الجمعة 28 أغسطس 2026 - 13:45
الحوزات العلميّة والإرث التاريخيّ لمدرسة الشهيد نصر اللّه؛ من تحديد الرسالة الحوزويّة وتأصيلها إلى صياغة الاستراتيجيّات التنفيذيّة

وكالة الحوزة - أكّد حجّة الإسلام والمسلمين ربّانيّ أنّ مدرسة الشهيد السيّد حسن نصر اللّه تمثّل نموذجًا حضاريًّا وإداريًّا متكاملًا، داعيًا الحوزات العلميّة إلى الاستفادة من هذا الإرث في بلورة رؤى واستراتيجيّاتٍ تنفيذيّةٍ للنهوض برسالتها العلميّة والثقافيّة، وتعزيز دورها في بناء المجتمع الإسلاميّ ومواجهة التحدّيات المعاصرة.

وكالة أنباء الحوزة - انعقدت ندوةٌ علميّةٌ تخصّصيّةٌ تحت عنوان "الحوزات العلميّة والرسالات المنبعثة من بيان إمامنا الشهيد؛ مدرسة الشهيد السيّد حسن نصر اللّه أنموذجًا"، باستضافة مدرسة "آية اللّه الإيروانيّ" العلميّة وبالتعاون المشترك بين الأمانة الدوليّة لأمناء الرسل وإدارة الحوزات العلميّة الإيرانيّة للأخوات.

ومثّلت هذه الندوة محاولةً فكريّةً لإعادة قراءة دور الحوزات العلميّة في المنظومة الحضاريّة الإسلاميّة، ودراسة التجربة الإداريّة للشهيد السيّد حسن نصر اللّه بوصفه نموذجًا حضاريًّا معاصرًا.

وخلال هذه الندوة، تناول حجّة الإسلام والمسلمين محمّد تقي ربّانيّ، أمين اللجنة العلميّة بالأمانة العامّة لـأمناء الرسل، بمنهجٍ تحليليٍّ العلاقة بين الحوزات العلميّة، والرسالة التاريخيّة لرجال الدين، ونموذج الفعل الحضاريّ الذي جسّده الشهيد السيّد حسن نصر اللّه.

الحوزات العلميّة امتدادٌ لمدرسة الإمامة

واستهلّ حجّة الإسلام والمسلمين ربّانيّ كلمته باستعراض الجذور التاريخيّة للحوزات العلميّة، مؤكّدًا أنّها ليست مجرّد مؤسّسةٍ تعليميّةٍ، بل تمثّل الامتداد الأصيل لـ"مدرسة الإمامة".

ولفت إلى الأحداث التي تلت عاشوراء قائلًا: إنّ الإمام السجّاد (عليه السلام)، عقب واقعة عاشوراء، شكّل مدرسةً في مواجهة "مدرسة الخلافة" التي انطلقت من السقيفة، واضعًا بذلك الأساس لإحياء الهويّة الشيعيّة وصيانة الفكر الإسلاميّ الأصيل.

وأوضح: إنّ رسالة هذه المدرسة كانت تتمثّل في صيانة الفكر الإسلاميّ الأصيل خلال أصعب فترات الكبت والاستبداد؛ وبناءً عليه، يتوجّب على الحوزات العلميّة اليوم أن تدرك أنّ رسالتها لا تقتصر على نقل المعرفة النصّيّة، بل تقع على عاتقها رسالةٌ أوسع تقوم على مفهومي "الإنذار" و"الأخذ باليد"، وهي حركيّةٌ إلهيّةٌ تخرج المجتمع من حالة الجمود وتدفعه نحو قمم الكمال الحضاريّ.

الحوزات العلميّة للأخوات؛ ظاهرةٌ حضاريّةٌ

وفي جانبٍ آخر من حديثه، ركّز حجّة الإسلام والمسلمين ربّانيّ على الطاقات الحديثة للحوزات العلميّة، واصفًا تأسيس الحوزات العلميّة للأخوات بأنّه من أعظم بركات الثورة الإسلاميّة، معتبرًا إيّاه "ظاهرةً حضاريّةً كبرى".

وتابع مؤكّدًا: إنّ هذه الحوزات لا تؤدّي وظيفةً تعليميّةً فحسب، بل تضطلع بمهمّة إعداد القيادات الاجتماعيّة وصناعة الطاقات المؤثّرة.

ولفت هذا الأستاذ الحوزويّ إلى ساحتين هامّتين لنشاط الطالبات الحوزويّات، هما: إدارة شؤون الأسرة، والإسهام في التبيين على المستوى الاجتماعيّ العامّ. ورأى أنّ دور الطالبات في مواجهة التحدّيات الفكريّة والثقافيّة يُعدّ ضرورةً لا مناصّ منها، ويمكن لهذه المؤسّسة أداء دورٍ استراتيجيٍّ كذراعٍ قويّةٍ لإعادة بناء الهويّة الإسلاميّة.

مشروع "الاستخفاف" في المنطق القرآنيّ

وحذّر حجّة الإسلام والمسلمين ربّانيّ من المشروع الاستراتيجيّ للتيّارات الطاغوتيّة للهيمنة على المجتمعات؛ وهو المشروع الذي أطلق عليه اسم "الاستخفاف"، مستندًا إلى المنطق القرآنيّ حول تعامل فرعون مع مجتمعه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [سورة الزخرف: الآية 54].

وتابع موضحًا: إنّ التيّارات الطاغوتيّة على مرّ التاريخ استخدمت أسلوبًا موحّدًا للهيمنة؛ يستند إلى التحقير وسلب الكرامة من الناس. وقد استمرّ هذا المشروع بعد السقيفة في العصرين الأمويّ والعبّاسيّ، ثمّ اتّخذ في العصر المعاصر صورًا جديدةً عبر الاستعمار الحديث بهدف تكريس حالة الذلّ والاستلاب في الأمّة الإسلاميّة.

الثورة الإسلاميّة واستعادة العزّة الإسلاميّة

وأشار حجّة الإسلام والمسلمين ربّانيّ إلى أنّ الثورة الإسلاميّة نجحت في كسر هذا المسار التاريخيّ القائم على الإذلال والتحقير، وفتحت الطريق أمام استعادة العزّة الدينيّة والاجتماعيّة للأمّة الإسلاميّة.

وأضاف: إنّ الشهيد السيّد حسن نصر اللّه جسّد هذه العزّة على الصعيد العالميّ، وفي المواجهة مع أعتى أعداء البشريّة، وأثبت إمكانيّة تحويل مجتمعٍ محرومٍ ومستضعفٍ إلى قوّةٍ مقتدرةٍ ورادعةٍ بالاعتماد على المبادئ الدينيّة.

الشهيد السيّد حسن نصر اللّه؛ مدرسةٌ إداريّةٌ وحضاريّةٌ

وقدّم حجّة الإسلام والمسلمين ربّانيّ ملامح شخصيّة الشهيد السيّد حسن نصر اللّه، معرّفًا إيّاه بأنّه ليس مجرّد فردٍ، بل "مدرسةٌ إداريّةٌ وحضاريّةٌ"، وأشار إلى أبرز خصائص هذه المدرسة وفي مقدّمتها: الذكاء الوقّاد، وإدارة الأزمات، والقدرة على صناعة الوفاق وحلّ النزاعات وإيجاد التقارب بين مختلف الفئات الاجتماعيّة.

ولفت إلى التركيبة الاجتماعيّة المعقّدة في لبنان قائلًا: استطاع الشهيد نصر اللّه ردم الفجوات العميقة بين المكوّنات اللبنانيّة المختلفة- بما فيها الشيعة وأهل السنّة والدروز والمسيحيّون - وتحويل الانقسامات إلى حالةٍ من التكاتف والتقارب في مسار المقاومة.

واعتبر هذه القدرة إحدى أبرز تجلّيات المدرسة الإداريّة والحضاريّة للشهيد نصر اللّه، مؤكّدًا: إن إدارة المجتمع المتعدّد الأطياف تتطلّب معرفةً دقيقةً بالواقع الاجتماعيّ، والقدرة على الحوار والإقناع وبناء الثقة بين مختلف الفئات.

تمكين المستضعفين وتحويل حالة الاستضعاف إلى الاقتدار

وفي جانبٍ آخر من حديثه، لفت حجّة الإسلام والمسلمين ربّانيّ إلى دور الشهيد السيّد حسن نصر اللّه في منح العزّة للفئات المحرومة في لبنان، موضحًا أنّ هذا الشهيد الجليل استطاع تحويل المجتمع الذي كان يرزح تحت الاستضعاف إلى قوّةٍ مقتدرةٍ تتمتّع بعناصر الردع والتأثير.

وبيّن أنّ هذه التجربة تمثّل درسًا بالغ الأهميّة للحوزات العلميّة؛ إذ تثبت إمكانيّة تفعيل الطاقات الكامنة لدى المحرومين، وتحويل مجتمعٍ مستضعفٍ إلى قوّةٍ مؤثّرةٍ بالاعتماد على القيم الإسلاميّة.

ضرورة الانتقال من الإشادة العاطفيّة إلى بناء المنهجيّات

ودعا حجّة الإسلام والمسلمين ربّانيّ إلى تجاوز مرحلة الإشادة العاطفيّة بالشخصيّات الحضاريّة، والانتقال إلى مرحلة صياغة المنهجيّات العلميّة.

وانتقد الاكتفاء بالإشادة والتكريم عند التعاطي مع الشخصيّات الحضاريّة، موضحًا: إنّ مسؤوليّة الحوزات العلميّة لا تقتصر على تكريم شخصياتٍ من أمثال الشهيد نصر اللّه، بل تمتدّ إلى استلهام سيرتهم وتجاربهم واستخلاص "خطّة عملٍ" و"توجيهاتٍ تنفيذيّةٍ" منها.

واقترح أن تعمل المراكز العلميّة والبحثيّة على تحويل مختلف جوانب سيرة الشهيد نصر اللّه إلى نماذج علميّةٍ وتعليميّةٍ، تشمل مهارات الإقناع، وإدارة النزاعات في المجتمعات المتعدّدة القوميّات والمذاهب، وآليّات النشاط المؤثّر في البيئات الخطرة، وتكتيكات العمليّات الإعلاميّة.

وأشار إلى أنّ هذه المحاور يمكن أن تؤسّس لنموذجٍ علميٍّ يسهم في إعداد الكفاءات الاجتماعيّة والثقافيّة والحوزويّة.

بناء الطاقات الحضاريّة تمهيدًا لعصر الظهور

وفي ختام هذه الندوة، أكّد حجّة الإسلام والمسلمين ربّانيّ أنّ هذا المسار العلميّ والبحثيّ يمثّل خطوةً أساسيّةً لبناء الطاقات الحضاريّة اللازمة للتهيّؤ الحقيقيّ لظهور الإمام المهديّ (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف).

وشدّد على أنّ تحقّق الوعود الإلهيّة يتطلّب بناء طاقاتٍ واقعيّةٍ وحضاريّةٍ لدى المنتظرين، وأنّ الانتظار لا يتحقّق بمجرّد رفع الشعارات أو إبداء المشاعر، بل لا بدّ من تحويله إلى طاقةٍ اجتماعيّةٍ وفكريّةٍ وإداريّةٍ وحضاريّةٍ.

واختُتمت هذه الندوة بالتأكيد على ضرورة مواصلة التعاون بين المؤسّسات العلميّة والتبليغيّة، وتعزيز الدراسات المتخصّصة حول "مدرسة المقاومة"، وتحويلها إلى مشاريع علميّةٍ وتربويّةٍ مستدامةٍ.

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرّر: حسن رحمانيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha