الأحد 30 أغسطس 2026 - 21:50
آية اللّه الأعرافيّ: خمسة عناصر أساسيّةٍ لنظرية "الوحدة" في خطاب الثورة الإسلاميّة.. الوحدة لا تعني إلغاء الفوارق أو طمس الهويّات المذهبيّة

وكالة الحوزة - أكّد آية اللّه الأعرافيّ أنّ الوحدة الإسلاميّة، في خطاب الثورة الإسلاميّة وفكر الإمام الخمينيّ والإمام الخامنئيّ (قدّس اللّه سرّهما)، لا تقوم على إلغاء الفوارق المذهبيّة أو طمس الهويّات الدينيّة، بل تستند إلى خمسة عناصر أساسيّةٍ، في مقدّمها تعميق المشتركات الهويّاتيّة والحضاريّة، والحفاظ على التنوّع العلميّ والمذهبيّ، وتفعيل فقه العلاقات الاجتماعيّة، بما يهيّئ الأرضيّة لتقاربٍ حضاريٍّ شاملٍ وتعاونٍ أوسع بين أبناء الأمّة الإسلاميّة.

وكالة أنباء الحوزة - في كلمةٍ ألقاها خلال الجلسة العلميّة للمؤتمر الدوليّ الأربعين للوحدة الإسلاميّة، التي عُقدت صباح السبت (29 أغسطس 2026م) في قاعة المؤتمرات التابعة لمعهد الدراسات التقريبيّة بمدينة قم المقدّسة، أشار آية اللّه عليرضا الأعرافيّ، مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة، إلى المكانة التاريخيّة والعلميّة لمدينة قم، مؤكّدًا أنّ هذه المدينة تمتلك تاريخًا يمتدّ إلى نحو 1200 عامٍ في نشر معارف الإسلام وأهل البيت (عليهم السلام) والتبليغ لها، وظلّت طوال هذه القرون إحدى أهمّ الحواضر العلميّة والمعرفيّة في العالم الإسلاميّ.

وأضاف: اكتسبت هذه المدينة خلال القرن الأخير مكانةً متميّزةً في مجال إنتاج المعارف الإسلاميّة ونشرها وتعزيزها، وأصبحت مركزًا نابضًا لصياغة الأفكار الإسلاميّة وتطويرها؛ بحيث لم تعد الأنشطة العلميّة والفكريّة لهذه المدينة وحوزتها العلميّة مقتصرةً على المجالات التعليميّة التقليديّة، بل امتدّت لتشمل مختلف المجالات الاجتماعيّة والسياسيّة والدوليّة أيضًا.

مدينة قم؛ حاضنة النظريّات الكبرى ذات المقاربة الإسلاميّة

وأوضح آية اللّه الأعرافيّ أنّ مدينة قم تحوّلت خلال القرن الأخير إلى مركزٍ لإنتاج النظريّات الكبرى في شتّى المجالات، مبيّنًا: إنّ هذه المدينة وحوزتها العلميّة شكّلتا، في القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة والدوليّة، حاضنةً لنشوء ونموّ نظريّاتٍ استندت إلى المنطق الإسلاميّ ومرتكزاته الفكريّة، وقدّمت رؤى ومعالجاتٍ للقضايا المحوريّة والأساسيّة التي تواجه المجتمع والعالم.

وتابع قائلاً: لعلّ أبرز ما يميّز مدينة قم خلال القرن الأخير أنّها، بما تحتضنه من حوزةٍ علميّةٍ، غدت منارةً متألّقةً للعلم والفكر والعقلانيّة والإنتاج النظريّ؛ ومن هذا الصرح انبثقت رؤى ونظريّاتٌ أسهمت في توجيه الأمّة الإسلاميّة، ومهّدت لتحوّلاتٍ كبرى على الساحة العالميّة.

وأضاف مؤكّدًا: إنّ ما يكتسب أهمّيّةً خاصّةً في هذه المرحلة التاريخيّة هو الترابط بين العلم والفكر والعمل؛ بمعنى أنّ الحوزة العلميّة في قم لم تكتفِ بإنتاج المباحث العلميّة والنظريّة، بل كانت الحاضنة التي تبلورت فيها طائفةٌ من أهمّ الأفكار الاجتماعيّة والسياسيّة والحضاريّة، ثمّ انتقلت من حيّز التنظير إلى ميدان التطبيق، وتجسّدت آثارها في ميدان الواقع والعمل.

الإمام الخميني؛ منطلقٌ للتنظير الفكريّ الجديد

وفي سياق حديثه، أشار مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة إلى دور الإمام الخميني (قدّس اللّه سرّه) في نشوء التيارات الفكريّة والسياسيّة الجديدة، قائلًا: لقد كان الإمام الراحل منطلقًا لجزءٍ مهمٍّ من هذه التنظيرات الجديدة، وتمكّن من إقامة صلةٍ جديدةٍ بين المعارف الدينيّة والفكر الاجتماعيّ والقضايا السياسيّة الكبرى.

وأضاف: إنّ الإمام الخميني (قدّس اللّه سرّه)، إلى جانب مكانته العلميّة والفقهيّة المرموقة، خطا خطواتٍ كبيرةً في مجال التنظير أيضًا، وتمكّن من طرح مجموعةٍ من الأفكار الجديدة استجابةً لمتطلّبات المجتمع الإسلاميّ؛ وهي أفكارٌ تجاوزت آثارها وتداعياتها حدود إيران، وامتدّت أصداؤها إلى تحوّلات العالم الإسلاميّ والساحة الدوليّة أيضًا.

دور مفكّري الحوزة العلميّة في نشأة تيّار التنظير

وأشار عضو هيئة فقهاء مجلس صيانة الدستور الإيرانيّ إلى دور الشخصيّات العلميّة والفكريّة الحوزويّة في مسيرة التفكير والتنظير، قائلًا: لقد اضطلع جمعٌ كبيرٌ من مفكّري الحوزة وعلمائها بدورٍ فاعلٍ في مسيرة التفكير والتنظير.

واستذكر آية اللّه الحائريّ وآية اللّه البروجرديّ والعلّامة الطباطبائيّ والشهيد المطهّريّ والشهيد بهشتيّ باعتبارهم نماذج من الوجوه البارزة في هذا التيّار، قائلًا: لقد كان لكلٍّ من هذه الشخصيّات، في عصره، إسهامٌ مهمٌّ في تعزيز الأسس العلميّة والفكريّة والاجتماعيّة للحوزة العلميّة وفي بلورة الأفكار الإسلاميّة المؤثّرة.

وأضاف: إنّ هؤلاء العلماء، إلى جانب أنشطتهم العلميّة والحوزويّة، أولوا اهتمامًا بالقضايا الأساسيّة للمجتمع والعالم الإسلاميّ، وسعوا إلى توظيف الطاقات العلميّة والمعرفيّة للحوزة في الاستجابة للتحدّيات المستجدّة وفتح آفاقٍ جديدةٍ أمام الفكر الإسلاميّ.

المكانة المتميّزة لإمامَي الثورة الإسلاميّة في مسيرة التنظير الإسلاميّ

وفي السياق ذاته، شدّد آية اللّه الأعرافيّ على المكانة الخاصّة التي يحظى بها الإمام الخمينيّ (قدّس اللّه سرّه) والقائد الشهيد الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه) في مسيرة التنظير الإسلاميّ، قائلًا: إنّ مكانة الإمام الراحل، وكذلك مكانة قائدنا الشهيد، بين هذه المجموعة الكبيرة من المفكّرين، مكانةٌ فريدةٌ ومتميّزةٌ لا نظير لها.

وأضاف: لقد خطا هذان الإمامان الجليلان خطواتٍ كبيرةً ومؤثّرةً، سواءً في ميدان التنظير وإنتاج النظريّات، أو في ميدان العمل، حيث كانا رائدين في هندسة المجالات الاجتماعيّة والسياسيّة وتنظيمها. ومن أبرز السمات التي تميّز هاتين الشخصيّتين أنّهما لم يفصلا الفكر عن العمل، بل سعيا، إلى جانب إنتاج النظرية وعرضها، إلى تحقيقها عمليًّا في المجتمع، وتمكّنا من أن يكونا منطلقًا لتحوّلاتٍ مهمّةٍ ومؤثّرةٍ في مختلف المجالات.

الترابط بين العلم والنظريّة والعمل؛ السمة البارزة لمدرسة قمّ

واعتبر عضو المجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة أنّ مدينة قم وحوزتها العلميّة تمثّلان أحد أهمّ مراكز نشأة الفكر الإسلاميّ واستمراره خلال القرن الأخير، قائلًا: إنّ تجربة قم في هذه المرحلة تظهر أنّ العلم والفكر، عندما يرتبطان باحتياجات المجتمع وقضايا الأمّة الإسلاميّة، يمكن أن يؤدّيا إلى بلورة نظريّاتٍ كبرى، ومن ثمّ إلى إحداث تحوّلاتٍ اجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ وعالميّةٍ كبيرةٍ.

وأكّد: إنّ التراث العلميّ والفكريّ لمدينة قمّ على مرّ القرون، ولا سيّما في القرن الأخير، مهّد لظهور علماء ومفكّرين لم يقتصر دورهم على مجال المعرفة الإسلاميّة، بل اضطلعوا أيضًا بدورٍ بارزٍ في مجال التوجيه الاجتماعيّ والتحوّلات السياسيّة والدوليّة.

وأوضح: من هذا المنظور، فلا تمثّل قم مجرّد مركزٍ علميٍّ وتعليميٍّ، بل هي مركزٌ لإنتاج الفكر والتنظير والتوجيه الفكريّ للمجتمع الإسلاميّ، ولها مكانةٌ متميّزةٌ وتاريخيّةٌ في التحوّلات المعاصرة، بالنظر إلى التراث العلميّ للحوزة وإلى الشخصيّات الكبيرة التي تخرّجت فيها.

الإمام الخامنئيّ ربط بين التنظير والقيادة الميدانيّة عبر "إنتاج القوّة"

وأشار عضو هيئة فقهاء مجلس صيانة الدستور الإيرانيّ إلى السمات البارزة للإمام الشهيد آية اللّه العظمى السيّد علي الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، قائلًا: كان من أبرز سمات سماحته قدرته الفريدة على "إنتاج القوّة"؛ بمعنى أنه كان يعمل أوّلًا على إنتاج القوّة في مختلف المجالات، ثم ينطلق من هذه القوّة في عمليّة التنظير، ويعمد بعد ذلك إلى توظيف النظريّة ذاتها في مجال القيادة الميدانيّة والعمليّة.

وأضاف: إنّ هذا الترابط بين إنتاج القوّة والتنظير والقيادة العمليّة كان من السمات المتميّزة والنادرة للإمام الشهيد، الأمر الذي يضمن ألّا يبقى فكره وإدارته في المستوى النظريّ فحسب، بل يؤدّيا أيضًا في ميدان الواقع والعمل إلى نتائج وآثارٍ ملموسةٍ.

إنتاج القوّة في المجالات الاستراتيجيّة

وأكّد مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة أنّ القائد الشهيد كان يتمتّع بمكانةٍ فريدةٍ في إنتاج القوّة في مختلف المجالات، مبيّنًا: لقد اضطلع سماحته بإنتاج القوّة في ستّة مجالاتٍ بالغة الأهمّيّة، ووضع هذه الطاقات والإمكانات في خدمة تحقيق أهداف الثورة والأمّة الإسلاميّة.

وأوضح: كان العلم والتكنولوجيا أحد هذه المجالات؛ وهو المجال الذي يمثّل إنتاج القوّة فيه أساسًا للاقتدار والتقدّم في سائر المجالات. أما المجال الثاني فهو الثقافة، التي تعدّ من أهمّ ركائز تشكّل هويّة المجتمع وقوّته.

واعتبر المجال العسكريّ والدفاعيّ هو المجال الثالث المهمّ، مضيفًا: إنّ إنتاج القوّة في هذا المجال يؤدّي دورًا حاسمًا في صون استقلال جبهة المقاومة والنظام الإسلاميّ وأمنهما وسلامتهما الإقليميّة.

كما لفت إلى المجال السياسيّ والدوليّ، قائلًا: كان إنتاج القوّة في مجال السياسة والعلاقات الدوليّة أيضًا من المجالات الأخرى التي تابعها الإمام الشهيد برؤيته الاستراتيجيّة، وأسهم من خلال هذه الطاقات والإمكانات في تعزيز الحضور الفاعل في المعادلات الإقليميّة والدوليّة.

"إنتاج القوّة"؛ أساس التنظير والقيادة

وأكّد آية اللّه الأعرافيّ: إنّ ما يحظى بالأهمّيّة في هذا السياق لا يقتصر على إنتاج القوّة في مختلف المجالات، بل إنّ النقطة الأساسيّة تتمثّل في أنّ هذه القوّة كانت تشكّل أساسًا للتنظير، ثم للقيادة العمليّة والميدانيّة. وانطلاقًا من هذه القوّة المنتجة، انتقل سماحته إلى مرحلةٍ أخرى من إنتاج القوّة وترسيخها؛ وهي مرحلةٌ تجلّت معالمها بوضوحٍ للجميع فيما يُعرف بـ"الحرب الثالثة".

وتابع: عندما يتمكّن تيارٌ فكريٌّ وسياسيٌّ من إيجاد القوّة في مختلف المجالات، ثمّ توظيف هذه القوّة في خدمة النظريّة والاستراتيجيّة والميدان، فإنّ آثاره تتجاوز مستوى الفكر الفرديّ، وتتحوّل إلى تيّارٍ مؤثّرٍ وقادرٍ على صناعة التحوّلات الكبرى.

التقريب بين المذاهب؛ أيّ النظريّات صحيحةٌ وأيّها خاطئةٌ؟

وفي جانبٍ آخر من كلمته، تطرّق آية اللّه الأعرافيّ إلى موضوع التقريب بين المذاهب الإسلاميّة ووحدة الأمّة الإسلاميّة، وقال: حين نتحدّث عن التقريب والوحدة والهويّة الواحدة للأمّة الإسلاميّة، ينبغي أن نوضّح أيّ نظريّةٍ ينبغي تبنّيها وأيّ رؤىً ينبغي نفيها. وفي هذا المجال، هناك أربع نظريّاتٍ خاطئةٍ لا يمكن قبولها من منظور خطاب الثورة الإسلاميّة وفكر الإمام الراحل (قدّس اللّه سره) والقائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه). وتكتسب المعرفة الدقيقة بهذه النظريّات أهمّيّةً بالغةً؛ لأنّ مفهوم الوحدة الإسلاميّة لا ينبغي أن يُفسّر على نحوٍ يتعارض مع الأسس الاعتقاديّة والفقهيّة والهوياتيّة للمذاهب الإسلاميّة.

النظريّة الأولى؛ دمج المذاهب وتوحيدها

اعتبر آية اللّه الأعرافيّ أوّل نظريّةٍ خاطئةٍ في مجال الوحدة الإسلاميّة هي "تركيب المذاهب ودمجها وتوحيدها"، قائلًا: إنّ هذه الفرضيّة، في أساسها، فرضيّةٌ أوّليّةٌ وضعيفةٌ جدًّا؛ لأنّها تستلزم الجمع بين أمورٍ متضادّةٍ بل متناقضةٍ أحيانًا. ذلك أنّ المذاهب الإسلاميّة تتّسم، في مجالاتٍ مختلفةٍ كالكلام والعقائد والأخلاق والفقه، برؤى وأسسٍ متفاوتةٍ يستحيل في بعض الحالات جمعها وتوحيدها. وعليه، فإنّ السعي إلى تركيب هذه المذاهب أو دمجها والوصول إلى مذهبٍ واحدٍ لا يتّسق مع الواقع القائم في فكر المذاهب الإسلاميّة وميراثها العلميّ.

وأضاف: لكلّ مذهبٍ من المذاهب الإسلاميّة خلفيّةٌ علميّةٌ وأصولٌ فكريّةٌ ومبادئ وآراءٌ خاصّةٌ به، ولا يمكن، من خلال إلغاء الفروق الحقيقيّة والقائمة، تفسير مفهوم الوحدة الإسلاميّة بمعنى التوحيد الكامل بين المذاهب.

وتابع مؤكّدًا: إنّ هذا النهج، فضلًا عن مسألة الفروق الاعتقاديّة والفقهيّة، يعترضه عددٌ من الإشكاليّات النظريّة والعمليّة، إذ يستلزم إنشاء بنيةٍ موحّدةٍ من مذاهب مختلفةٍ إقصاء أجزاءٍ من أسس كلّ مذهبٍ وتعاليمه أو دمجها بعضها في بعضٍ، ممّا يؤدّي بالنتيجة إلى تغييرٍ في ماهيّة المذاهب لا إلى تقريبٍ حقيقيٍّ.

وأكّد في السياق ذاته: إنّ الوحدة الإسلاميّة، من منظور خطاب الثورة الإسلاميّة وفكر الإمام الخمينيّ (قدّس اللّه سره) والقائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه)، لا تعني نفي الهويّات المذهبيّة وتوحيد العقائد والأحكام بين المذاهب، وإنّما ينبغي أن تُعرَّف على أساسٍ يحافظ على الأصول والهويّات المذهبيّة، ويوفّر في الوقت ذاته أرضيّةً للتعاون والتعاطف والتعاضد بين أبناء الأمّة الإسلاميّة.

وأوضح: وعليه، فإنّ نظريّة تركيب المذاهب ودمجها، بسبب تجاهلها الفروق الحقيقيّة والجوهريّة بين المذاهب الإسلاميّة، وكذلك بسبب الإشكاليّات النظريّة الناجمة عن محاولة الجمع بين أمورٍ متضادّةٍ، لا يمكن أن تشكّل أساسًا صحيحًا لتحقيق التقريب والوحدة الإسلاميّة.

النظريّة الثانية؛ فكرة "الإسلام بلا مذاهب"

وفي مواصلة حديثه اعتبر آية اللّه الأعرافيّ النظريّة الخاطئة الثانية هي "إلغاء المميّزات والمفترقات والاكتفاء بالقواسم المشتركة"، أو فكرة "الإسلام بلا مذاهب"، وقال: تسعى هذه الرؤية إلى تركيز الاهتمام على النقاط المشتركة بين المسلمين من خلال إهمال الاختلافات والخصائص التي تميّز المذاهب بعضها عن بعضٍ.

لا يمكن تجاهل مميّزات المذاهب

وانتقد آية اللّه الأعرافيّ هذه النظريّة قائلًا: إنّ هذه الرؤية تستلزم هي الأخرى، على نحوٍ ما، ارتفاع النقيضين؛ إذ لا يمكن التخلّي بسهولةٍ عن الفروق والمميّزات القائمة بين الرؤى المختلفة. ففي كثيرٍ من القضايا توجد آراء متباينةٌ، بل ومتعارضةٌ أحيانًا، ولا يمكن تبنّي كلتا الرؤيتين في الوقت ذاته، أو إلغاء أصل المسألة من خلال حذف الفروق والاختلافات.

وأضاف: لا يمكنكم التخلّي عن المميّزات؛ إذ ينبغي في نهاية المطاف، من بين رأيين وقضيّتين مختلفتين، اختيار إحداهما. إنّ وجود الاختلاف في بعض القضايا حقيقةٌ لا يمكن تجاهلها بمجرّد التأكيد على نقاط الاشتراك.

وأشار إلى مكانة الاستدلال والبرهان في المباحث الاعتقاديّة والعلميّة، قائلًا: لا يمكن انتزاع الاستدلال والبرهان من الطرف المقابل. فإذا كان هناك اختلافٌ بين رأيين في مسألةٍ ما، فلا بدّ من الاعتراف بإمكانيّة طرح الاستدلال وفحص أدلّة كلا الطرفين، ولا يمكن، من خلال إلغاء الاختلافات، القضاء على أرضيّة الحوار العلميّ والاعتقاديّ.

التخلّي عن الخلافات قد يؤدّي بحدّ ذاته إلى نشوء تيّارٍ جديدٍ

وفي السياق ذاته، أشار عضو فقهاء مجلس صيانة الدستور الإيرانيّ، إلى الإشكاليّة المشتركة بين النظريّتين الأولى والثانية، قائلًا: من الإشكاليّات المشتركة بين هاتين النظريّتين أنّ هذه الرؤية ذاتها يمكن أن تتحوّل في العالم الإسلاميّ إلى فرقةٍ أو تيّارٍ جديدٍ.

وأوضح: إذا أراد فردٌ أو تيّارٌ ما تجاوز الخلافات القائمة وجمع المسلمين حول رؤيةٍ جديدةٍ، فإنّ هذه الرؤية ذاتها يمكن أن تتحوّل إلى تيّارٍ مستقلٍّ، وبالنتيجة تبقى مسألة الخلاف والتعدّد قائمةً كما هي.

وقال مؤكّدًا: وعليه، فإنّ مجرّد تقديم نظريّةٍ جديدةٍ لتجاوز الخلافات المذهبيّة لا يؤدّي بالضرورة إلى الوحدة؛ إذ إنّ تلك النظريّة الجديدة ذاتها قد تشكّل منشأً لتيّارٍ أو قراءةٍ جديدةٍ في العالم الإسلاميّ.

النظريّة الثالثة؛ نظرية "التعدّدية المعرفيّة وحقّانيّة جميع المذاهب"

وتناول مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة النظريّة الثالثة، معتبرًا إيّاها "التعدّديّة المعرفيّة وحقّانيّة جميع المذاهب"، قائلًا: إنّنا على يقينٍ من أنّ هذه النظرية غير صحيحةٍ؛ إذ لا يمكن القبول بحقّانيّة أمورٍ متعدّدةٍ ومتعارضةٍ يتناقض بعضها مع بعضٍ، في الوقت ذاته.

وتابع: إذا كانت قضيّتان أو رؤيتان متناقضتين ومتضادّتين في موضوعٍ محدّدٍ، فلا يمكن القول بصورةٍ مطلقةٍ إنّ كلتيهما على مستوىً واحدٍ من الحقّانيّة. إنّ القبول المتزامن بحقّانيّة أمورٍ متناقضةٍ لا يتّسق مع الأصول المنطقيّة والأسس المعرفيّة.

التأكيد على "نفس الأمر الواقعيّ" واستحالة الجمع بين النقيضين

وأوضح آية اللّه الأعرافيّ الأساس المعرفيّ الذي يتبنّاه، قائلًا: إنّنا نعتقد بوجود "نفس الأمر الواقعيّ" وباستحالة الجمع بين النقيضين أو ارتفاعهما، ونقبل بناءً على ذلك بالصدق والكذب الواقعيّين ومطابقة القضايا لنفس الأمر.

وأضاف: وبناء على هذه الرؤية، فإنّ الحقيقة ليست أمرًا يعتمد فقط على إدراكات الأشخاص أو قراءاتهم أو تلقّياتهم المتنوّعة؛ بل ثمّة واقعٌ قائمٌ في نفس الأمر للقضايا والمعارف البشريّة، يمكن من خلاله تقييم نسبة تلك القضايا إلى الواقع، والحديث عن صدقها أو كذبها.

وتابع مؤكّدًا: إنّ نظريّة التعدّديّة المعرفيّة تتعارض مع أسسنا الفلسفيّة والمعرفيّة؛ وعليه، لا يمكن من منظور هذه الأسس القبول بالحقّانيّة المطلقة والمتزامنة لجميع المذاهب، ولا سيّما في الحالات التي تتعارض فيها قضاياها وأسسها بعضها مع بعضٍ.

"التعدّدية في النجاة"؛ قبولٌ مشروطٌ للمعذوريّة

وتطرّق مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة إلى النظرية الرابعة، المعروفة بـ"التعدّدية في النجاة"، معتبرًا إيّاها تتميّز عن النظريّات الثلاث السابقة، وقال: إنّ هذه النظريّة، خلافًا للنظريّات الثلاث السابقة، مقبولةٌ لدينا في الجملة، ولكن ليس على نحوٍ مطلقٍ. فإذا كان شخصٌ ما قد سلك مسارًا مع توافر شروط المعذوريّة فيه، فقد يكون معذورًا. وهذا الأصل مقبولٌ في الجملة، ولكن لا يمكن قبوله بصورةٍ مطلقةٍ ومن دون أيّ قيدٍ أو شرطٍ.

وتابع مؤكّدًا: إنّ القول بأنّ كلّ فردٍ، بصرف النظر عن ظروفه وأسسه ودون مراعاة وضعه المعرفيّ وإمكان وصوله إلى الحقيقة، مشمولٌ للنجاة أو المعذوريّة على نحوٍ مطلقٍ، قولٌ غير مقبولٍ. وهذه المسألة تستدعي مراعاة مجموعةٍ من القيود والشروط.

المعذوريّة تستلزم إحراز الشروط والقيود

وأوضح في ختام هذا القسم من حديثه: إنّ أصل القول بأنّ «من سلك مسارًا ما مع توافر شروط المعذوريّة فيه، فقد يكون معذورًا» صحيحٌ؛ لكنّ القول بأنّ هذا الحكم ينطبق بصورةٍ مطلقةٍ على جميع الأفراد وفي جميع الظروف، فإنّ ذلك غير صحيحٍ.

وتابع مؤكّدًا: بناءً على ذلك، ينبغي في بحث "التعدّديّة في النجاة" التفريق بين حقّانيّة رؤيةٍ معيّنةٍ ومعذوريّة الشخص في اتباع رؤيةٍ معيّنةٍ. فقد يكون الشخص، في بعض الحالات، معذورًا بسبب ظروفه المعرفيّة الخاصّة وعدم تمكّنه من الوصول إلى الحقيقة أو وجود موانع خاصّةٍ، إلّا أنّ ذلك لا يعني القبول بالحقّانيّة المتزامنة والمطلقة لجميع الآراء والمذاهب. ومن هنا، ينبغي بحث مسألة النجاة والمعذوريّة بدقّةٍ وعلى أساس القيود والشروط المتعلّقة به، ولا يمكن استنباط حكمٍ مطلقٍ وغير مقيّدٍ من أصلٍ مشروطٍ.

المشتركات العميقة الصانعة للهويّة، والحفاظ على المميّزات العلميّة، وفقه العلاقات الاجتماعيّة: من أركان نظريّة وحدة الأمّة الإسلاميّة

وتناول آية اللّه الأعرافيّ النظريّة الخامسة في مسألة وحدة الأمّة الإسلاميّة، معتبرًا إيّاها نظريّة الثورة الإسلاميّة والقائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه)، وقال: إنّ هذه النظريّة تستند إلى خمسة عناصر أساسيّةٍ تملك، مجتمعةً، القدرة على توفير الأرضيّة اللازمة لتشكّل هويّةٍ فكريّةٍ واجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ واحدةٍ بين المسلمين.

وأوضح: إنّ أوّل عنصرٍ في هذه النظريّة هو وجود مشتركاتٍ كثيرةٍ وعميقةٍ وصانعةٍ للهويّة بين المسلمين؛ بمعنى أنّ الأمّة الإسلاميّة تتمتّع بطاقاتٍ واسعةٍ من المعتقدات والأصول والقيم والعناصر المشتركة التي يمكن أن تشكّل أساسًا لتكوين هويّةٍ فكريّةٍ واجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ واحدةٍ.

المشتركات العميقة؛ خيط سبحة وحدة الأمّة الإسلاميّة

وشدّد عضو فقهاء مجلس صيانة الدستور الإيرانيّ على العمق المعرفيّ للمشتركات بين المسلمين، مبيّنًا: إنّ هذه المشتركات لا تقتصر على المستوى الظاهريّ والاجتماعيّ، بل تتمتّع بعمقٍ معرفيٍّ، وتتجلّى في الميادين الهويّاتيّة والحضاريّة أيضًا. وإنّ مجموع هذه المشتركات الواسعة والعميقة والصانعة للهويّة والحضارة، يشبه خيط السبحة الذي يمكنه أن يجمع مختلف مكوّنات الأمّة الإسلاميّة بعضها إلى بعضٍ، ويضمّها تحت خيمةٍ واحدةٍ.

وتابع: وفقًا لهذه الرؤية، لا تعني الوحدة الإسلاميّة تجاهل الاختلافات وإلغاء الهويّات المذهبيّة، بل تقوم على التعرّف إلى العناصر المشتركة التي تمتلك القدرة على خلق هويّةٍ أكبر وأكثر شمولًا بين المسلمين وتعزيزها.

الحفاظ على المميّزات والاختلافات في فضاءٍ علميٍّ حرٍّ

واعتبر آية اللّه الأعرافيّ العنصر الثاني في هذه النظريّة هو الحفاظ على المميّزات والاختلافات المذهبيّة في المجالس العلميّة، قائلًا: فيما يتعلّق بالمميّزات والمفترقات، ينبغي أن يبقى نفي الآراء وإثباتها محفوظًا في المجالس العلميّة، وألّا تُغلق أبواب الحوارات والمباحثات العلميّة بين المذاهب الإسلاميّة.

وأضاف: ينبغي أن تتوفّر إمكانيّة البحث والنقد والدراسة وعرض الآراء المختلفة في المجالات العلميّة؛ لأنّ الوحدة لا تعني تعطيل المباحثات العلميّة أو التغاضي عن الاختلافات الاعتقاديّة والفقهيّة. ولا ينبغي للمميّزات والاختلافات المذهبيّة أن تلحق الضرر بالهويّة الواحدة والمسار الموحّد للأمة الإسلاميّة. وبعبارةٍ أخرى، يمكن بحث الاختلافات في المجالات العلميّة، ولكن لا ينبغي لهذه الاختلافات أن تتحوّل إلى عاملٍ للقطيعة الاجتماعيّة والسياسيّة والحضاريّة بين المسلمين.

الحدود القطعيّة للإسلام؛ التوحيد والنبوّة والمعاد

واعتبر آية اللّه الأعرافيّ العنصر الثالث في هذه النظريّة هو "الحدود القطعيّة للإسلام"، موضحًا: إنّ ما يحدّد الخطّ الفاصل بين الإسلام والكفر يقوم على عددٍ من الأصول الأساسيّة، من بينها التوحيد، النبوّة، والمعاد. وهذا الخطّ هو حدٌّ واضحٌ وقاطعٌ، وأنّ تجاوزه هو عين التطرّف الذي نرفضه.

وأضاف: وعليه، ينبغي، مع القبول بالتنوّع ووجود الاختلافات المذهبيّة داخل الأمّة الإسلاميّة، الاهتمام بالخطوط الأساسيّة والقطعية للإسلام، وتجنّب أيّ نهجٍ متطرّفٍ يؤدّي إلى الخروج عن الأطر الأساسيّة للإسلام أو إلى إيجاد شرخٍ بين أبناء الأمّة الإسلاميّة.

فقه العلاقات الاجتماعيّة؛ طاقةٌ واسعةٌ لتحقيق الأخوّة الإسلاميّة

واعتبر آية اللّه الأعرافيّ "فقه العلاقات الاجتماعيّة" بين المسلمين العنصر الرابع لهذه النظريّة، قائلًا: توجد في العلاقات الاجتماعيّة بين المسلمين منظومةٌ من الأحكام والواجبات والمحظورات تختصّ بالعلاقات داخل المجتمع الإسلاميّ. وتشمل هذه المنظومة الواسعة من العلاقات الأخلاقيّة والاجتماعيّة إيجابيّاتٍ وسلبيّاتٍ، ويمكنها أن توفّر الأرضيّة لتشكيل وتعزيز العلاقات الاجتماعيّة والسياسيّة المتشابكة بين المسلمين.

وأشار إلى طاقة الفقه الإسلاميّ في تحقيق ذلك، مؤكّدًا: إنّ فقهنا الشيعيّ وكذلك فقه المذاهب الأخرى يعترف في الغالب بهذه الطاقة، ويفتح الطريق أمام تجلّي تلك الأخوّة الإسلاميّة التي تمّ التأكيد عليها. وبناءً على ذلك، فإنّ العلاقات بين المسلمين لا تقتصر على الاشتراك في بعض المعتقدات النظريّة، بل يمكن في المجالات الاجتماعيّة والأخلاقيّة والسياسيّة أيضًا تحديد مجموعةٍ من العلاقات والحقوق المتبادلة التي تؤدّي إلى مزيدٍ من التلاحم والتضامن بين الأمّة الإسلاميّة.

المصالح والمنافع المشتركة؛ طاقةٌ للتعاون بين الأمّة الإسلاميّة

واعتبر آية اللّه الأعرافيّ، في السياق ذاته، أنّ المصالح والمنافع المشتركة تُعدّ من العناصر المهمّة الأخرى في هذه النظريّة، قائلًا: تؤكّد النظريّة الخامسة، إضافةً إلى العناصر السابقة، على وجود مصالح ومنافع مشتركةٍ بين المسلمين.

وأضاف موضحًا: حتّى لو لم تكن العناصر الأربعة السابقة تتّسم بالقوّة الكافية لصنع الهويّة والحضارة بالقدر المطلوب، فإنّ وجود المسلمين في منطقةٍ جغرافيّةٍ واحدةٍ، وتجاورهم، وتمتّعهم بمصالح مشتركةٍ، وامتلاكهم طاقاتٍ واسعةٍ ومواهب عظيمةٍ، يقتضي أن تُجمع هذه الطاقات جنبًا إلى جنبٍ، وأن تُستخدم في سبيل تحقيق المصالح المشتركة.

وتابع قائلًا: إنّ حكم العقل أيضًا يقضي بأن تعمل مجموعةٌ من المجتمعات والشعوب التي تتمتّع بمنافع وطاقاتٍ ومصالح مشتركةٍ، بدلًا من التشتّت والمواجهة، على توظيف هذه الطاقات في سبيل تحقيق المصالح المشتركة وتعزيز مكانة الأمّة الإسلاميّة.

الأعداء المشتركون واحترام المقدّسات: مكمّلات نظريّة الوحدة

كما اعتبر آية الله الأعرافيّ أنّ وجود أعداءٍ مشتركين من الطاقات المهمّة لتعزيز تقارب المسلمين، قائلًا: إنّ الأمّة الإسلاميّة، إلى جانب اشتراكاتها الاعتقاديّة والهوّاتيّة والاجتماعيّة والحضاريّة، تواجه في بعض المجالات تهديداتٍ وأعداءً مشتركين أيضًا، الأمر الذي يكشف، بصورةٍ أوضح، ضرورة التعاون والتقارب بين المسلمين.

وشدّد في السياق ذاته على نفي التعرّض لمقدّسات الآخرين، وأضاف: في مسار تحقيق الوحدة الإسلاميّة، ينبغي ألّا يتعرّض أحدٌ لمقدّسات سائر المسلمين. وإنّ احترام حرمة المقدّسات، وتجنّب الممارسات التي تؤدّي إلى تأجيج الخلافات المذهبيّة وإيجاد شرخٍ بين أتباع المذاهب الإسلاميّة، من مقتضيات التعايش ووحدة الأمّة الإسلاميّة.

محبّة أهل البيت (عليهم السلام)؛ أصلٌ مشتركٌ بين المسلمين

ولفت آية اللّه الأعرافيّ إلى محبّة أهل البيت (عليهم السلام) باعتبارها أحد العناصر الأخرى الجديرة بالاهتمام في هذه النظريّة، قائلًا: يمكن التأكيد على محبّة أهل البيت (عليهم السلام) بوصفها أصلًا مشتركًا، وهي تمتلك طاقةً مهمّةً لتعزيز أواصر الترابط بين المسلمين.

وقال في خلاصة هذه النظريّة الخامسة: إنّ نظريّة الثورة الإسلاميّة والقائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) حول الوحدة الإسلاميّة تستند إلى مجموعةٍ من العناصر المتشابكة؛ فهي من جهةٍ تؤكّد على المشتركات الواسعة والعميقة الصانعة للهويّة والحضارة، ومن جهةٍ أخرى تعترف بالحفاظ على الاختلافات والمميّزات في إطار المجالس العلميّة.

وأضاف: وفي هذه المنظومة، تُصان الحدود القطعيّة للإسلام، ويوفّر فقه العلاقات الاجتماعيّة بين المسلمين الطاقات اللازمة لتحقيق الأخوّة والتعاون، كما يمكن للمصالح والمنافع المشتركة، ووجود الأعداء المشتركين، ورفض التعرّض للمقدّسات، والتأكيد على محبّة أهل البيت (عليهم السلام)، أن تعزّز أرضيّات التقارب والتعاون بين أبناء الأمّة الإسلاميّة بشكلٍ أوسع وأعمق.

ينبغي للعالم الإسلامي أن يتّجه نحو تقاربٍ حضاريٍّ كلّيٍّ وفوق استراتيجيٍّ

وأشار مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة إلى الطاقات الجديدة التي تشكّلت في العالم الإسلاميّ، قائلًا: إنّ الظروف الراهنة في العالم الإسلاميّ تقتضي أن تتّجه الدول الإسلاميّة والتيّارات المؤثّرة فيه نحو تقاربٍ حضاريٍّ كلّيٍّ وفوق استراتيجيٍّ؛ وهي طاقةٌ لم تكن متاحةً بهذا المستوى خلال القرون الماضية.

وتطرّق إلى التحوّلات التاريخيّة خلال القرنين الأخيرين، مبيّنًا: لقد شهد العالم الإسلاميّ خلال القرنين الماضيّين حقبةً طويلةً من التخلّف والحروب والاحتلال وهيمنة القوى الاستكباريّة، ومن أبرز نماذج ذلك احتلال فلسطين العزيزة. وفي تلك المرحلة، فرضت هيمنة الاستكبار والصهيونيّة أوضاعًا على الدول الإسلاميّة أغلقت عمليًّا منافذ التنفّس والحركة المستقلّة أمام كثيرٍ من الشعوب الإسلاميّة.

لم تكن طاقات التقارب في العالم الإسلاميّ متوافرةً في القرون الماضية

وتابع عضو فقهاء مجلس صيانة الدستور الإيرانيّ، مؤكّدًا: إنّ الظروف التي يعيشها العالم الإسلاميّ اليوم تختلف عن الماضي؛ فبفضل خطاب الثورة الإسلاميّة، شهدت الأمّة الإسلاميّة نهضةً وتحولًا تاريخيًّا، وتوفّرت أرضيّاتٌ جديدةٌ لليقظة والمقاومة والتقارب في العالم الإسلاميّ.

وأشار إلى التطوّرات والمواجهات الأخيرة التي شهدتها المنطقة، وقال: لقد أفضت الحرب المفروضة التي استمرّت 12 يومًا، وحرب رمضان التي امتدّت 40 يومًا، واستشهاد القائد العظيم للثورة الإسلاميّة، سماحة آية اللّه العظمى الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، إلى ميلاد واقعٍ جديدٍ وإحداث تحوّلٍ عميقٍ في معادلات العالم. وما يشهده العالم الإسلاميّ اليوم لا يقتصر على تحوّلٍ عابرٍ أو محصورٍ في ميدانٍ خاصٍّ، بل يمثّل منعطفًا يمكن أن يؤسّس لتحوّلاتٍ أوسع وأعمق في موازين القوى والعلاقات الإقليّمية والدوليّة.

خطاب الثورة الإسلاميّة أحدث تحولًا تاريخيًّا في الأمّة الإسلاميّة

وشدّد آية اللّه الأعرافيّ على أهمّيّة الاستفادة من الظروف الجديدة، مضيفًا: إذا لم نحسن استثمار هذه الطاقة الجديدة التي تشكّلت ببركة دماء الشهداء وبفضل صمود إيران والشعب الإيرانيّ والقيادة العظمى في إيران، فقد خنّا التاريخ المقبل. لقد وفّرت الظروف الراهنة للعالم الإسلاميّ فرصةً تاريخيّةً، والحفاظ على هذه الطاقة وتعزيزها يتطلّبان اليقظة والتماسك والتقارب والتحرّك في مستوىً يتجاوز الاعتبارات السياسيّة القصيرة المدى.

وأشار إلى مكانة المقاومة في التطوّرات الأخيرة، قائلًا: ينبغي اليوم الالتفات إلى أنّ المعادلات الإقليميّة والدوليّة قد تغيّرت قياسًا بالماضي، وأنّ محور المقاومة تمكّن، في مواجهة الضغوط والقوى الكبرى، من استعراض طاقاتٍ جديدةٍ من الصمود والتأثير.

المعادلات الإقليميّة الجديدة ثمرة صمود إيران ومحور المقاومة

ولفت مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة إلى الأوضاع التي سبقت التطوّرات الأخيرة، موضحًا: لم يكن يخطر ببال أيٍّ من التيّارات السياسيّة في العالم أنّه يمكن الصمود، ولو ليومٍ واحدٍ، في مواجهة أكبر قوّةٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ وعسكريّةٍ في العالم، وذراعها في المنطقة. غير أنّ إيران ومحور المقاومة تمكّنا من فرض معادلةٍ جديدةٍ، وهي معادلةٌ لا ينبغي النظر إليها بوصفها حدثًا عاديًّا أو عابرًا.

وتابع مؤكّدًا: إنّ هذه المعادلة الجديدة ليست أمرًا هيّنًا، بل ينبغي إدراك أبعادها وتداعياتها على المستوى الإقليميّ والعالميّ بصورةٍ صحيحةٍ، والعمل على التخطيط لاستثمار الطاقات المتشكّلة في مسار تعزيز تقارب العالم الإسلاميّ.

وشدد في السياق ذاته على ضرورة الاهتمام بهذه الفرصة التاريخيّة، قائلًا: يمتلك العالم الإسلاميّ اليوم، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، القدرة على التحرّك، مستندًا إلى تجربة المقاومة والتطوّرات الجديدة، نحو تقاربٍ حضاريٍّ كلّيٍّ وفوق استراتيجيٍّ، والاستفادة من الطاقات المتاحة لبناء مستقبلٍ مختلفٍ للعالم الإسلاميّ.

ينبغي للحوزة العلميّة أن تنتج النظرية اللازمة لتحقيق الأمة الإسلامية الواحدة

وأكّد عضو المجلس الأعلى للحوزات العلميّة على ضرورة تعزيز خطاب المقاومة والتقريب بين المذاهب الإسلاميّة، قائلًا: إنّ تشكيل منظومةٍ مترابطةٍ من البلدان الإسلاميّة كان من شأنه أن يؤسّس لقوّةٍ حضاريّةٍ للأمّة الإسلاميّة، كما أنّ تطوّرات المنطقة اليوم يمكن أن تتحوّل إلى رصيدٍ لتحقيق الوحدة الإسلاميّة.

وأشار إلى تطوّرات المنطقة وضرورة إعادة قراءة طبيعة العلاقات في العالم الإسلاميّ، موضحًا: ينبغي أن تكون قد ترسّخت لدى المسؤولين في بلدان منطقة الخليج الفارسيّ، الذين تعاونوا مع العدوّ في بعض المحطّات، حقيقة أنّ الأمن القائم على دعم القوى الأجنبيّة أمنٌ مستعارٌ ولا يمكن أن يكون مستدامًا أو مضمونًا.

وأضاف: لقد أثبتت تجارب المنطقة أنّ الاتّكال على القوى الخارجة عن العالم الإسلاميّ لا يمكن أن يضمن الأمن المستدام للشعوب والحكومات في المنطقة، ولا بدّ للبلدان في علاقاتها من الاعتماد، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، على طاقاتها الذاتيّة، وعلى التعاون الإقليميّ، وعلى الروابط القائمة بين الشعوب الإسلاميّة.

خطاب المقاومة؛ ممهّدٌ للوحدة الحضاريّة في العالم الإسلاميّ

وأكّد آية اللّه الأعرافيّ على طاقة خطاب المقاومة في صناعة مستقبل العالم الإسلاميّ، قائلًا: لو تمكّنا في الماضي من تشكيل منظومةٍ مترابطةٍ ومتماسكةٍ على أساس خطاب المقاومة والثورة الإسلاميّة، لكانت ظروف العالم الإسلاميّ مختلفةً اليوم، ولما كان بمقدور الكيان الصهيونيّ بلوغ هذه المكانة في المنطقة.

وتابع: كان بإمكان الأمّة الإسلاميّة في ظلّ هذه الظروف أن تبلغ مكانتها الحقيقيّة في ميادين العلم والثقافة والحضارة العالميّة، وأن تحضر بوصفها كتلةً حضاريّةً مؤثّرةً في تطوّرات العالم.

وأشار إلى التطوّرات والاشتباكات الأخيرة في المنطقة، وقال: قد يتصوّر البعض أنّ ما جرى لا يعدو كونه حربًا، وأنّ قواعد في المنطقة تعرّضت للاستهداف، وأنّ أيّ اعتداءٍ جديدٍ سيقابل بردٍّ أشدّ؛ إلّا أنّه لا ينبغي تحليل هذه التطوّرات في إطار المواجهات العسكريّة والأمنيّة وحدها.

تطوّرات المنطقة يمكن أن تتحوّل إلى رصيدٍ لوحدة الأمّة الإسلاميّة

وأكّد مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة: لا ينبغي لأحدٍ أن يتصوّر أنّ هذه التطوّرات تجعل وحدة الأمّة الإسلاميّة وتماسكها أمرًا صعبًا أو مستحيلًا؛ بل على العكس تمامًا، فإنّ هذه التطوّرات، في حال إدارتها بصورةٍ صحيحةٍ، يمكن أن تتحوّل إلى رصيدٍ لتكوين وحدةٍ حضاريّةٍ مصيريّةٍ في العالم الإسلاميّ.

وتابع: إنّ ما تشهده المنطقة اليوم يمكن أن يشكّل أرضيّةً لإعادة التفكير في العلاقات بين الدول الإسلاميّة، وتعزيز الشعور بالهويّة المشتركة بين الشعوب الإسلاميّة. ومن هذا المنطلق، فإنّ تطوّرات المنطقة ليست مجرّد قضيّةٍ سياسيّةٍ أو أمنيّةٍ، بل يمكن أن تتّسع لأبعادٍ ثقافيّةٍ واجتماعيّةٍ وفكريّةٍ وحضاريّةٍ عميقةٍ.

ضرورة تطوير المباحث العلميّة في مجال التقريب بين المذاهب

وفي السياق ذاته، شدّد عضو فقهاء مجلس صيانة الدستور الإيرانيّ على مسؤوليّة الحوزات العلميّة في توفير الأرضيّة الفكرية لوحدة العالم الإسلاميّ، وقال: ينبغي لنا أن نخطو خطواتٍ أكبر في مجالات فلسفة التقريب، وعلم كلام التقريب، وفقه التقريب، وأخلاق التقريب، وأن نبذل، في الوقت نفسه، جهودًا أعمق وأكثر جدّيّةً في مجالات الفلسفة والكلام والفقه المرتبطة بـ"الأمة الإسلاميّة الواحدة".

وأضاف: لا يمكن تحقيق الوحدة الإسلاميّة بمجرّد التوصيات وإطلاق الشعارات، بل يحتاج إلى رصيدٍ علميٍّ وفكريٍّ ونظريٍّ رصينٍ، الأمر الذي يستدعي وضع برامج أكثر دقّةً، واتخاذ تدابير أكثر جديّةً في مختلف الحقول العلميّة والفكريّة. وينبغي للحوزات العلميّة أن تتمكّن من تبيين الأسس النظرية اللازمة لتكامل الأمّة الإسلاميّة، وتقديم أجوبةٍ علميةٍ معاصرةٍ لقضايا العالم الإسلاميّ في مختلف المجالات الفقهيّة والكلاميّة والفلسفيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة.

"فقه العلاقات الاجتماعيّة بين المسلمين"؛ أحد الميادين البحثيّة الجديدة

وأشار آية اللّه الأعرافيّ إلى ضرورة توسيع مجالات البحث في الحوزات العلميّة، وقال: ينبغي للحوزة العلميّة أن تنتج النظريّات في هذا المسار، وأن تستجيب، في الميادين العلميّة والفقهيّة المستجدّة، لمتطلّبات المجتمع والعالم الإسلاميّ. فنحن بحاجةٍ إلى العمل والبحث في نحو 20 حقلاً فقهيًّا جديدًا، ومن أبرزها "فقه العلاقات الاجتماعيّة بين المسلمين".

وتابع مؤكّدًا: إنّ القضايا المرتبطة بالعلاقات بين المسلمين، والتفاعل بين المجتمعات الإسلاميّة، وكيفيّة التعامل مع الاختلافات المذهبيّة والاجتماعيّة، وكذلك آليات تعزيز التكامل والتقارب بين المسلمين، تحتاج إلى دراساتٍ عميقةٍ ومنهجيّةٍ على الصعيد الفقهيّ والعلميّ.

واختتم حديثه قائلًا: ينبغي للحوزات العلميّة، من خلال الانخراط بصورةٍ أكثر جدّيّةً في هذه الميادين، أن توفّر، إلى جانب الاستجابة للقضايا المستجدّة في العالم الإسلامي، الأسس النظريّة والعلميّة اللازمة لتعزيز التقريب بين المذاهب، وتشكيل الأمّة الإسلاميّة الواحدة، ودفع العالم الإسلاميّ نحو بناء حضارةٍ إسلاميّةٍ حديثةٍ.

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرّر: حسن رحمانيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha