السبت 24 أكتوبر 2026 - 22:49
كيف يمكن إعادة صياغة سيرة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وتقديمها للفتيات والنساء اليوم؟

وكالة الحوزة - يسلّط هذا الحوار الضوء على سبل استلهام سيرة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في بناء وعي الفتيات والنساء اليوم، في ظلّ التحدّيات الثقافية والإعلامية المعاصرة، مؤكّدًا أنّ استحضار سيرتها لا يقتصر على الاقتداء بمظاهر حياتها، بل يمتدّ إلى ترسيخ الهوية، وتعزيز الثقة بالنفس، وتنمية روح الصمود والمسؤولية الاجتماعية لدى المرأة المسلمة.

وكالة أنباء الحوزة - بمناسبة ذكرى استشهاد السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، سيّدة نساء العالمين، تتجدّد الحاجة إلى استلهام سيرتها العطرة في ضوء ما تواجهه الفتيات والنساء اليوم من تحدّياتٍ ثقافيّةٍ وإعلاميّةٍ، واستجلاء السبل الكفيلة بتقديم معالم شخصيّتها ومواقفها ورؤيتها للحياة بما يواكب متطلّبات العصر ويحفظ أصالة الهويّة. وفي هذا السياق، أُجري حوارٌ مع الدكتورة معصومة نصيريّ، المدرّسة والباحثة في مجال الثقافة الإعلاميّة، لتسليط الضوء على أبعاد السيرة الفاطميّة وآفاق الإفادة منها في بناء الهويّة وتعزيز الوعي لدى المرأة المسلمة. وفيما يلي نصّ الحوار:

في عصر شيوع ثقافة الاستهلاك والاستعراض الإعلاميّ، كيف يمكن إعادة تقديم سيرة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بوصفها نموذجًا يسهم في بناء الهويّة لدى فتيات اليوم ونسائه، ويهديهنّ إلى السعادة في الدنيا والآخرة؟

لقد أشرتم في سؤالكم إلى نقطةٍ مهمّةٍ. والحقيقة أنّنا نعيش في عصرٍ نشهد فيه، للأسف، نظرةً تختزل المرأة إلى مجرّد شيءٍ، وقد اكتسبت هذه المسألة دلالاتٍ وأبعادًا خاصّةً في ظلّ الترويج لثقافة الاستهلاك.

وأودّ هنا أن أوضّح أنّني لستُ أميل كثيرًا إلى حصر الحديث في بساطة حياة السيّدة الزهراء (عليها السلام)، بل ينبغي لنا أن نتناول سيرتها بوصفها "سيّدة نساء العالمين"، وأن ننظر إليها باعتبارها المنظومة الفكريّة التي تشكّل العمود الفقريّ لفكر المذهب الشيعي، وأن نعمل على تبيين مرتكزاتها وشرح مقوّماتها شرحًا دقيقًا للمجتمع الإنسانيّ بأسره، لا لمجتمعنا وحده.

وبالطبع، فإنّ النظر إلى هذه الشخصية التاريخية والدينية والإنسانية السامية من هذا المنظور يتيح لنا، في مرحلةٍ لاحقةٍ، سلوك طريقٍ أدقّ وأفضل لتقديم نماذج تسهم في بناء الهويّة، وتوصلنا إلى الغاية المنشودة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قد جسّدت، في حياتها، أبعادًا متعدّدةً من النجاح في الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة والتربويّة. ولعلّ العنصر الذي يمكن التركيز عليه بوصفه نموذجًا لترسيخ الهويّة، والعمل على تقديمه والاقتداء به، يتمثّل في حُسن إدراك مقتضيات المرحلة والوعي بمتطلّبات العصر وتحديد الدور الاجتماعيّ على نحوٍ يتجاوز التصوّرات والأعراف الاجتماعيّة السائدة؛ وهي أمورٌ أولتها الصدّيقة الكبرى (عليها السلام) اهتمامًا في عصرها، واضطلعت من خلالها بدورٍ مهمّ يصلح أن يكون نموذجًا يُحتذى به.

ومن المهمّ أن تعي نساؤنا وفتياتنا طبيعة ما يفرض هيمنته إعلاميًّا ويتّسع نطاقه في أنماط العيش، وهو ما نسمّيه اليوم بالنزعة الاستهلاكيّة والاستعراضيّة. ويبدو أنّنا إذا تأمّلنا سيرة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) تأمّلًا دقيقًا وعميقًا، وجدنا أنّها كانت تقف في وجه المظاهر السلبيّة التي كانت تسود المجتمع، وتسعى إلى ترسيخ نمطٍ معيشيٍّ وسلوكٍ عمليٍّ يقومان على العبوديّة لله تعالى وإقامة الحقّ والدفاع عن الولاية.

ومن شأن سعينا إلى غرس الشجاعة والجرأة في نفوس فتياتنا، كي يدركن أنّ ما يُملى عليهنّ ليس بالضرورة صحيحًا وسليمًا، ويتعلّمن كيف يخترن نمط حياةٍ أفضل من دون الخضوع لتأثير التصوّرات الجماعيّة السائدة في عصرهنّ، أن يشكّل أحد المسارات المهمّة في هذا المجال.

لذلك، أرى أنّ الاقتصار على الحديث عن بساطة عيش السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ينتقص من سعة شخصيتها وثراء أبعادها؛ إذ كانت تتجلّى فيها أبعادٌ متنوّعةٌ وجوديّةٌ وشخصيّةٌ وروحيّةٌ ودلاليّة. ومن ثمّ، لا بدّ من بيان هذه الجوانب بيانًا صحيحًا، بلغةٍ معاصرةٍ يفهمها الجمهور العامّ، ولا سيّما النساء والفتيات الشابّات.

چگونه می‌توان سیره حضرت فاطمه(س) را برای دختران و زنان امروز بازتعریف کرد؟

يبدو أنّ مفهوم "الحياء" في سيرة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) يتجاوز مسألة نوع اللباس، ليشكّل "بنيةً داخليّةً". برأيك، كيف يمكن لهذا المفهوم أن يؤدّي دور الدرع الواقي في مواجهة أزمات طمس الهويّة وانهيار القيم في الفضاء الرقميّ؟

على الرغم من أنّ الحياء والعفّة يكتسبان معناهما في ارتباطهما بالستر واللباس المحتشم، فإنّه ينبغي أن ندرك أنّ مجرّد الاحتشام في الملبس لا يعني بالضرورة اتّصاف المرأة بالحياء والعفّة. وهنا يبرز السؤال: كيف تنشأ الصلة بين هذين الأمرين؟ والجواب أنّ هذه الصلة تتكوّن من خلال بنيةٍ تربويّةٍ وبنيةٍ داخليّةٍ تنبعان من التربية والتعليم؛ أي أن تكون المرأة محتشمةً في لباسها، وعفيفةً في سلوكها، ومتّصفةً بالحياء في الوقت نفسه. وهذه نقطةٌ بالغة الأهمّيّة ينبغي لنا أن نوليها اهتمامًا خاصًّا.

إنّ مسألة العفّة والحياء، إلى جانب مسألة الاحتشام في اللباس، ترتبط بمدى ترسّخ تقدير الذات في نفوس أفراد المجتمع، ونحن نتناول هنا المرأة على وجه الخصوص. فالسؤال هو: كيف يمكن بناء تقديرٍ راسخٍ للذات؟ إنّ هذا التقدير هو الذي يتكامل مع قيم الحياء والعفّة والاحتشام، ليشكّل درعًا واقيًا، وعاملًا أساسيًّا في مواجهة ما تطرحه أنماط بناء الهويّة الجديدة من تحدّياتٍ. وأودّ هنا أن أتجاوز الحديث عن طمس الهويّة، لأركّز على هذا الجانب المتعلّق ببناء الهويّة وترسيخها.

على أيّ حالٍ، أصبح الفضاء الرقميّ اليوم ساحةً تتجلّى فيها سلوكيّاتٌ منافيةٌ للعفّة، ومظاهر تراجع الحياء التي تتشكّل في هذا الفضاء. وأرى أنّه إذا استطعنا تعزيز مفهومٍ نفسيٍّ أساسيّ، كتقدير الذات، إلى جانب مفاهيم العفّة والاحتشام والحياء، فسيكون بمقدورنا التعامل مع الهويّات الجديدة التي تصوغها وسائل الإعلام، ومواجهة ما يتعارض منها مع منظومة القيم، والحدّ من تأثيره.

برأيك، كيف يمكن الاستفادة من النموذج السلوكيّ للسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في مواجهة مصاعب الحياة ومحنها، لتعزيز "الصمود الاجتماعيّ" لدى الجيل الجديد؟ وكيف ينبغي أن يكون خطابنا الإعلاميّ في هذا المجال، ولا سيّما في ما يتعلّق بتوضيح هذا الخطاب وترويجه استلهامًا من السيرة الفاطميّة ونمط حياتها؟

إنّ ما يتبادر إلى ذهني في الإجابة عن هذا السؤال هو أنّ السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) تمثّل نموذجًا متكاملًا للمقاومة والصمود، وهي مقاومةٌ تنبع من مرتكزاتٍ فكريّةٍ وتربويّةٍ، ومن إيمانٍ راسخٍ متجذّرٍ في أعماق النفس. فهي ابنة النبيّ الأكرم محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ النبيّ الذي جاء بدينٍ جديدٍ وأسّس دعائم الرسالة الإسلاميّة، وقد عاشت السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) عن كثبٍ في قلب الأحداث والتحوّلات التي شهدتها المسيرة السياسيّة لوالدها الكريم، واختبرت بنفسها ما جرى خلالها من وقائع وأحداثٍ.

وفي حياتها مع أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، وفي مواجهتها لأعداء الإسلام والولاية، الذين كانت لهم جذورٌ داخل البُنى الإسلاميّة نفسها، أو كانوا، على الأقل، يُظهرون مظهرًا إسلاميًّا، نلحظ بوضوحٍ، من خلال أحداثٍ متعدّدةٍ، من قبيل قضيّة فدك والسقيفة وغيرها، نموذجًا راسخًا للمرونة والصمود في مواجهة المحن، على المستويات الاجتماعيّة والأسريّة، بل والاقتصاديّة أيضًا.

ولذلك، إذا امتلكت نساؤنا معرفةً دقيقةً بنمط حياة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وأدركن على وجه الخصوص أنّ البقاء في ذاكرة التاريخ يقتضي التحلّي بالصمود والقدرة على تحمّل الشدائد، وأنّ هذه القدرة على الصمود هي التي تجعل من الإنسان شخصيّةً حاضرةً في الذاكرة الاجتماعيّة، فإنّهنّ، في تقديري، سينظرن إلى أدوارهنّ نظرةً مختلفةً. وعلى أيّ حالٍ، فإنّ هذا النموذج التربويّ يُثمر شخصيّاتٍ عظيمةً وبارزةً، من أمثال الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) والسيّدة زينب الكبرى (عليها السلام)، ويقدّمها إلى المجتمع الإنسانيّ بوصفها نماذج خالدةً يُحتذى بها.

وعليه، فإنّ هذا النموذج يُعدّ نموذجًا متكاملًا ودقيقًا للغاية؛ فقد جسّدت السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) معنى الصمود والثبات على المبادئ والمضيّ في طريق الحقّ والحقيقة، وكان هذا الصمود والمقاومة ممّا أفضى في نهاية المطاف إلى استشهادها مظلومةً.

وما يكتسب أهميّةً بالغةً هنا هو أن نعمل على بيان مختلف أبعاد سيرة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وحياتها، وتوضيح الآثار بعيدة المدى لصمودها أمام نساء المجتمع. وينبغي أن نوضّح كيف تستطيع المرأة، بما هي امرأةٌ، أن تسهم بصمودها في تعزيز قدرة المجتمع والأسرة على الصمود؟ وكيف يمكن للوعي بالظروف التاريخيّة وإدراك مقتضياتها أن يفضي إلى إرساء فضاءٍ اجتماعيٍّ راسخٍ ومؤثّرٍ، يعزّز حضور المرأة ومكانتها في المجتمع؟

أرى أنّنا لم نولِ هذا المجال ما يستحقّه من الاهتمام. فالسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) تُعدّ من النساء الرائدات القلائل في التاريخ؛ إذ وقفت بثباتٍ في وجه ما يُعرف بـ"دوّامة الصمت"، التي أُحيط بها أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، بل الإسلام والولاية في حقيقة الأمر، وتمكّنت من كسر هذا الصمت. فقد بادرت إلى العمل الميدانيّ حيثما اقتضى الموقف ذلك، واضطلعت بمهمّة التبيين والإيضاح حين دعت الحاجة إليها، والتزمت الصمت الحكيم حيث كان الصمت هو الموقف الأجدر؛ فأدّت واجبها ومسؤوليّتها على الوجه الصحيح وبما يليق بهما. ومن هنا، فإنّ فهم هذه الظروف وإدراك طبيعة هذا الواقع يمكن أن يساعدنا كثيرًا في استلهام سيرتها واتّخاذها نموذجًا بنّاءً يُحتذى به.

إعداد: السيّد محمّد مهدي الموسويّ

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرّر: حسن رحماني

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha