وكالة أنباء الحوزة - أصدر سماحة آیة الله الشیخ محمد الیعقوبی بیاناً أدان فیه قرار حکومة أذربیجان بمنع الطالبات المحجبات من الحضور فی المدارس وحرمانهن من حق التعلیم، معتبراً أن العلمانیة لا تبرر سلب حریة الشعب والتزامه بدینه، وفيما يلي نص البيان:
في يوم العفاف العالمي، الذي اختير له يوم مولد العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، سيدة العفاف الأولى بعد أمها الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، نعبر عن ألمنا وأسفنا العميق وغضبنا لقرار حكومة أذربيجان القاضي بمنع الطالبات المحجبات من الحضور في المدارس، وحرمانهن من التعليم الذي هو حق مشروع لكل مواطن، وقد انتُزعن من صفوفهن بالإكراه وهن يذرفن الدموع بحرقة، وتشاطرهن زميلاتهن ووقفن مذهولات على أبواب المدارس وعيونهن تنظر بأسى وخيبة أمل إلى الحرم العلمي الآمن الذي حُرمن منه، وربما شمل القرار المعلمات المحجبات أيضاً، فما الجريمة التي ارتكبنها حتى يُعاقَبن؟، وإذا كانت الذريعة علمانية الدولة، فهل العلمانية تعني سلب حرية الشعب ومنع الالتزام بدين الأغلبية العظمى من شعب آذربيجان، فليس الحجاب فيه حالة شاذة وغريبة حتى تُمنع، بل العكس فقد ورد في الحديث الشريف (العفّة رأس كل خير).
وأعتقد أن رئيس جمهورية أذربيجان رأى هذه المشاهد القاسية التي تؤلم قلب كل أب شفيق رحيم ولا يرضاها لبناته، ولعل القرار لم يكن صريحاً بهذا الإجراء وإنما فسّرته إدارات المدارس بذلك وحينئذٍ تجب محاسبتها على هذه الخطيئة الفادحة، وإن الرئيس أب لكل أبناء شعبه، وكان من أهم وصايا النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أن يكون أباً للأمة، فإن الأبوة أهم خصال القائد الناجح، وقال له: (يا علي، أنا وأنت أبوا هذه الأمة)، وإن اسم الرئيس علييف مشتق من اسم أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فليأخذ هذه الصفة الحسنى منه، وإن هؤلاء الطالبات المحجبات هن بنات سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) وسائرات على نهجها، فلا تُدخلوا الألم على قلبها الطاهر، والمسلمون رفضوا مثل هذا القرار لما صدر من دولة أوربية معروفة بعدائها للإسلام فكيف يقبلونه في بلد تبلغ نسبة المسلمين فيه 96%؟.
إن سلب العفة في ساحات متنوعة هو الغرض من الصراع الذي تحدى به ابليس وشياطينه البشرية منذ بدء الخليقة فوسوس لآدم (عليه السلام) وحواء حتى يأكلا من الشجرة الممنوعة ليذهب عفتهما، قال الله تبارك
وتعالى (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا) (الأعراف:20)
وقال تعالى (يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا) (الأعراف:27) وقال تعالى (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا) (الأعراف:22)
لذا نرى أنّ تصحيح هذا القرار والرجوع عنه ليس فيه أي منقصة أو توهين، بل هو فضيلة وشجاعة وموقف حكيم يدفع غضب الشعب الآذري المسلم، ويجنب الدولة أي عنف أو فتنة يُحدثها المتربصون، ويحفظ لهذا البلد العزيز على جميع المسلمين المنجب للعلماء عبر التأريخ من تلويث تأريخه وأصالته وعراقة الإسلام([1]) فيه.
والإصرار على هذا القرار ظلم لا يجوز ارتكابه، وكلنا مسلمون نعتقد بالحساب والجزاء يوم القيامة، قال الله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} (الصافات: 24)، والظلم ذنب لا يقبل المغفرة ولا الشفاعة، وإن الله تعالى هو الذي يتولى إنصاف المظلوم يوم القيامة،كما ورد في تفسير قول الله تعالى:{إن ربك لبالمرصاد}(الفجر: 14).
لقد مررنا بتجربةٍ مثلِ هذه في عهد صدام عندما قررت حكومته لزوم التقاط الطالبات صوراً بلا حجاب لوضعها في بطاقة الدخول للامتحانات الوزارية العامة، وألقينا في حينها خطاباً ذكّرناهم فيه بمثل هذه الكلمات، وأخذ الخطاب صداه في المجتمع، لأن نتيجة القرار حرمان الطالبات من قطف ثمار دراستهن، فلم تجد الحكومة بداً من التراجع عنه والتنصّل منه وأن سوء فهم حصل من قبل مؤسسات تنفيذ القرار.
نأمل الاستجابة السريعة لإلغاء القرار صوناً لمصلحة البلاد، وشفقة على الطالبات العزيزات وذويهن المنكسرين، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا عند المنكسرة قلوبهم) وحذراً من غضب العزيز الجبار.
قال الله تعالى (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) (الاحزاب:37) وقال تعالى (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (آل عمران:173).
محمد اليعقوبي
النجف الأشرف
5/ جمادى الأولى/ 1448
ــــــــــــــــــــــــ
[1] - كان الصحابي الجليل قيس بن سعد بن عبادة والي أذربيجان من قبل أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام)
المصدر: موقع المكتب الاعلامي لسماحة آية الله محمد اليعقوبي





تعليقك