الأربعاء 12 أغسطس 2026 - 12:09
الالتزام بالاقتصاد المقاوم وصفة الانتصار في الحرب الاقتصاديّة.. دعم الإنتاج وتشديد الرقابة على الأسواق في صدارة مطالب الشعب من المسؤولين

وكالة الحوزة - في ظلّ الظروف الراهنة، يُعدّ الارتكاز على مبادئ الاقتصاد المقاوم ومقوّماته أهمّ إستراتيجيّةٍ لنا بهدف ارتقاء مستوى الاستقرار والقدرة الوطنيّة على الصمود في مواجهة الحرب الاقتصاديّة الأخيرة، في وقتٍ يتطلّع فيه المواطنون إلى مزيدٍ من الدعم للإنتاج الوطنيّ وتشديد الرقابة على الأسواق وضبط الأسعار.

وكالة أنباء الحوزة - تكشف التطوّرات الأخيرة أنّ نمط المواجهة الأمريكيّة مع إيران يشهد تحوّلًا ملحوظًا. ولا يعني ذلك نفي الخيار العسكريّ أو التقليل من احتمالات لجوء العدوّ إليه ضدّ مصالح البلاد ووحدة أراضيها، إذ من المتوقّع أن يبقى البعد العسكريّ حاضرًا في الصراع إلى حين ترسيخ مكانة إيران في النظام الدوليّ، غير أنّ الاقتصاد والإعلام والشبكات الماليّة باتت اليوم تمثّل الميدان الرئيس لهذه المواجهة.

ولهذا يرى الخبراء والمختصّون أنّ المعركة المقبلة لن تُحسم في السماء أو البحر بقدر ما ستدور في الأسواق الماليّة، والشبكات المصرفيّة، وأنظمة الدفع، وسلاسل التوريد، والفضاء الإعلاميّ.

استقرار الاقتصاد؛ ركيزةٌ لتعزيز الثقة العامّة

ولا شكّ أنّ أكبر رصيدٍ تمتلكه البلاد في مثل هذه الظروف لا يتمثّل في الموارد الطبيعيّة أو القدرات العسكريّة فحسب، بل في الثقة العامّة، واستقرار الاقتصاد، والقدرة الوطنيّة على التكيّف مع المتغيّرات.

ومن جهةٍ أخرى، فإنّ دراسة مواقف كبار المسؤولين في البيت الأبيض، إلى جانب التصريحات والتغريدات الصادرة عن شخصيّات مثل دونالد ترامب، ولا سيّما تصريحات وزير الخزانة الأمريكيّ سكوت بيسنت، تكشف أنّ واشنطن لا تركّز على العقوبات التقليديّة وحدها، بل تستهدف رفع كلفة المعاملات الخارجيّة لإيران، وتعقيد الوصول إلى العملات الأجنبيّة، وفرض مزيدٍ من القيود على الشبكات الماليّة، وإثارة الاضطراب وعدم الاستقرار في الأسواق الداخليّة، وهو ما يمكن ملاحظته بوضوحٍ في مظاهر الحصار البحريّ المفروض على إيران.

تعزيز القدرة على الصمود عبر الاقتصاد المقاوم

وفي ظلّ هذه المعطيات، يظلّ الاعتماد على مبادئ الاقتصاد المقاوم ومقوّماته أهمّ إستراتيجيةٍ لنا بهدف ارتقاء مستوى الاستقرار والقدرة الوطنيّة على الصمود في ظروف الحرب الاقتصاديّة الأخيرة، مع ضرورة عدم إغفال الدور المحوريّ للطاقات الشعبيّة؛ إذ إنّ توسيع مشاركة المجتمع في النشاط الاقتصاديّ يُعدّ من أهمّ متطلّبات تحقيق الاقتصاد المقاوم، وهو ما حظي باهتمامٍ واضحٍ في توجيهات الإمام الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه).

وقد سبق التأكيد في تقارير ومقالاتٍ سابقةٍ على أنّ الاقتصاد المقاوم ليس مجرّد شعارٍ أو برنامجٍ مرحليٍّ لتجاوز العقوبات، وإنّما هو نموذجٌ لإصلاح البنية الاقتصاديّة وتقليل مستويات الهشاشة وتحويل التهديدات الخارجيّة إلى فرصٍ داخليّةٍ. كما أنّ السياسات العامّة للاقتصاد المقاوم، التي أُبلغت في 24 بندًا، تركّز على إشراك الشعب في الاقتصاد، وتعزيز الإنتاج القائم على المعرفة، ورفع الإنتاجيّة، ودعم الإنتاج الوطنيّ، وتنمية الصادرات، وتقليل اعتماد الميزانيّة على عائدات النفط، وتعزيز الشفافيّة الاقتصاديّة، وإصلاح النظام الماليّ، وهي جميعًا عوامل من شأنها أن تسهم في إحباط جانبٍ كبيرٍ من محاولات الأعداء في الحرب الاقتصاديّة ضدّنا.

لماذا ينبغي تعزيز الإنتاج الوطنيّ؟

ولا خلاف في أنّ الاقتصاد المقاوم لا يمكن أن يتحقّق من دون إنتاجٍ وطنيّ قادرٍ على المنافسة. غير أنّ دعم الإنتاج المحليّ لا ينبغي أن يعني الاستمرار في دعم المؤسّسات غير الكفوءة أو إنتاج السلع الغالية والمنخفضة الجودة، بل يجب أن يكون دعمًا موجّهًا ومحدّدًا زمنيًّا، ومشروطًا بتحسين الإنتاجيّة، والارتقاء بالجودة، وخلق فرص العمل، وتعزيز الحضور في الأسواق التصديريّة.

ضعف الرقابة وتزايد شكاوى المواطنين

ويرى الدكتور جعفر قادريّ، عضو اللجنة الاقتصاديّة في مجلس الشورى الإسلاميّ الإيرانيّ، أنّ جانبًا من معدّلات التضخّم التي تشهدها البلاد اليوم يعود إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، مشيرًا إلى أنّ قسمًا من هذا الارتفاع يُعزى إلى الظروف التي فرضتها الحرب.

وأضاف في هذا السياق: إنّ هذا الارتفاع في التكاليف يعود من جهةٍ إلى زيادة أسعار بعض السلع ومدخلات الإنتاج، ومن جهةٍ أخرى إلى ارتفاع نفقات الأجور والرواتب وسائر التكاليف التي تثقل كاهل العمليّة الإنتاجيّة. كما أنّ جانبًا آخر من هذه الأوضاع يرتبط بالأضرار التي لحقت ببعض القطاعات الإنتاجيّة جرّاء الحرب. فعلى سبيل المثال، تضرّرت صناعتا البتروكيماويّات والصلب في ظلّ هذه الظروف. ومن الطبيعي أن تنعكس هذه النواقص على ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، الأمر الذي يؤدّي في نهاية المطاف إلى زيادة الكلفة النهائيّة للإنتاج.

وتابع هذا النائب في مجلس الشورى الإسلاميّ قائلًا: إنّ جانبًا آخر من المشكلات القائمة يعود إلى أوجه الضعف والقصور في أداء الأجهزة الرقابيّة، مثل منظّمة دعم المستهلكين والمنتجين، وهيئة التعزيرات، والاتّحادات المهنيّة، وسائر الجهات المكلّفة بمراقبة الأسعار. كما أنّ جزءًا من هذه المشكلات ناجمٌ عن حالةٍ من الاضطراب التي يشهدها السوق، حيث يقوم البعض، بصورةٍ تعسّفيّةٍ، على رفع الأسعار من تلقاء أنفسهم. صحيحٌ أنّ قانون الخطّة التنمويّة السابعة قد وضع قيودًا على تدخّل الحكومة في تسعير السلع، غير أنّه ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أنّ البلاد تمرّ بظروف حربٍ استثنائيّةٍ.

وأكّد قائلًا: في ظلّ هذه الظروف، تمتلك الحكومة الصلاحيّة للتدخّل في تسعير جميع السلع، وأنّ القيود التي نصّ عليها القانون تنصرف بلا شكٍّ إلى الأوضاع الطبيعيّة غير المرتبطة بظروف الحرب. ومن ثمّ، فإنّ الحكومة في المرحلة الراهنة تستطيع، بل يتعيّن عليها، أن تضطلع بدورٍ أكثر فاعليّةً في إدارة الأسعار وضبط السوق.

دعم الإنتاج من دون خلق موجةٍ تضخّميّةٍ جديدةٍ

ويرى الدكتور قادريّ أنّ تجاوز هذه المرحلة يتطلّب من الحكومة اتّخاذ إجراءاتٍ جادّةٍ لتعزيز الإنتاج، وذلك من خلال إزالة العقبات التي تعترض العمليّة الإنتاجيّة، ودعم الوحدات القادرة على زيادة المعروض من السلع، وتوظيف الأدوات الماليّة والائتمانيّة المناسبة. كما ينبغي تسريع وتيرة الأنشطة الإنتاجيّة، ولا سيّما الأنشطة المولّدة، وتلك التي يمكنها الإسهام في تمويل الإنتاج وتعزيزه من دون أن تخلّف آثارًا تضخّميّةً. فإذا وُجّه التمويل إلى القطاعات الإنتاجيّة، واعتُمدت آليات تمويلٍ غير تضخّميّةٍ، فإنّ ذلك من شأنه أن يخفّف الضغوط الاقتصاديّة الواقعة على المجتمع.

وتابع قائلًا: ولا شكّ في أنّ من شأن هذه الحزمة المتكاملة من الإجراءات أن تسهم في تخفيف الأعباء الاقتصاديّة الملقاة على عاتق المواطنين. غير أنّ كبح جماح التضخّم يتطلّب اعتماد مجموعةٍ من التدابير المتزامنة، تشمل ضبط الأسواق، وتشديد الرقابة على الأسعار، وتعزيز المعروض، ودعم الإنتاج الوطنيّ، والاعتماد على آليات تمويلٍ غير تضخّميّةٍ تسهم في تنشيط الاقتصاد من دون توليد ضغوطٍ تضخّميّةٍ جديدةٍ.

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرّر: حسن رحمانيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha