وكالة أنباء الحوزة ـ كتب مدير معهد المعارف الحكميّة سماحة الشيخ شفيق جرادي مقالاً تحت "الحبّ الإلهيّ"، تطرق فيه إلى مفهوم الحب من مختلف الزاويا، وناقش في قسم منه المحبة والتسامح في الأدبيات الإسلامية، وفي البداية نلقي نظرة عابرة على شخصية سماحة الشيخ جرادي ومن ثم نعرض إليكم هذا المقال العلمي:
من هو الشيخ شفيق جرادي؟
سماحة الشيخ شفيق جرادي هو مفكر إسلامي من لبنان وخريج حوزة قُمّ المقدّسة وأستاذ بالفلسفة والعلوم العقلية والعرفان في الحوزة العلميّة. مدير معهد المعارف الحكميّة (للدراسات الدينيّة والفلسفيّة). المشرف العام على مجلّة المحجة ومجلة العتبة. - شارك في العديد من المؤتمرات الفكريّة والعلميّة في لبنان والخارج. بالإضافة إلى اهتمامه بالحوار الإسلامي –المسيحي. له العديد من المساهمات البحثيّة المكتوبة والدراسات والمقالات في المجلّات الثقافيّة والعلميّة. كما ان له العديد من المؤلّفات منها: مقاربات منهجيّة في فلسفة الدين، رشحات ولائيّة، الإمام الخميني ونهج الاقتدار، الشعائر الحسينيّة من المظلوميّة إلى النهوض، إلهيات المعرفة: القيم التبادلية في معارف الإسلام والمسيحية، الناحية المقدّسة، العرفان (ألم استنارة ويقظة موت)، عرش الروح وإنسان الدهر، مدخل إلى علم الأخلاق، وعي المقاومة وقيمها، الإسلام في مواجهة التكفيرية، ابن الطين ومنافذ المصير، مقولات في فلسفة الدين على ضوء الهيات المعرفة، المعاد الجسماني إنسان ما بعد الموت.
الحبّ الإلهيّ
الحبّ محور من المحاور المركزيّة في دراسة الشأن والأحوال والطبيعة الإنسانيّة. وقد وضعت معالجات لهذا الموضوع في الدراسات النفسيّة، والأدبيّة، والفلسفيّة، والدينيّة. إذ يمكن أن يُدرس الحبّ في انفعالاته النفسيّة التي تلبّي الرغبات وتولّدات الجسد، وتأثيرات ذلك على نظرة الإنسان لشخص، أو لأمر ما بما ينعكس على مجمل علاقاته الشخصيّة والتكوينات الاجتماعيّة والنفسيّة في كثير من الأحيان. وقد يُدرس الحبّ في مظاهره الأدبيّة والثقافيّة والحضاريّة سواءً عبر الآثار الفنيّة، أو النصوص وما تحمل من رحلات عميقة في داخل الذات المتأمّلة بأوجاعها وتأوّهاتها وأمانيها، لتكشف عن بُعد من لطافة الذات وشفافيتها خارج عالم الأشياء والأرقام والمعادلات القاسية، بل حتّى خارج عالم الضوابط والقوانين.
ثمّ إنّا قد ندرس الموضوع ببعضٍ من بُعده الفلسفيّ الذي يرى في مسار الموجودات تجاه ذاتها ومصدرها عشقًا وشوقًا به تتولّد الحياة. أو إن شئت فقل: به تتكوّن الموجودات بجدل من الحبّ والحياة اللذان لا ينفصلان البتّة، حسب الفلسفة الإسلاميّة، خاصّة منها الإشراقيّة والعرفانيّة التي تأثّرت أيّما تأثّر في أصولها ومنهجيتها بالرؤية الدينيّة.
أمّا المبحث الدينيّ فلقد تعرّض فيما تعرّض له، وهو يبحث موضوعة الحبّ، إلى أمور منها:
1. علاقة الله بخلقه وما أوجده أو ما صدر وتولّد عنه. ومن تعبيرات الأدبيات الإسلاميّة بهذا الشأن الحديث القدسيّ "أحببت أن أُعرف فخلقت الخلق لكي أُعرف". وإذا كانت هذه الصيغة للحديث من الأدبيات التي تمثّل موردًا خاصًّا بالاتجاه الصوفيّ. فإنّ كلمة الرحمة وصفتا (الرحمن الرحيم) اللذان يعادلان تمام معنى اسم الله سبحانه في ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾؛ توضحان دلالة الحبّ الذي يتجاوز الذات بما هي هي، نجد الذات بمشيئتها السارية وظلّها الممتدّ إلى كلّ موجود ومتولّد ومخلوق.
2. علاقة الإنسان بمصدره الذي هو الله سبحانه، المبنيّة على الحبّ المفعم بالرهبة والرغبة والرجاء. "اللهمّ وإنّي أتوب إليك من كلّ ما خالف إرادتك أو زال عن محبّتك، من خطرات قلبي، ولحظات عيني، وحكايات لساني"[1].
وذاك الأمل والشغف العظيم الذي يجعل صاحب الابتهال يناجي ربّه "إلهي ما ألذّ خواطر الإلهام بذكرك على القلوب [...] وما أطيب طعم حبّك، وما أعذب شِرب قربك"[2]، وأنّ هذه الأحاسيس لا تخلو من مضمونٍ من المعرفة والرؤية والتعقّل، بل هي منبعٌ من منابع التعقّل والمعرفة وتكوين المعرفة "إلهي بك هامت القلوب الوالهة، وعلى معرفتك جُمعت العقول المتباينة [...] أنت المُسبَّح في كلّ مكان، والمعبود في كلّ زمان، والموجود في كلّ أوان، والمدعو بكلّ لسان، والمعظّم في كلّ جنان"[3].
وهذا ما يولّد سرّ العبادة المبنيّة على الحبّ، والمسمّاة بلسان الإمام علي عليه السلام بعبادة الأحرار حينما وصف صنوف العبادة فقال: "إنّ قومًا عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد، وإنّ قومًا عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجار، وإنّ قومًا عبدوا الله حبًّا وشكرًا فتلك عبادة الأحرار"[4].
3. علاقة الإنسان بذاته التي إمّا أن ينساق فيها إلى حبّ الدنيا والهوى والرغبات المسمّاة بالشهوات وزينة النفس والحياة الدنيا. أو أن ينغمر بالحبّ الفطريّ للوجود في أصل مصدره، وللموجودات في تجلّيات مظهرها الكاشف عن سرّ النور والحياة الخالدة في محضر الرحمن الرحيم، وهو المسمّى بمصدر دين الإنسان الإلهيّ المفتوح أزلًا وأبدًا وسرمدًا على الله سبحانه.
4. وقد نبحث الحبّ في انعكاساته على الصيغ التشريعيّة والحقوقيّة باعتباره ركنًا من أركان بناء القوانين وأنظمة الحقوق، وإن أخذ المبحث في هذا الإطار عناوين أخرى من مثل: الرحمة، التسامح، المرونة، العنف والتساهل، وغيرها من مفردات تركّزت في الأدبيات الإنسانيّة والحقوقيّة. وبالغالب، فإنّ هذا النحو من البحث يعمل على أن يعالج روح فلسفة الحقوق والقوانين، وأنّها هل تقوم على مبدإ الروح أو القانون المُلزم؟ هل تقوم على مبدإ الحبّ والتسامح أم على مبدإ الواجب والقطع ولو العنفيّ أحيانًا أو غالبًا؟
انطلاقًا من هذه الجهات التي نقارب بها المبحث، سوف نسعى لنرى مظاهر الحبّ والتسامح في السلوك الإسلاميّ وصدوره عن وجدان دينيٍّ خاص ينطوي على أفق ميتافيزيقيّ وإلهيات معرفيّة عرضتها النصوص الإسلاميّة القرآنيّة والروائيّة؛ إلّا أنّنا سنعمل على ترسيخ المبحث بمحوريّة نصوص الدعاء والمناجاة. وذلك لأسباب عدّة منها:
السبب الأوّل: كون المطلوب هو معرفة مصادر المبحث في العقل والسلوك الشيعيّ، ومن المعلوم أنّ الدعاء والمناجاة خاصّة تلك الواردة في الصحيفة السجاديّة هي من أهمّ مصادر المعرفة الإسلاميّة الشيعيّة، علمًا أنّ هذه الصحيفة ترجع إلى الإمام عليّ بن الحسين بن أبي طالب عليهم السلام، وهو من الصحابة المعروفين والرجالات الكبار عند السنّة والشيعة. إلّا أنّه وصحيفته حملا مرجعيّة استثنائيّة عند الشيعة الإماميّة.
السبب الثاني: إنّ الأدعية والمناجاة خطاب من تمحّض بمضامين وقيم الخطاب القرآنيّ، ثمّ صدر عنه بروحيّة تعبّر عن رؤيتها وحبّها ونزوعها نحو الله سبحانه، بحيث أمكن القول: إنّ الأدعية والمناجاة الواردة في الصحيفة السجّادية هي بمثابة القرآن الصاعد، وتنطوي هذه الأدعية على رؤية للإنسان في موقعيته من الوجود وحقوقه الذاتيّة والاعتباريّة التي أولاه الله بها، كما وتتناول منهج العلاقة بين الجماعة البشريّة، وبين الله سبحانه، من حيث مرتكزات ومباني هذا المنهج من الرؤية.
السبب الثالث: اعتبار أهل العرفان أنّ الأدعية هي روح التجربة الإيمانيّة – الدينيّة للإنسان الكامل. ولا يخفى معنى ومحوريّة الإنسان الكامل في الحياة العرفانيّة القائمة أساسًا على الحبّ والشوق والعشق الوجوديّ.
السبب الرابع: إنّ الخطاب بما هو متوجّه إلى الله، فهو يحمل أعلى مستويات المضامين التوّاقة للحبّ والمتجلّية في سموٍّ وقربٍ من المصدر والمآل على مرايا القلوب المُحبّة ومظاهر الوجود الفيّاضة بآيات الرحمة والمَحبّة. لكن قبل خوض غمار المبحث في مطاوي وبيانات الأدعية والمناجاة، سوف نستعرض أصل مبدإ الحبّ والتسامح في المفهوم والسلوك الإسلاميّ، ثمّ بعد ذلك نعالج مبادئ هذا المفهوم والمنهج السلوكيّ لنؤكّد أنّ أيّ منظومة معرفيّة وعملانيّة لا بدّ لها من مرتكز ميتافيزيقيّ فلسفيّ، ورؤية دينيّة تأسيسيّة. وأنّ أيّ منظومة لا تحمل هذا المرتكز فهي كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، حتّى لو انشعبت أفانين وتكثّرت ثمارًا مختلفًا ألوانها وأذواقها ومشاربها، إلّا أنّها بدون هذه الركيزة ستكون عُرضة للذبول واليباس ثمّ اليباب.
المحبّة والتسامح في الأدبيّات الإسلاميّة
إنّ أوّل ما علينا وعيه في موضوعة المحبّة والتسامح بالناظم والأنظومة الإسلاميّة، أنّ الإسلام حينما قارب معالجة الحياة المجتمعيّة للإنسان لم يقاربها على أساس من الوجود الفرديّ للإنسان، وإن كان الإنسان الفرد أصل في حركة الجماعة البشريّة. بل نظر الإسلام للحياة الإنسانيّة على أساس من حركة المجموع البشريّ في حقل الجغرافيا، وفي حقل الزمن. وتحدّث عن تطورات تلحق الجماعة البشريّة في تنوّعاتها ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ﴾ [5]. شعب هذه المنطقة من العالم وقبيلة هذه الجهة من الأرض. ثمّ هناك الإنسان في التاريخ الذي وإن ابتدأ مع آدم الفرد، إلّا أنّ الآدميّة حالة وحقيقة لموجود يصنع الحياة ويصوغ الزمن في امتداداته عبر التاريخ وتمظهره في أحقاب ومضامين من الحضارات تمثّلت فيها الإرادة الإلهيّة عبر خطٍّ رساليٍّ وحيانيّ طاب لمحمّد باقر الصدر أن يُطلق عليه اسم "خط الشهادة" مستفيدًا من التسمية الموجودة في النصّ القرآني ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾[6]، وأنّ هذا الخطّ فيه الرسول والنبيّ والوصيّ، وأصحابه يشهدون مسارات الجماعة البشريّة التي أولاها الله مهمّة إعمار الأرض. والشهداء هم العارفون بحكم الله في قيم بناء وإعمار الأرض، وهم هداة الجماعة إلى سُبُل الخير والصراط المستقيم. وقد جعل القرآن سرّ نجاح حركة الجماعة في الجغرافيا والزمن كامنة في تفاعلها مع روح الوحي النابض بجسد خطّ الشهادة النبويّ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾[7]. ثمّ أشار أنّ روح الوحي النبويّ هو الحبّ والعفو عند المقدرة والرحمة، وهذا سرّ ديمومة فاعليّة حركة النبوّة في التاريخ، وتأثير النبيّ في محيط قيامه الرساليّ ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[8]. معادلة هذه الآية الكريمة تقول: إنّ سرّ وحدة الجماعة الإيمانيّة حُسن الخُلُق، إذ لو كان رأس الجماعة وإمامها الذي بيده سنام أمرها والممسك بائتلافها فظّ الأخلاق والقلب لانفضت الجماعة وتشتّت شملها، وهذا ما يشير إليه الإمام علي عليه السلام "آلة الرياسة سعة الصدر". ومحور القيم الأخلاقيّة في العلاقة بين إمام الجماعة، والجماعة الإيمانيّة هو الحبّ والرحمة، بحيث يصبح الرسول محض الرحمة والحبّ حسب الخطاب القرآنيّ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[9]. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾[10]، فعقد الحبّ بين الله والجماعة الإيمانيّة هو الحبّ والرحمة الرسوليّة للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، إلّا أنّ هذه العلاقة المبنيّة على تدبير إلهيّ مباشر يؤالف فيها الله نفسه بين القلوب ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾[11]. ليست كلّ مساحة التدافع البشريّ بين الشعوب والأمم في اختلافاتها وسلوكياتها وتعدّدها.
فهناك دومًا الأمّة من الناس التي يجتمع فيها المسلم وغيره، والمؤمن والمنافق، والصالح والآثم، والظالم والمظلوم. وهناك الهداية التي تحتاج إلى وعظ وقول طيب، كما هناك الهداية التي تحتاج إلى تهيئة الظروف الحياتيّة المؤاتية للإيمان وبناء التقوى عبر إصلاح المجتمع وإعمار الأرض، وهذا ما ينبغي فيه وضع وإنشاء القوانين وقواعد السلوك والجزاء والحقوق والواجبات...
من هنا، كان في الإسلام التشريع والقضاء والحِسْبة والقصاص، وقد عبّر عنها القرآن بالحياة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ﴾[12]، وهي قوانين وأحكام بُنيت على أصول منها:
- العدالة في إعطاء الحقّ وأخذ الحقّ.
- التراضي سيّد الأحكام.
- العفو عند المقدرة؛ ونقصد به أنّ العفو والصفح موقف لا ينمّ عن ضعف، بل هو موقف العزيز الذي بمقدوره الاقتصاص أو الثأر، ورغم ذلك يتمسّك بجلباب الرحمة فيعفو رغم قدرته وانبساط كفّه.
وحتّى لا نستغرق في مناقشة هذه النقطة، فإنّ بإمكاننا القول: إنّ الأصل في المسلك الإنسانيّ العام – حسب الإسلام – هو العفو بما هو مظهر محبّة ورحمة، إلّا أن يوصِل إلى هتك لحرمة الإنسان وحرمة المقدّس الإلهيّ. ثمّ إنّ عودةً ولو سريعة إلى رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام تبرز وجوه ومظاهر نبض الرحمة والمحبّة الكامنة في الرؤية الإسلاميّة للحياة وعناصر الحياة الإنسانيّة والاجتماعيّة.
ذاك الإمام الذي ورد عنه قوله: "إنّ أحبّكم إلى الله أحسنكم عملًا، وإنّ أعظمكم عند الله عملًا أعظمكم عند الله رغبة، وإنّ أنجاكم من عذاب الله أشدّكم خشيةً لله، وإنّ أقربكم من الله أوسعكم خُلقًا، وإنّ أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله، وإنّ أكرمكم على الله أتقاكم لله"[13].
رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام
هي مجموع من الوصايا التي بثّ فيها الإمام زين العابدين روح ما ينبغي أن يكون عليه تشريع الأحكام أو السلوك العباديّ والاجتماعيّ والسياسيّ. ونحن وإن كنا لسنا بصدد تقديم دراسة تفصيليّة لها في هذه العجالة، إلّا أنّ ما ينبغي ذكره هو تفرُّد هذه الرسالة بذكرها نظام الحقوق والانطلاق منه للحديث حول الواجبات. ممّا يتيح لنا أن نسجّل في هذا المقام أنّ أغلب العقل الدينيّ يعمل على محوريّة الواجب، وهذا ما يجعل صورة الدين والأحكام الدينيّة قواعديّة صارمة، بل خانقة أحيانًا. وبتقديري، إنّ بروز الاتجاه العنفيّ والتكفيريّ في الأديان هو نتيجة طبيعيّة لأحاديّة الوجه القائم على الواجبات، ممّا يجعل العلاقة بين الله والناس علاقة سيّد آمر لعبد آبق ناقص لاحق له. فإذا ما تسنّم أحدٌ سدّة خلافة الله أمكن له أن يفعل بالناس ما يشاء. أمّا قيام الواجب على الحقوق فإنّه يطرح صيغة الإنسان المكرّم والمسؤول الذي يتوجب عليه بشروط ويوجب هو على غيره بشروط، وهذه الشروط حسب رسالة الإمام زين العابدين عليه السلام تقوم على أصلين:
الأصل الأوّل: حق الله، وحق الناس.
الأصل الثاني: حق الله المبثوث في حاجة ومصلحة كلّ مخلوق.
لذا، فإننا سنركّز على الأصل الأوّل الذي يستبطن الأصل الثاني الذي هو حقّ الله الذي عنه يصدر كلّ حقّ، ومنه تتفرّع أنظمة الحقوق والواجبات: "اعلم رحمك الله أنّ لله عليك حقوقًا محيطة بك في كلّ حركة تحرّكتها، أو سكنة سكنتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلّبتها وآلة تصرّفت بها بعضها أكبر من بعض"[14]. فالله هنا، محيط بهذا الإنسان إحاطة تملأ حياته ووجوده وتفاصيل كيانه، بحيث إنّ الإنسان النزّاع نحو التملّك عليه أن يتنبّه أنّ المالك الحقيقيّ هو الله، والإنسان مسؤول أمامه، فليس من حقّ المرء أن يتجبّر أو يتظلّم أو يحكم على أحد حسب الهوى والمصالح الخاصّة.
إذ أصل الحقوق "ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقّه الذي هو أصل الحقوق ومنه تفرَّع. ثمّ أوجبه عليك لنفسك [...] على اختلاف جوارحك [...] ثمّ جعل عزّ وجلّ لأفعالك عليك حقوقًا [...] ثمّ تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوي الحقوق"[15]. من أمثالك الأهل والأبناء والأرحام والناس على اختلافهم من حكّام ومعلّمين وجيران وأصحاب ارتباط في الإنسانيّة من مثل: "حقّ جليسك، ثمّ حقّ جارك، ثمّ حقّ صاحبك، ثمّ حقّ شريكك، ثمّ حقّ مالك، ثمّ حقّ غريمك الذي تطالبه، ثمّ حقّ خليطك، ثمّ حقّ خصمك المدّعي عليك، [...] ثمّ حقّ من هو أكبر منك، ثمّ حقّ من هو أصغر منك، [...] ثمّ حق أهل ملّتك عامّة، ثمّ حقّ أهل الذمّة"[16].
ومن نماذج الوصايا الخاصّة بأصحاب الحقوق نأخذ نموذجين:
النموذج الأوّل: "حقّ رعيّتك بالسلطان أن تعلم أنّهم صاروا رعيّتك لضعفهم وقوّتك، فيجب أن تعدل فيهم وتكون لهم كالوالد الرحيم وتغفر لهم ولا تعاجلهم بالعقوبة"[17].
النموذج الثاني: "وأمّا حقّ من ساءك القضاء على يديه بقولٍ أو فعل، فإن كان تعمّدها كان العفو أولى بك لما فيه من القمع وحسن الأدب مع كثير من أمثاله من الخلق [...] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾[18] هذا في العمد، فإن لم يكن عمدًا لم تظلمه بتعمُّد الانتصار منه فتكون قد كافأته في تعمُّد على خطأ، ورفِقت به ورددته بألطف ما تقدر عليه"[19].
إنّ مجمل هذه التوجيهات الحقوقيّة تكشف عن مبدإ من الرحمة المستقاة من أفق العلاقة مع الله الرحمن الرحيم، اللطيف بالعباد، العفوّ الغفور. لكن أعود فأؤكّد بشرط عدم الإخلال بالنظام الاجتماعيّ والسياسيّ العام الذي يراعي الأمن النفسيّ والاجتماعيّ لحركة الناس التي بطبعها تحتاج إلى بعض من الحدود الفاصلة في تدبير الأمور. إذ الحب ليس وجدانًا من الشعر الغزليّ الذي لا يرى فيه الحبيب إلّا صورة ذاته، بل الحب رحمة تتعدّى نحو كلّ بيئة الحبيب ليتناغم معها بما يصلحُ لها وما يُصلح حالها.
وهذه النتيجة نابعة من أفق معرفيّ قائم على رؤية ميتافيزيقيّة للوجود والموجود، كما على رؤية دينيّة لأصول سنن الحياة.
يتبع...
[1] الإمام عليّ بن الحسين (السجّاد)، الصحيفة السجّاديّة الكاملة (ويليها نصّ رسالة الحقوق)، تقديم وشرح غالب عسيلي (بيروت: دار التعارف للمطبوعات، الطبعة 9، 2012م)، "دعاؤه (ع) في ذكر التوبة وطلبها"، الصفحة 163.
[2] المصدر نفسه، "مناجاة العارفين"، الصفحة 364.
[3] المصدر نفسه، "مناجاة الذاكرين"، الصفحتان 365 و366.
[4] الإمام عليّ بن أبي طالب، نهج البلاغة، تحقيق هاشم الميلاني (النجف الأشرف: العتبة العلويّة المقدّسة- مكتبة الروضة الحيدريّة)، باب "المختار من حكم أمير المؤمنين ومواعظه"، الصفحة 557، الحكمة 228.
[5] سورة الحجرات، الآية 13.
[6] سورة البقرة، الآية 143.
[7] سورة الأعراف، الآية 96.
[8] سورة آل عمران، الآية 159.
[9] سورة الأنبياء، الآية 107.
[10] سورة آل عمران، الآية 31.
[11] سورة الأنفال، الآية 63.
[12] سورة البقرة، الآية 179
[13] من وصايا الإمام زين العابدين عليه السلام لبعض أصحابه.
[14] الصحيفة السجّاديّة الكاملة (ويليها نصّ رسالة الحقوق)، مصدر سابق، الصفحة 379.
[15] المصدر نفسه، الصفحتان 379 و380.
[16] المصدر نفسه، الصفحة 381.
[17] المصدر نفسه، الصفحة 396.
[18] سورة النحل، الآية 126.
[19] الصحيفة السجّاديّة الكاملة (ويليها نصّ رسالة الحقوق)، مصدر سابق، الصفحتان 321 و322.





تعليقك