وكالة أنباء الحوزة - تحدّث آية اللّه الشيخ محمّد جواد فاضل اللنكرانيّ، رئيس المركز الفقهيّ للأئمّة الأطهار (عليهم السلام) وعضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة، صباح الأحد (14 يونيو 2026م) في لقاءٍ أخلاقيٍّ وتبيينيٍّ وتوعويٍّ حمل عنوان "مدرسة عاشوراء؛ درس المقاومة والصمود وكسر المعادلات في الحرب الحسابيّة"، الذي أُقيم بحضور مديرات وأستاذات الحوزة العلميّة النسويّة في محافظة يزد الإيرانيّة، متناولًا مكانة الإمامة وفلسفة عاشوراء والرسالة الملقاة على عاتق المرأة الحوزويّة في العصر الراهن.
وفي مستهلّ حديثه، أشار سماحته إلى أهمّيّة الأيّام المقبلة وحلول شهر المحرّم الحرام، مبيّنًا أنّ الإمامة تُعدّ من الركائز الأساسيّة في الدين الإسلاميّ، ومؤكّدًا أنّ بعض المحاولات سعت في مراحل تاريخيّةٍ مختلفةٍ إلى اختزال مكانة الإمامة وجعلها من المسائل الفرعيّة، في حينٍ تدلّ آيات القرآن الكريم على محوريّتها ومكانتها المركزيّة.
واستنادًا إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]، أوضح أنّ هذه الآية المباركة تدلّ على أنّ إبلاغ ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يأتي في امتداد أصل الرسالة النبويّة، وأنّ ترك هذا الإبلاغ بمنزلة ترك أداء المهمّة الإلهيّة الموكّلة إلى النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم).
كما استشهد بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: 23]، معتبرًا أنّها من أبرز الأدلّة القرآنيّة الدالّة على المنزلة الرفيعة لأهل البيت (عليهم السلام)، ومؤكّدًا أنّ المودّة لهم لا تقتصر على المحبّة القلبيّة فحسب، بل تتجسّد في الالتزام العمليّ والاقتداء بسيرتهم وطاعتهم.
عزاء الإمام الحسين (عليه السلام)؛ تجلٍّ للمودّة وتعظيمٌ للشعائر الإلهيّة
وأوضح آية اللّه فاضل اللنكرانيّ أنّ إحياء مراسم العزاء على سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) يستند إلى أصولٍ قرآنيّةٍ ومعرفيّةٍ راسخةٍ، مبيّنًا أنّ إظهار الحزن وإقامة المآتم وإحياء الشعائر الحسينيّة تُعدّ من أوضح مصاديق المودّة لأهل البيت (عليهم السلام)، وتحظى بمكانةٍ أصيلةٍ وموثّقةٍ في المنظومة المعرفيّة الإسلاميّة.
وفي معرض تحليله لماهية النهضة العاشورائية، أشار سماحته إلى تعدّد الرؤى المطروحة بشأن أهداف نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، لافتًا إلى أنّ القراءة الأدقّ لهذه النهضة تتمثّل في فهمها ضمن إطار "الجهاد الذبّيّ"، أي الدفاع عن أصل الإسلام وصيانة كيان الدين.
وأضاف أنّ مفهوم الجهاد الذبّيّ لا يقتصر على الدفاع عن حدودٍ جغرافيّةٍ أو صيانة حكومةٍ ما بل هو دفاعٌ عن أصل الدين في مواجهة تهديدات الزوال أو التحريف، الأمر الذي يجعل هذا النوع من الجهاد مسؤوليّةً عامّةً تشمل جميع أفراد الأمّة.
وأكّد أنّ اصطحاب الإمام الحسين (عليه السلام) لأهل بيته إلى كربلاء، وحضور الأطفال فيها، وتحمّل مختلف صنوف المصائب والآلام، لا يمكن فهمه فهمًا صحيحًا إلّا في إطار هذه الرؤية، لأنّ الهدف الأساس كان الحفاظ على الإسلام المحمّديّ الأصيل.
عاشوراء؛ مدرسة المقاومة الخالدة والنموذج الحضاريّ
وشدّد آية اللّه فاضل اللنكرانيّ على أنّ عاشوراء تمثّل أعظم مدرسةٍ للمقاومة في تاريخ الإسلام، موضّحًا أنّ حقيقة المقاومة تجلّت في كربلاء بأسمى صورها، حين قدّم الإمام الحسين (عليه السلام) نفسه وأهل بيته وأصحابه فداءً في سبيل اللّه تعالى، ليخلّد نموذجًا فريدًا للتضحية والإيثار.
وأضاف أنّ ثقافة عاشوراء ظلّت على امتداد التاريخ مصدر إلهامٍ للحركات الدينيّة والاجتماعيّة، كما شكّلت في العصر الراهن أحد المرتكزات الفكريّة التي انبثق منها خطاب المقاومة في فكر الثورة الإسلاميّة.
دور المرأة الحوزويّة في جهاد التبيين وتربية الأجيال
وفي جانبٍ آخر من حديثه، تطرّق إلى الموقع المحوريّ الذي تحتلّه المرأة الحوزويّة في المنظومة التربويّة الإسلاميّة، مؤكّدًا أنّ النساء الحوزويّات يضطلعن بدورٍ أساسيٍّ في نقل المعارف الدينيّة وتربية الأجيال القادمة، وأنّ الأمّهات المؤمنات قادراتٌ على ترسيخ الأسس العقديّة للمجتمع وتعزيزها.
ونوّه إلى ضرورة أن تتمتّع النساء الحوزويّات بقدرة الاستدلال وكفاءة التبيين، إلى جانب الإيمان والاعتقاد القلبيّ؛ بما يمكّنهنّ من تقديم ردودٍ علميّةٍ ومستدلّةٍ في مواجهة الشبهات الفكريّة والثقافيّة.
وفي ختام كلمته، أشار آية الله فاضل اللنكرانيّ إلى بعض الشبهات المثارة حول الفوارق بين أحكام المرأة والرجل، موضّحًا أنّ جميع الأحكام الإلهيّة في منطق الفقه الإسلاميّ تبتني على ملاكاتٍ ومصالح حقيقيّةٍ، إلّا أنّ إدراك هذه المصالح لا يخضع دائمًا للمفاهيم العرفيّة السائدة بشأن العدالة.
وأكّد ضرورة عدم إخضاع الأحكام الشرعيّة للمعايير البشريّة المتغيّرة، لأنّ التشريع الإلهيّ يستند إلى مصالح تتجاوز حدود الإدراك الظاهريّ للإنسان، وهذا الأمر بعينه يوضّح فلسفة الاختلاف في بعض الأحكام الشرعيّة.
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرر: أمين فتحيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة











تعليقك