الأربعاء 15 أبريل 2026 - 21:48
الشح عند الرئيس الأمريكي المجنون المتعجرف!!

وكالة الحوزة - بخل النفوس في أي مفاوضات يؤدي إلى التضييق والتنازع، سواء في العلاقات الأسرية بين الزوجين، أو على المستوى الأكبر في العلاقات بين الدول. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، مفاوضات إيران وأمريكا، حيث كان البخل والشح للفريق الأمريكي من الأسباب الرئيسية في فشلها ووصولها إلى الطريق المسدود.

وكالة أنباء الحوزة - يقدم حجة الإسلام والمسلمين السيد عبد السلام زين العابدين، أستاذ التفسير في الحوزة العلمية العراقية، رؤيته في موضوع "الشح في المفاوضات الأمريكية - الإيرانية"، في قسمين، وإليكم ما كتب:

القسم الأول

(وأُحضِرَت الأنفُسُ الشحَّ) (النساء: 128)

هذه هي طبيعة الأنفس في المفاوضات، سواء كانت على مستوى الأسرة (بين الزوج وزوجته) أم على مستوى المفاوضات الدولية (بين الدول)، فإن الشح يكون حاضرا وقائما في النفوس، ليطلب كل طرف من الآخر أن يتنازل درجات من دون أن يتنازل هو درجة!! وأن يعترف الآخر بشروطه من دون أن يعترف هو بشروط الآخر!!

وقد جُبلت النفوس على البخل والشح، فيصعب عليها أن تتنازل عن بعض ما تراه حقا لها، فيما تتمنى أن يتنازل الآخر بأوسع ما يستطيع من حقوقه!!

هذا هو الكيل بمكيالين، الذي يوصل المفاوضات في أغلب الأحيان إلى الطريق المسدود، فيتفرقان ولم يتفقا على شيء!!

في المستوى العائلي ينتهي الأمر إلى الطلاق، وفي المستوى الدولي ينتهي إلى الخصومة والعداء!!

(والصُّلحُ خيرٌ وأُحضِرَت الأنفُسُ الشُّحَّ) (النساء: 128)

فكأن الشح أُحضر مع خلق النفس (الشح مفعول به ثان)، والشح أشد من البخل، فصار من طبعها وطبيعتها وديدنها، ويستفز الشح المستكن بالأنفس في حالات التحدي والمواجهة والمغالبة، والمفاوضات هي من أكبر الأجواء التي تستفز ذلك الشح الكامن!

ويزداد توتر الأنفس وطبعها الشحيح إذا ما كان بين المتفاوضين عداء مستحكم، وشنآن متراكم، وحساسية تاريخية منذ عقود من الزمن!!

ويتضاعف الشح ويكون في أشد حالاته حينما ينظر أحدهما إلى الآخر بعين الصغار والاستصغار؛ ظنا منه أنه لا يزال قوة عظمى ودولة كبرى لا يمكن أن تركع لقوة صغرى نامية، مهما شعر في نفسه الشحيحة أنها خصم عنيد وند شديد، يملك من عناصر القوة ومعالم الدولة!

وليس هناك من استكبار واستعلاء في تاريخ الرؤساء في العالم كما عند ترامب والنتن [نتنياهو]، وإن كانت عزة زائفة آثمة، واستعلاء متخيلا وليس علوا حقيقيا!

ولذا فلا أمل لملايين الإيرانيين - الذين يهتفون يوميا في مظاهرات مليونية حتى الصباح: "الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل" - في استجابة هؤلاء المستبدين الطغاة لمطالب الحق التي قدمتها إيران الجمهورية الإسلامية شروطا وضوابط لنجاح المفاوضات القائمة في باكستان.

من هذا المنطلق يرفع الكثير من المتظاهرين شعارا بالفارسية: (اين آخرين پيامه مذاكره حرامه) وترجمته: "هذه الرسالة الأخيرة، التفاوض حرام"!!

ومن الطريف أني سمعت حفيدتي (بشرى) - وعمرها خمس سنوات - في زحمة المتظاهرين تهتف بهذا الشعار ويردد خلفها المئات من الناس، صغارا وكبارا، نساء ورجالا.

وحينما سألتها عن معنى الشعار تبسمت فقالت لي أختها الكبرى (واسمها هدى): هي لا تدري معناه بالضبط، وكل ما تعلمه أنه شعار ضد أمريكا وإسرائيل!!

الشح عند الرئيس الأمريكي المجنون المتعجرف!!
السيد عبد السلام زين العابدين

القسم الثاني

(وأُحضرت الأنفسُ الشحَّ) (النساء: 128)

يجمع المقربون لفريق التفاوض الإيراني أن الشح والجشع والعنجهية كانت حاضرة وبإفراط في الفريق الأمريكي المفاوض، الذي جاء بمطالب يعدها خطوطا حمراء ليست قابلة للتنازل والتفاوض!!

يقول فانس رئيس الوفد الأمريكي المفاوض: "لقد أوضحنا بجلاء تام خطوطنا الحمراء، وما هي الأمور التي نحن على استعداد للتنازل عنها، وتلك التي لا يمكننا التنازل عنها.. إلا أنهم (أي الإيرانيين) اختاروا عدم قبول شروطنا".

ثم أردف بعجرفة: "لم نتوصل إلى اتفاق بعد ٢١ ساعة من المحادثات، وأعتقد أن هذا يمثل خبرا سيئا لإيران أكثر بكثير مما هو للولايات المتحدة الأمريكية".

وقد قرأنا هذه العجرفة من سيده ترامب وهو يعلن طبيعة الوفد الذي بعثه، بقوله: "إن كل شيء تم تدميره في إيران. القوة البحرية دُمرت، القوات الجوية دُمرت، جميع الطائرات دُمرت، القادة قُتلوا، وسنرى كيف ستنتهي الأمور"!!

بهذه الروحية المستكبرة المستعلية المتعجرفة يبعث ترامب المجنون وفده للتفاوض وإجراء المحادثات.

كما أعلن فانس قبل توجهه إلى باكستان، ما ينم عن هذا التعجرف المتأصل والشح المستفحل، بقوله: "أعتقد أن الإيرانيين اعتقدوا أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان، لكنه لم يكن كذلك، لم نقدم هذا الوعد أبدا. ما قلناه هو أن وقف إطلاق النار سيركز على إيران فحسب، وعلى حلفاء الولايات المتحدة، أي إسرائيل ودول الخليج"!!

إنه الكيل بمكيالين، فلأمريكا أن تحامي عن حلفائها، ولا يحق لإيران أن تحامي عن حلفائها!!

ثم قال بصلافة: "إذا أرادت إيران أن تدع هذه المفاوضات تنهار في صراع كانت تتلقى فيه ضربات قاسية، بسبب لبنان الذي لا علاقة له بها.. فهذا في النهاية خيارها الذي نعتقد أنه خيار غبي"!!

مع أن هذه الرواية تتعارض تماما مع تصريحات رئيس الوزراء الباكستاني الذي أكد أن الاتفاق يشمل لبنان ومقاومته!

ومن العجب أنه يصف القصف الإسرائيلي المجنون والمدمر للبنان قبيل إجراء المفاوضات بأنه يمتاز "بضبط النفس إلى حد ما.. لأنهم يريدون التأكد من نجاح مفاوضاتنا"!!

وفي إعلانه فشل المفاوضات قال فانس بعنجهية كذلك: "أعتقد أن هذا يمثل خبرا سيئا لإيران أكثر بكثير مما هو للولايات المتحدة الأمريكية"!!

هكذا هو الاستكبار الأمريكي يجعل نفسه هو المتفضل على الآخرين، وأن الصلح لصالح خصومه وليس لصالحه، وكأنه ليس بحاجة إليه لا من قريب ولا من بعيد!!

مع أن العالم أجمع يعلم جيدا أن الصلح هو حاجة ماسة لأمريكا وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة، قبل أن يكون حاجة لإيران التي يسطر أبطالها ملاحم في ميادين الحرب والتي يهتف الملايين من شعبها بالمبايعة لقائدها الولي ولحكومتها الشجاعة.

والعالم كله يرى يوميا أعداد الملايين التي تملأ الشوارع والميادين والساحات، مرفرفة بالأعلام الإيرانية والحسينية، وهتافاتها: "الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل.. الصلح مع المعتدين القتلة حرام.. اضرب، لأن ضرباتك رائعة".

والشعار الأخير هو السائد الذي صار نشيدا يردده الصغار قبل الكبار، والنساء قبل الرجال: "بزن .. كه خوب ميزني"!

[وذلك] في الوقت الذي يختبئ فيه الملايين في إسرائيل في الأنفاق والملاجئ والجحور كلما سمعوا صفارات الإنذار!! كما ترتعد فرائص مئات الألوف من السكان في دول الخليج المترفة!

لا أدري كيف تستطيع التفاوض مع جماعة إبستين، الذين لا يرقبون في إنسان إلّاً ولا ذمّة، ويرون أنفسهم أسيادا وغيرهم عبيدا، ينبغي أن يُقَبِّلوا مؤخرتهم، على حد تعبير كبيرهم (ترامب) - وهو تعبير سوقي بامتياز - وهم يحسبون أن كل رؤساء المسلمين كمحمد بن سلمان أو محمد بن زايد آل نهيان؟!!

من هذا المنطلق التعنتي الاستعلائي الأمريكي، لا نعجب من الأمور التالية:

أولا: اتهام رئيس الوفد الأميركي إيران بإفشال المحادثات برفض الشروط الأمريكية الأساسية النهائية.

ثانيا: الشروط الأمريكية "غير معقولة وغير منطقية" وهي السبب الرئيس في انهيار مفاوضات إسلام آباد:

  • المطالبة بإخراج المواد النووية المخصبة من إيران.
  • عدم السماح لإيران أن تكون دولة نووية.
  • فتح مضيق هرمز، وعدم السيطرة عليه من قبل إيران.
  • عدم شمول حلفاء إيران بالمفاوضات ولا سيما لبنان، في الوقت الذي يشمل الاتفاق حلفاء أمريكا في المنطقة (إسرائيل ودول الخليج)!!

فكان من الطبيعي أن يكون الرد الإيراني القوي متحديا لاستعلائهم ومذلا لكبريائهم:

  • التمسك بحق إيران في التخصيب النووي السلمي ورفض أي صيغة تنتقص من سيادتها النووية.
  • شمول الحلفاء الإقليميين في الاتفاق، فإنه لا فراق بين المقاومين في محور المقاومة، وفي أولهم لبنان الذي قهرهم وكسر شوكتهم، وصنع المجازر بجنودهم وآلياتهم!

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha