر، وتاب وجبر الكسر الذي ضيّع فيه المرء مغزى وجوده.

والتوبة الحبيبة تحتاج عند الإمام زين العابدين عليه السلام برهان على صدق الحبّ يكمن في أمرين هما:

الأمر الأوّل: التبرّي من كلّ ضعة؛ وهي التي يُعبِّر عنها الدعاء بالندامة.

الأمر الثاني: التولّي الذي يقوم على العزم في الحب بمقتضياته: "فصلِّ على محمّد وآله، واجعل ندامتي على ما وقعتُ فيه من الزلّات، وعزمي على ترك ما يعرض لي من السيئات، توبة توجب لي محبّتك يا محبّ التوّابين"[9].

وهكذا، فإنّ هذه الموجبات والمستلزمات من التوبة، إنما تُدلف بنا نحو العمق الأبعد في الخطاب الدُعائي الباني لشخصيّة أهل الإيمان؛ وهو الحبّ الإلهيّ. ممّا يدعونا للبحث بدقّة على معنى الحبّ وموقعه ومظاهره في الحياة الإيمانيّة، والأهم في الرؤية الإسلاميّة البانية للسلوك الإنسانيّ.

وممّا لا شكّ فيه، أنّ المناجاة والأدعية على تعداد اهتماماتها وأسبابها ومجالاتها إنّما تنطلق من ثقة المحبّ (الداعي) بحبيبه (المدعو).. وهي تستهدف تأكيد الحبّ وتعميقه، بحيث ما من سؤال أو طلب إلّا وينبع من مضمون الحبّ الإلهيّ ويستهدفه.. وعلينا هنا أن نفرِّق في الأدعية والمناجاة بين أمرين لطالما كانا يختلطان عند الدارسين... وهما: السؤال، والطلب.. إذ يعتقد كثيرون أنّ الدعاء هو الطلب فقط؛ وحقيقة الأمر أنّ الطلب أساسيّ ومركزيّ في فقرات ونصوص الأدعية، لأنّ الإنسان يضع حاجته عند مولاه، وهو يبثّ بين يديه وفي محضره همومه وفرحه ورجاءاته ومخاوفه طالبًا العون والسند في عظيم الأمور وتفاصيلها أحيانًا..

لكن هذا الطلب إنّما ينطلق من مضمون روحيّ ورؤية معرفيّة يمكننا أن نسمّيها بـ "سؤال الحال"؛ وأقصد به أنّ تعبير الإنسان عن ذاته تارة يكون لفظيًّا، وأخرى قلبيًّا يكشف فيه عمّا يخالج ضميره، وثالثة أحواليًّا يتعلّق بذات الإنسان في جوهرها وعوارضها وعند حركتها وسكونها. فإذا ما وصل خطاب الداعي إلى (الحال الذاتيّ) فإنّه يتوجّه إلى الله بالسؤال.. مثلًا "اللهمّ إنّي أسألك باسمك العظيم الأعظم...".

وفي السؤال يُظهر الداعي تمام رؤيته ومعرفته بالله، مصدر وجوده وحقيقة معناه. كما يُظهر قناعته بنفسه من الفقر والحاجة الذاتيين.

وقد عبَّر الإمام زين العابدين عليه السلام عن هذا المضمون في دعاء الإلحاح على الله بالقول: "سبحانك أخشى خلقك لك أعلمهم بك، وأخضعهم لك أعملُهُم بطاعتك، وأهونهم عليك من أنت ترزقه وهو يعبد غيرك"[10].

فأصحاب الخشية؛ والخشية هي تعبيرٌ عن أصحاب المهابة من العظمة الإلهيّة؛ هم أعلم الناس بالله سبحانه؛ لأن شرط المهابة والخشية معرفة حقيقة العظمة الإلهيّة. وبالتالي فالعلم هنا، ينفذ نحو الذات الإلهيّة والذات الإنسانيّة، وهو ما ينعكس خضوع حال عند العاملين بالطاعة لا بالإكراه. والطاعة صفة الواثق، بينما المُكره صفة العبد المضطر ولو عن غير قناعة.

وسؤال الحال يفرز ذكرًا لأسماء وصفات الله، كما يلتجئ إلى سنن الله وعاداته في خلقه، ومن ذلك ما ذكره الإمام زين العابدين عليه السلام في دعاء (يوم الفطر): "يا من يرحم من لا يرحمُه العباد، ويا من يقبل من لا تقبله البلاد، ويا من لا يحتقر أهل الحاجة إليه، ويا من لا يُخيِّب الملحّين عليه، ويا من لا يجبه بالردّ أهل الدالّة عليه، ويا من يجتبي صغير ما يُتحف به، ويشكر يسير ما يُعمل له. ويا من يشكرُ على القليل، ويجازي بالجليل. ويا من يدنو إلى من دنا منه، ويا من يدعو إلى نفسه من أدبر عنه. ويا من لا يغيِّر النعمة، ولا يبادر بالنقمة، ويا من يثمر الحسنة حتى يُنمّيها، ويتجاوز عن السيئة حتى يُعَفّيها"[11].

ويطلق الإمام زين العابدين عليه السلام على كلّ ذلك اسم الإحسان "عادتك الإحسان إلى المسيئين"[12]؛ والعادة هي السنّة والأصل الباني. فإن كانت سنّته الإحسان؛ أي العطاء بلا حساب فمن طبيعتها أن تشمل حتى أهل الإساءة.. وهنا يتبلور مفهوم الحبّ الإلهيّ بالرحمة، إذ الرحمة هي حبّ متعدٍّ للآخرين بلا شروط مسبقة إلّا بشرط القبول إذا ما وصل إلى كمالاته.. بمعنى أنّ إحسان الرحمة للجميع تأسيسًا اسمه "الرحمن" وهو يطال الخيِّرين وغيرهم.. أما إحسان الرحمة في كمالاته فتسميته "الرحيم"، وهو ما يوصل إلى مقامات القرب من الله وشرطه قبول الذات الإنسانيّة في إفرادها به.. فكمالات الحبّ الإلهيّ إنّما تتبدّى عند من لبس ثوب الرحمة الإلهيّة فيعفو عن الناس، كما يعفو الله  عنه، ويغفر ويصفح ويسامح، كما الله عادته التسامح والصفح والغفران.. وكلّ ذلك ينبغي أن يكون عن اقتدار كما الله القادر وهو مضمون معنى الحديث القدسيّ "عبدي أطعني تكن مَثَلي أنا أقول للشيء كن فيكون, وأنت تقول للشيء كن فيكون".

ثمّ إنّ الفارق بين دعاء الطلب، ودعاء سؤال الحال. أنّ الأوّل يُرجى منه الجزاء المباشر كدفع المصائب وطول العُمُر وسِعة الرزق وغفران الذنب.. وغير ذلك. أمّا الثاني، فيُرجى به المعرفة والقرب ولذيذ الأنس والحب، وقد لا يصدر عن توقّع جزاء "قد ترى يا إلهي فيض دمعي من خيفتك، ووجيب قلبي من خشيتك، وانتفاش جوارحي من هيبتك، كلّ ذلك حياءً منّي لسوء عملي، ولذلك خمد صوتي عن الجأر إليك، وكلّ لساني عن مناجاتك"[13].

فحال الداعي يسأل رغم أنّه لا يطلب، بل رغم أنّه يعتقد عدم استحقاقه التقدّم إلى الله سبحانه بأيّ طلب "يا إلهي لو بكيت حتّى تسقط أشفار عينيّ، وانتحبت حتّى ينقطع صوتي، وقمتُ لك حتّى تتنشّر قدماي، وركعت لك حتّى ينخلع صلبي، وسجدت لك حتّى تتفقّأ حدقتاي، وأكلت تراب الأرض طول عمري، وشربت ماء الرماد آخر دهري، وذكرتك في خلال ذلك حتّى يكلّ لساني ثمّ لم أرفع طرفي إلى السماء استحياءً منك ما استوجبت بذلك محو سيئة واحدة من سيئاتي"[14]. إذن، ليس حال الداعي هنا يستجلب جزاءً كعبادة التجار وأهل الرغبة، بل هو حال المحبّ المقرّ الذي رغم علمه ما هو عليه، فإنّه يتوجّه بحبّه إلى مقصده ومن يدعوه، حتّى إذا ما عاد وطلب منه أمرًا فعن معرفة وحبٍّ لا عن طمع وخوف إكراهيّ "إلهي فصلِّ على محمّد وآله ولا تُعرض عنّي وقد أقبلتُ عليك، ولا تحرمني وقد رغبت إليك، ولا تَجْبَهْنِي بالردّ وقد انتصبت بين يديك. أنت الذي وصفت نفسك بالرحمة فصلّ على محمّد وآله وارحمني، وأنت الذي سمّيت نفسك بالعفو فاعفُ عنّي"[15].

فمن الملحوظ هنا قوله: "وصفت نفسك بالرحمة... فارحمني" ممّا يكشف عن صنف من الأدعية الأصل فيه ذكر الأسماء والتوسّل بها، وهو المقصود بسؤال الحال. ولعلّ من الأدعية النموذجيّة في هذا المجال (دعاء البهاء).

 

مصدر الحبّ الإلهيّ وتداعيات تأثيره

إذا كانت الفلسفات العرفانيّة اعتبرت أنّ مصدر الحبّ الإلهيّ هو حبّ الله لذاته. فإنّ النصوص والأدعية تأخذنا إلى أنّ مصدر آخر لمعرفتنا بالحبّ الإلهيّ هو خلْق الإنسان وخُلُق الرسل والأنبياء والأولياء، "ابتدع بقدرته الخلق ابتداعًا، واخترعهم على مشيته اختراعًا، ثمّ سلك بهم طريق إرادته، وبعثهم في سبيل محبّته"[16].

ثمّ إنّه عليه السلام يورد أنّ الذات النبويّة تنطوي في جوهرها على الحبّ الإلهيّ كما أورده في دعاء (في الصلاة على أتباع الرسل ومصدّقيهم) "كانوا منطوين على محبّته يرجون تجارة لن تبور في مودّته"[17].

ممّا ينقلنا في معالجة ومعرفة الحبّ الإلهيّ من أفق الذات الإلهيّة التي إنّما نعرفها بصفة الرحمة "الرحمن الرحيم" إلى أفق الذات الإنسانيّة الكاملة لنبيّ الرحمة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي وسمته الأدبيّات الإسلاميّة باسم "حبيب الله". فتمامّ الحبّ الإلهيّ إنّما يتجلّى ويُعرف بذات الحبيب محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهذا ما سبق أن أشرنا إليه بالآية القرآنيّة من قول الله للنبيّ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ[18].

فالحبّ ليس مجرّد تأمّلات أو محض أحاسيس.. إنّ الحبّ كلّ ذلك، وإضافة لذلك هو سلوك (اتبعوني) إيمانيّ حياتيّ. يبدأ من القلب ويتظهّر في الجوانح والجوارح وناظم العلاقات. وأوّل الخطو فيه يقظةٌ تستدعي توبة "وصيّرنا إلى محبوبك من التوبة"[19]. ثمّ استغراقٌ في حبّ الله "واشغل قلوبنا عن كلّ ذكر، وألسنتنا بشكرك عن كلّ شكر، وجوارحنا بطاعتك عن كلّ طاعة"[20]، ثمّ اتباع والتزام معيار الرضا الإلهيّ "وحبّب إليّ ما رضيت لي ويسّر لي ما أحللتَ بي"[21]، ثمّ إحساس بالاستقرار في موطن القرب الإلهيّ ممّا يُكسب المرء القوّة على مواجهة بلاءات الدنيا "يا أنس كلّ مستوحش غريب، ويا فرج كلّ مكروب كئيب، ويا غوث كلّ مخذول فريد، ويا عضد كلّ محتاج طريد، أنت الذي وسِعتَ كلّ شيء رحمةً وعلمًا"[22]. "اللهمّ صلّ على محمّد وآله وفرِّغ قلبي لمحبّتك واشغله بذكرك، وانعشه بخوفك وبالوجل منك، وقوِّه بالرغبة إليك، وأمّله إلى طاعتك، وأجر به في أحبّ السُبُل إليك"[23].

"واجعل في ما عندك رغبتي، شوقًا إلى لقائك"[24].

فحينما يصبح الله هو المأوى ويُلهب الحبّ الشوق إلى لقائه سبحانه بعد أن انتعش القلب بالوجل من الله وقوّي بالرغبة إليه.. فإنّ إحساس الأمان يزداد عند الإنسان، إذ "أنت إلهي مفزعي وملجئي والحافظ لي والذابّ عني، المتحنِّن عليّ، الرحيم بي، المتكفّل برزقي، في قضائك كان ما حلّ بي، وبعلمك ما صرتَ إليه"[25].

هذا الحبّ المولّد للطمأنينة ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[26]، والأمان النفسيّ والاجتماعيّ، إذ الملجأ والمفزع والحافظ والمدافع والمتحنّن هو الله الذي بيده مقاليد كلّ الأمور، والذي هو في الأرض إله، وفي السماء إله، الرحيم بعباده، والذي كفل رزق المتوكّلين عليه فلا يخافون جور الزمان، ولا ظلم الناس، بل إنّ مستوى الحبّ يوصل هذا المرء لنحو من الاستقرار، بحيث لو تكالبت عليه الدنيا بما فيها فإنّه ثابت لا يتزعزع ليقينه النابع من الحبّ أنّ مجريات الأمور إنّما تحصل بعلم الحبيب سبحانه وقضائه...والله لن يخير لأحبايه إلّا الخير.

من هنا، يأخذ الحبّ بأمل الإنسان ورجاءاته نحو طلب الفرح من عند الله "فهب لي يا إلهي فرحًا بالقدرة التي تحيي بها ميت البلاد، وبها تنشر أرواح العباد، ولا تهلكني، وعرِّفني الإجابة يا ربّ، وارفعني ولا تضعني، وانصرني وارزقني وعافني من الآفات"[27].

فرح متولّد من القدرة الإلهيّة التي تلبس من تحلّ عليه كلّ مفاخر القوّة والعزّة من الحياة، وإجابة الحاجات والرفعة في الدنيا والنصرة في مواقف الشدّة ونيل الرزق والترفّع عن الحاجة للناس ولبوس العافية من كلّ سوء ومكروه.. وهذا ما يرسم أمام الداعي أمل لا يموت ولا ينقهر في مصائر الحياة الدنيا والآخرة. "إلهي أتراك بعد الإيمان بك تعذِّبني، أم بعد حبّي إيّاك تبعِّدني"[28]. "وها أنا متعرّض لنفحات روْحك وعطفك ومنتجع غيب جودك ولطفك، فارٌّ من سخطك إلى رضاك، هاربٌ منك إليك"[29]. وهو ما يقتضي شكر المنعم الذي إذا ما بلغ حدًّا لا نهاية له صار الشكر حمدًا إذا انتقل فيه الداعي من ذكر موارد الطلب بالشكر إلى لسان الحال بالحمد. "إلهي تصاغر عند تعاظم آلائك شكري، وتضاءل في جنب إكرامك إياي ثنائي ونشري [...] ونعماؤك كثيرة قصر فهمي عن إدراكها فضلًا عن استقصائها، فكيف لي بتحصيل الشكر، وشكري إيّاك يفتقر إلى شكر فكلّما قلت لك الحمد وجب علي لذلك أن أقول لك الحمد"[30].

ومن وجوه أحوال الشاكرين المحبّين أن ينقلبوا إلى الناس بخُلُق ما انطوى عليه الأنبياء من فطرة حبّ الناس والصفح عنهم، وتقديم كلّ وجوه الإيثار في سبيل معونتهم وهدايتهم. ومواصفات هذه الشخصيّة ذكرتها أدعية الصحيفة السجاديّة، ونحن هنا نورد بعضها، ونحيل أكثرها إلى دعاء مكارم الأخلاق لمن أراد متابعتها... ومن هذه الأمور.

  1. "أبدلني من بغضة أهل الشنآن المحبّة".
  2. "ومن حسد أهل البغي المودّة".
  3. "ومن ظنّة أهل الصلاح الثقة".
  4. "ومن عداوة الأدنين الولاية".
  5. "ومن عقوق ذوي الأرحام المبرّة".
  6. "ومن خذلان الأقربين النصرة".
  7. "وسدِّدني لأن أعارض من غشني بالنصح".
  8. "وأثيب من حرمني بالبذل".
  9. "وأن أشكر الحسنة واغضي عن السيئة".

وهذه مقاطع من دعائه عليه السلام إذا ذكر الشيطان.. أمّا مجموع هذه الخصائص فيمكن كما أسلفت مراجعتها بدعاء طويل للإمام زين العابدين عليه السلام موجود في الصحيفة السجاديّة، كما يمكن متابعته في رسالته عليه السلام الموسومة برسالة الحقوق.. أمّا نحن هنا، فسنورد أمرين هامّين في ختام هذا المبحث:

الأمر الأوّل: أنّ كلّ هذا الحراك الأخلاقيّ الإيمانيّ المبنيّ على الحبّ فإنّما يصدر من رؤية إسلاميّة مفادها أنّ الإنسان هو مستودع سرّ الله، ومعرفة الإنسان توصلنا لمعرفة الله وصفاته سبحانه.. وحبّ الإنسان الكامل أو العارف لله إنّما هي السبيل لمعرفة الحبّ الإلهيّ؛ ممّا يعني أنّ موقف العداء من الإنسان هو موقف عداء لله وبمواجهة الله سبحانه.

فبالمحبّة خير الدنيا والآخرة "وانهج إلى محبتك سبيلًا سهلةً أكمل لي بها خير الدنيا والآخرة"[31]. وما الدنيا والآخرة وكلّ شؤونهما في نظر أحبّاء الله إلّا الحبّ لله "ولا تقطعني عنك، ولا تبعدني منك يا نعيمي وجنّتي، ويا دنياي وآخرتي، يا أرحم الراحمين"[32].

من هنا كانت مناجاة العارفين،  وممّا فيها "إلهِي فَاجْعَلْنا مِنَ الَّذِينَ تَرَسَّخَتْ أَشْجارُ الشَّوقِ إلَيْكَ فِي حَدآئِقِ صُدُورِهِمْ... إلى قوله: وَقَرَّتْ بِالنَّظَرِ إلى مَحْبُوبِهِمْ أَعْيُنُهُمْ، وَاسْتَقَرَّ بِإدْراكِ السُّؤْلِ وَنَيْلِ الْمَأْمُولِ قَرَارُهُمْ".

وهذا يشير بوضوح إلى قيام الرؤية الإسلاميّة للحبّ على قاعدة المعرفة الواصلة بين حقيقة الإنسان والذات الإلهيّة في مسارات الحياة وسيرورة الوجود.

الأمر الثاني: إنّ من الصفات النموذجيّة لمثال الحبّ الإلهيّ ما ورد في مناجاة المحبّين، ونحن هنا سنثبتها دون أيّ تحليل لوضوحها وارتكازها على مجمل ما سبق أن أوردناه في هذا المبحث:

" 1. إلهِي مَنْ ذَا الَّذِي ذَاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ، فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي أَنِسَ بِقُرْبِكَ، فَابْتَغَى عَنْكَ حِوَلاً؟

2 ـ إلهِي فَاجْعَلْنا مِمَّنِ اصْطَفَيْتَهُ لِقُرْبِكَ وَوِلايَتِكَ، وَأَخْلَصْتَه لِوُدِّكَ وَمَحَبَّتِكَ، وَشَوَّقْتَهُ إلى لِقَآئِكَ، وَرَضَّيْتَهُ بِقَضآئِكَ، وَمَنَحْتَهُ بِالنَّظَرِ إلى وَجْهِكَ، وَحَبَوْتَهُ بِرِضاكَ، وَأَعَدْتَهُ مِنْ هَجْرِكَ وَقِلاكَ، وَبَوَّأْتَهُ مَقْعَدَ الصِّدْقِ فِي جَوارِكَ، وَخَصَصْتَهُ بِمَعْرِفَتِكَ، وَأَهَّلْتَهُ لِعِبادَتِكَ، وَهَيَّمْتَ قَلْبَهُ لإرادَتِكَ، وَاجْتَبَيْتَهُ لِمُشاهَدَتِكَ، وَأَخْلَيْتَ وَجْهَهُ لَكَ، وَفَرَّغْتَ فُؤادَهُ لِحُبِّكَ، وَرَغَّبْتَهُ فِيمَا عِنْدَكَ، وَأَلْهَمْتَهُ ذِكْرَكَ، وَأَوْزَعْتَهُ شُكْرَكَ، وَشَغَلْتَهُ بِطاعَتِكَ، وَصَيَّرْتَهُ مِنْ صالِحِي بَرِيَّتِكَ، وَاخْتَرْتَهُ لِمُناجاتِكَ، وَقَطَعْتَ عَنْهُ كُلَّ شَيْء يَقْطَعُهُ عَنْكَ.

3 ـ أَللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ دَأْبُهُمُ الارْتِياحُ إلَيْكَ وَالْحَنِينُ، وَدَهْرُهُمُ الزَّفْرَةُ وَالأَنِينُ، جِباهُهُمْ سَاجِدَةٌ لِعَظَمَتِكَ، وَعُيُونُهُمْ ساهِرَةٌ فِي خِدْمَتِكَ، وَدُمُوُعُهُمْ سآئِلَةٌ مِنْ خَشْيَتِكَ، وَقُلُوبُهُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحَبَّتِكَ، وَأَفْئِدَتُهُمْ مُنْخَلِعَةٌ مِنْ مَهابَتِكَ، يا مَنْ أَنْوارُ قُدْسِهِ لأَبْصارِ مُحِبِّيهِ رآئِقَةٌ، وَسُبُحاتُ وَجْهِهِ لِقُلُوبِ عارِفيهِ شآئِقَةٌ، يا مُنى قُلُوبِ الْمُشْتاقِينَ، وَيا غَايَةَ آمالِ الْمُحِبِّينَ أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ كُلِّ عَمَل يُوصِلُنِي إلى قُرْبِكَ، وَأَنْ تَجْعَلَكَ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا سِواكَ وَأَنْ تَجْعَلَ حُبِّي إيَّاكَ قآئِداً إلى رِضْوانِكَ، وَشَوْقِي إلَيْكَ ذآئِداً عَنْ عِصْيانِكَ، وَامْنُنْ بِالنَّظَرِ إلَيْكَ عَلَيَّ، وَانْظُرْ بِعَيْنِ الْوُدِّ وَالْعَطْفِ إلَيَّ، وَلا تَصْرِفْ عَنِّي وَجْهَكَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَهْلِ الإِسْعادِ وَالْحُظْوَةِ عِنْدَكَ، يا مُجِيبُ، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".

 

[1] الصحيفة السجّاديّة الكاملة (ويليها نصّ رسالة الحقوق)، مصدر سابق، "من دعائه عليه السلام في الاشتياق إلى طلب المغفرة"، الصفحة 74.

[2] المصدر نفسه، الصفحة 75.

[3] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام في ذكر التوبة وطلبها"، الصفحة 162.

[4] المصدر نفسه، الصفحة 163.

[5] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام في الاعتراف بالتقصير عن تأدية الشكر"، الصفحة 187.

[6] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام في يوم عرفة"، الصفحة 252.

[7] المصدر نفسه، الصفحتان 258 و259.

[8] المصدر نفسه، "مناجاة التائبين"، الصفحات 329 إلى 331.

[9] المصدر نفسه، من دعائه عليه السلام في الاعتذار من تبعات العباد ومن التقصير في حقوقهم وفي فكاك رقبته من النار"، الصفحة 192.

[10] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام في الإلحاح على الله"، الصفحة 290.

[11] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام في يوم الفطر"، الصفحتان 235 و236.

[12] المصدر نفسه، الصفحة 237.

[13] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام إذا استقال من ذنوبه"، الصفحة 97.

[14] المصدر نفسه، الصفحتان 99 و100.

[15] المصدر نفسه، الصفحتان 96 و97.

[16] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام في التحميد لله والثناء عليه"، الصفحة 37.

[17] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام في الصلاة على أتباع الرسل ومصدّقيهم"، الصفحة 55.

[18] سورة آل عمران، الآية 31.

[19] الصحيفة السجّاديّة الكاملة (ويليها نصّ رسالة الحقوق)، مصدر سابق، "من دعائه عليه السلام في الاشتياق إلى طلب المغفرة"، الصفحة 74.

[20] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام بخواتيم الخير"، الصفحة 78.

[21] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام إذا مرض أو نزل به كربٌ أو بليّة"، الصفحة 94.

[22] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام إذا استقال من ذنوبه"، الصفحة 95.

[23] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام إذا أحزنه أمر وأهمّته الخطايا"، الصفحتان 123 و124.

[24] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام في استكشاف الهموم"، الصفحة 296.

[25] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام في الكرب والإقالة"، الصفحة 308.

[26] سورة الرعد، الآية 28.

[27] الصحيفة السجّاديّة الكاملة (ويليها نصّ رسالة الحقوق)، مصدر سابق، "من دعائه عليه السلام ممّا يحذره ويخافه"، الصفحة 310.

[28] المصدرنفسه، "مناجاة الخائفين"، الصفحة 335.

[29] المصدرنفسه، "مناجاة الراغبين"، الصفحة 342.

[30] المصدرنفسه، "مناجاة الشاكرين"، الصفحتان 345 و346.

[31] المصدر نفسه، "من دعائه عليه السلام في مكارم الأخلاق ومرضيّ الأفعال"، الصفحة 119.

[32] المصدر نفسه، "مناجاة المريدين"، الصفحة 353.

تعليقك

You are replying to: .
captcha