وكالة أنباء الحوزة - شهدت الساحة العلمية حدثاً مهماً بانعقاد "المؤتمر التكريمي الدولي للميرزا النائيني (قدس سره)" في النجف الأشرف يوم الخميس 27 نوفمبر 2025. وألقى سماحة آية الله الشيخ عليرضا الأعرافي - مدير الحوزات العلمية في إيران - كلمة قيمة خلال المؤتمر، واستعرض فيها شخصية المحقق النائيني والدروس المستفادة من سيرته لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
وفيما يلي نص كلمته:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمدٍ (ص) وعلى آله الهداة المهديين، ولا سيما بقية الله في العالمين، أرواحُنا لترابِ مقدمه الفداء.
ربنا عليك توكّلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.
قال الله جل وعلا: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وروى كميل عن علي (ع) قال: العُلَماءُ باقونَ ما بَقِيَ الدَّهرُ، أعيانُهُم مَفقودَةٌ، وأمثالُهُم فِي القُلوبِ مَوجودَةٌ.
في مطلع كلمتي نقدم أفضل وأطيب الصلوات للرسول الأعظم(ص) ولأولياء الله ولأئمة المعصومين(ع)، ولا سيما الإمام عليٍّ أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين، كما نحيي الذكرى الألفية لتأسيس الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ونثني على أعلام هذه الحوزة المباركة عبر القرون الماضية إلى يومنا هذا ونقدّر جهودهم المكثفة لما حققوه من إنجازات كبيرة.
كما نحيي ذكرى الألف والخمسمائة لميلاد النبي الأعظم (ص) بكل إجلال واحترام.
ونحمد الله تعالى على ما أنعم علينا ووفقنا ووفّق هذا الحضور الكريم من حوزتي النجف الأشرف وقم المقدسة وسائر الحوزات المباركة في العراق وإيران وغيرهما للاجتماع في هذا الحفل المبارك لتكريم عالمٍ كبير وشخصيةٍ شامخة من رموز العلم والفكر في الحوزة العلمية، لنُعرب عن إكرامنا وتقديرنا للإمام الراحل آية الله المحقق الكبير الميرزا النائيني قدّس الله نفسه الزكية، ولنتحدث عن حياته وآثاره وسيرته العطرة ونستلهم منها للقيام بوظائفنا وتحقيق رسالة الحوزة العلمية في العصر الراهن المليء بالفرص الكبيرة والتحديات العظيمة.
ونرحّب بجميع الحضور الكرام والضيوف الأجلاء، والعلماء الأعلام، والأساتذة والفضلاء والطلبة الأوفياء، وممثّلي بيوت المراجع العظام بالنجف الأشرف وقم المقدسة، وبيت الإمام الراحل(قدس سره الشريف)، ومكتب وبيت سماحة القائد المعظم حفظه الله، وبيت سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني حفظه المولى ومكاتبه بالنجف وقم، وبيوت سائر المراجع الكرام من النجف وقم، كما نقدّم أفضل الترحيبات وأطيب التحيات للحضور والأعزّاء من العراق وإيران وسائر البلدان الإسلامية وضيوفنا الأعلام من الرؤساء والأعضاء المحترمين من جماعة المدرسين والمجلس الأعلى للحوزات العلمية والمؤسسات الحوزوية بقم المقدسة والنجف الأشرف والمشهد المقدس.
ومن واجبنا أن نقدم شكرنا لكم وللقائمين على المؤتمر وخصوصاً للعتبتين المقدستين العلوية والحسينية ولا سيما الأمين العام للعتبة العلوية المقدسة والمتولي الشرعي للعتبة الحسينية والأمانة العامة للمؤتمر والأعلام والأعزّاء من بيت المحقق النائيني وجميع المساهمين في عقد المؤتمر، وأخص بالذكر وأثمن وأشكر مكتب السيد القائد والسيد السيستاني للمساهمات والدعم الواسع منهما، ونقدّر جهود الأمانة العامة والمجلس الأعلى للمؤتمر وكل الباحثين والمحققين الذين بذلوا غاية جهدهم لتقديم موسوعة العلامة النائيني في أكثر من أربعين مجلداً وتحرير مقالات علمية حول حياته العطرة، ونقدم شكرنا لهم وللمحاضرين في اللقاءات والندوات والمؤتمرات المقامة في مختلف البلدان والمدن، خصوصاً المحاضرين في المؤتمرات التي أقيمت في قم المقدسة والمشهد المقدس وأصفهان، والمحاضرين الأعزاء في هذا المؤتمر بالنجف الأشرف.
إنّ الهدف من عقد مثل هذه المؤتمرات واللقاءات العلمية لا ينحصر في أداء واجب الوفاء تجاه كبار العلماء والأسلاف الصالحين ورجال الفكر والإصلاح في تاريخ الإسلام والتشيّع، بل يضاف إليه استهداف تعريف الحوزة العلمية للمجتمع العالمي والجيل الجديد وللجامعات، وأيضاً ترسيخ الهوية الإسلامية والحوزوية في الحوزة والمجتمع العلمي، ويستهدف أيضاً إلهام الأجيال الجديدة من الطلبة والأساتذة بروح الجهاد العلمي والرسالي التي ميّزت أولئك الروّاد. لقد كانت مجاهدات هؤلاء الأعلام، من ساحات العلم إلى ميادين الجهاد الاجتماعي والسياسي، مناراتٍ تهدي حاضر الحوزة ومستقبلها، وإننا اليوم في أمسِّ الحاجة إلى إعادة قراءة سيرتهم الطاهرة في جميع أبعادها. ومن هؤلاء الرواد المحقق الفذّ الميرزا النائيني(ره) حيث إنه شخصية عظيمة، هاجر من نائين إلى أصفهان، ثم إلى سامراء، ومنها إلى كربلاء فالنجف الأشرف، وقد نُفي مدة إلى قم ثم عاد إلى النجف ليستقرّ فيها، وكانت تلك الهجرات المتتابعة وحياته الحافلة بالعطاء مصدرَ إلهامٍ واعتبار لنا في هذا العصر.
ومضافاً إلى النتائج المذكورة الحاصلة من أمثال هذه المؤتمرات، إن هذا المؤتمر، بفضل رعاية المرجعية الرشيدة والمؤسسات الدينية والحوزوية والعتبات المقدسة، يستتبع توطيد العلاقات بين حوزتي النجف الأشرف وقم المقدسة ويمهد تبادل التجارب والخبرات بين الحوزات العلمية بالعراق وإيران ويشجع التواصل الأكثر إن شاء الله.
فمن جانب حوزة النجف الأشرف لها شرف السبق وإنتاجات وإنجازات كبيرة وأدوار مجيدة عبر تاريخها واليوم، وبعد سقوط النظام البعثي، بحمد الله وفضله هذه الحوزة في مسار التوسع والتقدم والازدهار وبفضل المرجعية الرشيدة وأساتذتها لها آفاق واسعة ومستقبل مشرق.
ومن جانب آخر حوزة قم المقدسة، مضافاً إلى دورها في القرون الأولى في نشر وتعميق المعارف الإلهية، في ثوبها الجديد في المئة سنة الأخيرة وخصوصاً بعد انتصار الثورة الإسلامية تقدّمت إلى الأمام وبفضل المرجعية الحكيمة وقيادة الإمام الخميني (ره) والسيد القائد حفظه الله، فتحت آفاقاً جديدة في مجال التعميق والتوسع في ميادين العلم وانتشار المعارف الإلهية في أنحاء العالم والمعمورة وفي مجال تطبيق حكم الإسلام حيث انبثقت منها الثورة الإسلامية والكيان الإسلامي والمقاومة الإسلامية.
هاتان الحوزتان هما جناحان لحركة الإسلام والأمة إلى الأمام ولتحقيق أهداف الإسلام ومذهب أهل البيت(ع).
وأما بالنسبة إلى شخصية المحقق النائيني فسأتناول ـ على سبيل الإيجاز ـ أبرز الملامح في شخصيته المباركة من خلال عدة محاور:
المحور الأول: شخصيته وعبقريته والبعد العلمي والفكري
وأودّ هنا أن أشير إلى نقاط كما يلي:
1 - كان النائيني رحمه الله ذا ذاكرةٍ قويةٍ وذكاءٍ وقّاد، وقلمٍ عربيٍّ رصينٍ وأسلوبٍ بيانيٍّ فصيحٍ بالعربية والفارسية، وفي نفس الوقت كان ذا مهارة وكفاءة في تربية تلامذته ورعاية أحوالهم وشؤونهم في حياتهم العلمية والروحية فأنشأ جيلاً من التلامذة النوابغ والمقرّرين المبرّزين الذين حملوا فكره، وتأثر بهم المراجع والعلماء في النجف وسائر الحوزات العلمية في مختلف البلاد الإسلامية وإيران. وهكذا نرى أن المفكر النائيني(ره) قد تجسّدت واجتمعت فيه الخصائص الفردية المتميزة من العبقرية والذكاء والذاكرة إلى أنواع من الفنون والمهارات ومن صلاحيات ذاتية إلى خصائص اكتسابية وأضاف إليه السعي الحثيث وبذل الجهد وعمله الدؤوب.
2 - عُرف النائيني بوعيه العميق لزمانه، فقد عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين الميلادي، وهي حقبة عصفت فيها التحولات الفكرية والثقافية والسياسية الكبرى في العالم الغربي وعلى مستوى عالمي في مختلف ساحات حياة البشر وما ترتب عليها في العالم الإسلامي والعربي والمنطقة، من ظهور النزعات الغربية واتجاهات انحرافية إلى موجات الاستعمار القديم والجديد. والنائيني وسط هذه العواصف والتحديات لم ينغلق في زاوية النجف أو سامراء، بل انفتح على الفكر العالمي واستوعب أبعاد الأحداث وكان رجلَ زمانه، بل سيّدَ زمانه، يدرك مسارات التحوّل ويتعامل معها بعقلٍ قياديٍّ راشد، فجمع بين المعرفة بالتراث والسنة والتعرف على المستجدات والحوادث الواقعة على مستوى اجتماعي وعالمي وحضاري.
3 - كان العلّامة النائيني رحمه الله يتمتّع بعمقٍ فكري وشمولٍ معرفي نادر، فقد جمع بين علوم الفقه وأصوله والكلام والقرآن والحديث والأخلاق، والفكر السياسي الإسلامي، ودراساته وإنجازاته تدلّ على بلوغه قمّة العلم واتساع آفاق فكره في مختلف الميادين العلمية. وهذا الاستيعاب والجامعية العلمية من خصائصه المتميزة.
4 - لقد أدرك النائيني وجرّب المذاهب الفكرية والمناهج العلمية في الحوزات الكبرى في عصره، في أصفهان وسامراء وكربلاء والنجف وعاش في أجوائها، واستفاد من مدارسها المتنوعة الفقهية والفلسفية، وكان متميّزاً مؤثّراً في كلّ واحدة منها، ولا سيّما في أواخر عمره الشريف، حين كان استقراره بالنجف الأشرف نقطة انطلاق في الفكر الأصولي والفقه السياسي وسبباً في ازدهار علمي بالحوزة ونشر أفكاره وآثاره العلمية والعظيمة. وهذا أيضاً جانب آخر يحكي من شموليته وجامعيته للمدارس العلمية والفقهية والاجتماعية.
5 - ومن ملامح سيرته العلمية أنّه كان متضلّعاً في التراث الاجتهادي الأصيل للحوزات، متمسّكاً بمنهجها التاريخي في البحث والتحقيق، لم يحِد عنه قيد أنملة، بل زاده عمقاً وتوسّعاً. ورغم تمسكه ووفائه للتراث وفي نفس الوقت، فقد كان ذا نظرة بنّاءة إلى التحوّلات الفكرية الحديثة، فكان مثالاً يُحتذى به في الجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ لا يتجاوز حدود المناهج المعتبرة في الفقه والأصول، لكنه في الوقت نفسه يُبدع ويؤصّل في القضايا الفكرية المستجدّة. ومن يتأمل في المفكرين المسلمين في القرون الأخيرة يجد أن بعضهم توقّف عند حدود التراث ولم يُصغِ للأسئلة الجديدة، وبعضهم الآخر انغمس في الفكر الحديث متخلياً عن الأصول، فأصابهم الانحراف. أما النائيني فكان في موضع التوازن بين المنهجين، يجمع بين سلامة الأساس وجرأة المعاصرة.
6 - ومن مظاهر استيعابه وجامعيته ما قام به من الجمع بين الإنتاج الفكري والمعرفي من جانب والدور الميداني والعملي والريادي في ساحة العمل الاجتماعي والسياسي حيث إنه في الجانب العلمي كان في القمّة وفي نفس الوقت لم يتغافل عن وظيفته كعالم ديني في الإرشاد والخوض في المعارك العملية. وهكذا تميز النائيني بالجمع بين العمل والنظر والنظرية والميدان.
7 - إن محققنا هذا قد حظي بانتشار أفكاره ومدرسته بسرعة مناسبة وانتشرت آراؤه بعد أستاذه الآخوند الخراساني في الحوزات، وتنوّعت حولها المواقف بين الأنصار والنقّاد. والإمام الخميني قدّس سره وإن لم يتردد في نقد بعض آرائه العلمية، ولكنه كان يعرب عن تقديره العميق له وفي هذا دلالةٌ على مكانته العلمية الرفيعة. وحتى اليوم لا يكاد يمرّ درسٌ من دروس بحوث الخارج في النجف وقم إلا ويُذكر فيه اسم النائيني وتُطرح آراؤه؛ فهو شمسٌ في سماء العلم، يستضيء بنوره الأساتذة والطلاب، ويستلهمون من فكره روح الاجتهاد والتجديد.
8 - لقد شهد علمُ الأصول مع الميرزا النائيني مرحلة تطورية كبيرة، وبالرغم من جهود المحقّقين الكبار كالوحيد البهبهاني والشيخ الأعظم الأنصاري والآخوند الخراساني، إلا أن النائيني منح علم الأصول نضجاً وثراءً جديداً، وافتتح فيه مرحلةً علمية متقدمة. كان «أصول النائيني» نسقاً متكاملاً من القواعد والتحليلات، يحتوي على رؤى منهجية دقيقة، ودراسات لغوية وفلسفية وكلامية، تشكّل قاعدةً متينة لفهم النصوص الدينية والقرآن والسنّة، وقد انتشرت بحوثه وآثاره في النجف وسائر الحوزات العلمية بسرعة.
فإنه من الواضح أن علم أصول الفقه في الفكر الإسلامي وخصوصاً في مذهب أهل البيت(ع) والحوزة العلمية من أعمق العلوم البشرية في تفسير المصادر والمتون وله مكانة مرموقة وينافس المذاهب والمدارس المتقدمة في هيرمينوطيقا الغربية والعلوم المتطورة في اللغة والعلوم اللغوية وفلسفة اللغة في العصر الحديث. ومدرسة النائيني الأصولية في هذه الساحة الواسعة لها مميّزات وخصائص هامة أشرنا إليها، ومن أهمها الجمع بين الدقة والتحليل والتعميق من جانب والتقيد والوفاء بالفهم العرفي والارتكاز العقلائي والسلاسة من جانب آخر. أضف إلى ذلك إبداعاته وابتكاراته، وهنا قائمة كبيرة لا مجال للخوض فيها، وإنما أشير إلى بعض الأمثلة والمحاور كما يلي: تعريف علم الأصول، مسألة الترتب، مبحث متمم الجعل، الإطلاق المقامي، القضية الحقيقية والخارجية، الكاشفية والطريقية في الأمارات، أنواع الحكومة والورود، التعارض والتزاحم، اجتماع الأمر والنهي.
9 - المحقق النائيني(ره)، بالرغم من اشتهاره بالإبداع في أصول الفقه، له عبقريّة وإبداع في مجال الفقه وله مدرسة فقهية متميزة وخلّد في الفقه أيضاً ابتكاراتٍ رائدةً في مسائل عديدة تجدر الإشارة إلى بعضها كما يلي: تبويب الفقه، تقسيمات بديعة في العقود وأنواعها، علاقة الفقه والقانون، صلاحيات الفقيه وولايته؛ دور الأمّة والشعوب في الحكومة، النظامات الاجتماعية، فقه القرآن والاستفادة من آياته، حقيقة الحكم والحق.
10 - وكان، مع عمق فكره وابتكاراته في الفقه والأصول، صاحب مدرسةٍ في الفكر السياسي الإسلامي، كما يظهر في كتابه «تنبيه الأمة» ورسائله ومقالاته، حيث تجلّت فيها رؤيته المنهجية للنظام السياسي في الإسلام. ومن أهم مميزات فكره، كما أشار إليه الإمام الخامنئي في كلمته القيمة للمؤتمر، تأكيده على الجانب السياسي في الفكر الإسلامي وجهده لاكتشاف المدرسة السياسية للإسلام وأيضاً تركيزه على صلاحية الفقيه في إدارة المجتمع وأيضاً تأكيده في نظريته على صلاحيّات الأمّة وحريّة الشعب في إبداء رأيه ومراقبته للحكومة وتنظيره للحكومة الدستورية على أساس تقديم الحكومة الدستورية عندما لا يتيسر تطبيق ولاية الفقيه على الحكومة الاستبدادية.
11 - ومن خلال المداقة في أفكاره وآثاره نرى بوضوح أنه كان مذعناً بوجود الأنظمة الإسلامية في الفكر الإسلامي والفقه، وعلى هذا الأساس كان يحاول اكتشاف تلك الأنظمة من الكتاب والسنّة وصياغة الانتظامات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مبتنية على المبادئ الإسلامية والمنهج الاجتهادي.
12 - وهكذا نشاهد أن المحقق النائيني ره يفسر الإسلام كدين حضاري له عناصر ثابتة وعناصر مرنة يقود الحياة ويواكب حاجات العصر. وهذه النظرية مقابل نظرية أخرى تنفي الهوية الحضارية للدين والإسلام. وتأكيده على حضارية الإسلام مبني على نظرية معتدلة. واجتماع هذه النقاط الاثني عشر في هذه الشخصية هو الذي ميّزه عن أقرانه.
المحور الثاني: البعد الاجتماعي والسياسي
وهنا أشير إلى نقاط في حياته السياسية:
1 - عاش النائيني بعد الحرب العالمية الأولى، في عصرٍ انهارت فيه الدولة العثمانية وتفرّق فيه شمل العالم الإسلامي، وكان واقفاً على هذه الأحداث وعلى تطورات الغرب في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلادي، وعرف هجمة الأفكار الغربية واضطراب أحوال العالم الإسلامي وظروفه، وفهم واقع العالم العربي والإسلامي واستوعب تعقيداته. وفي هذا المجال، هذا المرجع الكبير والعالم الجليل لم يختر الدَّعة والعزلة، بل كان في وسط المعركة والميدان صانعاً للأدوار. هذه هي السيرة المضيئة للمرحوم النائيني.
2 - ومن هذا المنطلق كان فاعلاً في الحركات والنهضات المعاصرة، وخاصةً في:
أولاً: نهضة التنباك بوصفه المستشار الأعلى للميرزا الشيرازي الكبير.
ثانياً: النهضة الدستورية بوصفه مستشاراً أعلى وقائداً فكرياً إلى جانب الآخوند الخراساني ومراجع النجف.
ثالثاً: ثورة العشرين في العراق بوصفه مستشاراً وهادياً ومرجعاً.
وهذه حقيقةٌ بالغةُ الأهمية: أن النائيني كان ذا فاعليةٍ قوية وله دور بارز في أهمّ الحوادث والثورات والنهضات في إيران والعراق؛ إما إلى جانب الميرزا الشيرازي والآخوند الخراساني، وإما بريادة متقدّمة بنفسه. وقد امتدّت هذه الفاعلية قرابة نصف قرنٍ من عمره في أحداث العراق وإيران، على نحوٍ بارزٍ قلّ نظيره. وليس بخافٍ أنّه في شبابه في سامرّاء كان موضع ثقة الميرزا الشيرازي ذلك العالم الكبير والمرجع الجليل، وكان موردَ مشورته، وكان لرأيه أثرٌ في الحركات التي قادها الميرزا الشيرازي. ثم لما قدم إلى النجف، صار موضع ثقة الآخوند الخراساني، حتى قيل إنّ جلّ البيانات السياسية ومواقف أعلام النجف كانت تُكتب بقلمه.
وفي انتفاضة ثورة العشرين في العراق ضد الإنجليز، كان في طليعة القادة، حتى انتهى الأمر إلى نفيهم إلى قم. ولمّا دخلوا إيران ـ أي سماحة آية الله العظمى النائيني وآية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني ـ [طالعتُ حديثاً مذكّراتٍ أعدّها بيتُ سماحة آية الله النائيني الشريف، وقد نُشر قسمٌ منها في بعض الآثار، فوجدتُ فيها ما يثير العجب: يقول أحد المقرّبين: إنّ مراسلي الحكومة في ذلك الزمان نقلوا أنّ الناس خرجوا قبل الغروب بثلاث ساعات لاستقبال النائيني والأصفهاني في كرمنشاه، ثم يقول ذلك المسؤول: أقبل الغروب ولم تصل الجموع إلى المدينة.
إنّ هذا الودّ الذي يكنّه شعبُ إيران العظيم وشعبُ العراق العظيم للإسلام وللعلماء والمراجع والتزامهما بالشريعة الإلهية هو رأسمالنا الكبير وكلُّ ما عندنا ـ وما عند الحوزة العلمية ـ إنما هو من هذه الأمة، من شعب إيران والعراق وسائر أمّة الإسلام.]
وقد وقف النائيني مراراً في وجه الإنجليز؛ فحيثما ثار اضطرابٌ أو مُسَّت كرامةُ الإسلام وعزّةُ الأمة بسوء، كان علماءُ النجف الكبار وعلماءُ قم وسائر حواضر العالم الإسلامي يبرزون صدورهم دروعاً. وهكذا اليوم أيضاً: فمراجعُنا الكبار في النجف وقم سدٌّ منيع في وجه هجمة المستكبرين الغربيين على العراق وإيران والعالم الإسلامي. وفي أحداث السنتين الأخيرتين، وفي الوقائع المتعاقبة في العراق، رأينا كيف قامت المرجعيةُ العليا بدورها. وأما الإمام قدّس سرّه في مكانته الفريدة رسم بعد ألف عام منعطفاً جديداً، فإذا استعرضنا سلسلة حوادث الألف سنة إلى المشروطة وأشباهها وجدنا أن ما قام به الإمام الخميني (ره) من الثورة الإسلامية عديم النظير.
3 - وهكذا نشاهد دور العلمين المحقق الخراساني(ره) والمحقق النائيني(ره) وبعض الأعلام من معاصريهما في التركيز على الفكر والوعي السياسي الأصيل والتأكيد على أداء دور الحوزة العلمية في ساحات العمل الاجتماعي والسياسي وترسيخ مبادئ الحوزة العلمية الرشيدة والرائدة خلافاً لبعض الاتجاهات السابقة في الحوزة العلمية والنجف. وهذا بحاجة إلى بحث ونقاش تاريخي أكثر نغضّ عنه في هذا المجال.
4 - وبطبيعة الحال، ينبغي أن نعرف مواضع النجاح ومواطن الهزيمة. فقد كانت النهضة الدستورية مدرسةً كبرى: فهي من جهةٍ كانت حركة جديدة، وثورة على الاستبداد والاستعمار انبثقت من صميم الشعب؛ وسببت تسلسل أدوارٍ لعلماء كبارٍ في طبقةِ المراجع العظام في النجف والأعلام في طهران وسائر مدن إيران وأوجدت تلاحماً هاماً بين الحوزة والعلماء والشعب الإيراني. لكن من جهة أخرى وللأسف الشديد حصلت إخفاقاتٍ وهزائم ينبغي أن نتعلّم ونعتبر منها كثيراً. والإمام الراحل في نهضته قام قبل كل شيء بقراءة شاملةٍ لكلّ النهضات الماضية وأخذ منها دروساً واستفاد من نقاط قوتها واعتبر من نقاط ضعفها وتأمل فيها سواء قبل الصفويين، وعصر الصفويين، ونهضة التنباك، وحركة المشروطة والدستورية، ونهضة النفط؛ ثم فى ضوء تلك القراءة الشاملة والتجارب المتعددة أسّس نسقاً جديداً. وفي هذه النظرية وهذا النسق الذي أسّسه الإمام، كان الشعبُ والمرجعيةُ والولايةُ الأركان الأساسية للثورة، وكانت العقيدةُ والشريعة الإسلاميّة هي المبدأ الرئيسي.
والعلمان الخراساني والنائيني(ره) بعد ما شهدا ما طرأ على النهضة من الانحرافات والآفات حتى استشهد آية الله الشيخ فضل الله النوري اتخذا قرارهما لإصلاح الحركة ولكن العوائق حالت دون هذا القرار وانجرّت النهضة إلى ما جرى من الهزيمة والخذلان.
هذه لمحاتٌ من البعدين العلمي والاجتماعي السياسي للنائيني.
المحور الثالث: الأبعادُ المعنوية والأخلاقية والعبادية
وهنا أيضاً أشير إلى نقاط:
إننا بحاجة إلى علماء متميزين في المدارج العلمية وعارفين بأحكام الله ومعارف الكتاب والسنّة، وإلى قادةٍ يُجسّدون القيمَ والأخلاقَ والسلوكَ الإيماني في واقع سلوكهم. وقد كان الميرزا النائيني في طليعة أولئك العلماء العاملين، الذين جمعوا بين عمقِ العلمِ وصفاءِ الروحِ، وبين النظريةِ والسلوكِ. وقد كان نموذجاً للزهد والورع، متواضعاً في دنياه، مهيباً في شخصيّته، متقشّفاً في ملبسه ومأكله، بعيداً عن مظاهر الجاه والمقام. وكانت عبادته زينةَ حياته، فكان إذا وقف بين يدي الله في محرابه، انقطعت صلته عمّا سواه، وخشع قلبُه حتى تفيضَ دموعُه خشيةً وإنابةً. وكان رحمه الله من رجال الليل؛ يُحيي الأسحار بالتهجّد والدعاء، ويناجي ربَّه بكلماتٍ تفيض رقّةً وصدقاً، وقد نقل عنه تلامذته مشاهدَ من بكائه وخشوعه في جوف الليل تدلّ على عمق إيمانه ونقاء سريرته.
وكان في تعامله مثالاً في الصدق والتواضع وحسن الخُلق، فلا يُرى منه تكبّرٌ على صغيرٍ أو كبير، ولا يُسمع من لسانه إلا الذكرُ الطيّب والكلمةُ الهادية. وكان شديدَ الحرص على صونِ اللسانِ والقلب، حتى قال أحدُ مقرّريه: «ما رأيناه قطّ غاضباً لذاتِ نفسه، بل لا يغضب إلا إذا انتُهكت حرمةُ الدين أو أُهينَ أحدُ العلماء».
كما كان مربّياً للأخلاق، لا يُحدّث تلامذتَه عن العلم فحسب، بل يُهذّبُ نفوسَهم ويُذكّرهم بمسؤوليتهم أمام الله. وكان يُوصيهم دوماً بقوله: «إنّ الاجتهاد الحقيقي ليس في استنباط الأحكام فحسب، بل في مجاهدة النفس وصونها عن الهوى.»
وقد كان دأبُه أن يجعل في كلّ درسه لحظاتٍ للذكر والتذكير، فيجمع بين غذاء العقل وغذاء الروح، حتى قال عنه بعض تلامذته: «كنا إذا خرجنا من مجلسه شعرنا بأننا ازددنا علماً وإيماناً في آنٍ واحد».
ومن صفاته البارزة أنّه كان يعيش همَّ الأمة وهمَّ الدين، فقلّما يُرى متحدثاً عن ذاته أو شأنه الخاص، بل كلّ كلامه في سبيل الله وخدمة الإسلام والأمة، فهو بحقّ من العلماء الذين انطبقت عليهم صفةُ: العلماء ورثة الأنبياء.
وكان شديد الارتباط بأئمة الهدى عليهم السلام، يذكرهم في مجالسه ويستمدّ من سيرتهم العزم والبصيرة، وخصوصاً من سيرة أمير المؤمنين عليه السلام، الذي كان يعتبره القدوةَ الأولى في العلم والسياسة والعدالة. وقد كان يقول لتلامذته: «من أراد أن يعرف كيف يجتمع العلمُ والعدلُ والزهدُ في قلبٍ واحد، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب.»
إنّنا اليوم أحوج ما نكون إلى مثل هذه النماذج من العلماء المربّين، الذين يُضيئون بعلمهم، ويهذّبون بأخلاقهم، ويقودون بأرواحهم، وقد كان الميرزا النائيني في طليعتهم، عالماً ربّانياً، وفقيهاً مجاهداً، ومربّياً زاهداً. وهنا أؤكد بكل صراحة أن هناك أرضية واسعة في أنحاء العالم واستعداد تام لاستقبال معارف الإسلام وأهل البيت عليهم السلام، وهذا يضع على عاتقنا لتطوير الحوزة إلى مستوى يلبي حاجات العصر وينشر المبادئ الإسلامية في أنحاء العالم وينقل جذور الحوزة إلى أنحاء المعمورة.
وفي ختام هذا الكلام، أقدم شكري واعتذاري للحضور الكرام والأساتذة الأجلاء، وأسأل الله تعالى أن يوفّقنا للاقتداء بسيرة علمائنا العاملين، وأن يجعلنا من السائرين على نهجهم، ونبتهل إلى المولى أن يسدد خطانا لإعلاء كلمة الله ولخدمة الإسلام والأمة الإسلامية ولخدمة الدين الحنيف ومذهب أهل البيت ولتعزيز قوام الحوزة العلمية، ونسأله أن ينصر الإسلام والمسلمين ويمدّ محور المقاومة وأن يخذل أعداء الأمة والمستكبرين والصهاينة.
وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربّ العالمين، وصلّى اللهُ على محمدٍ وآلهِ الطاهرين.
شاهد:
فيديو | آية الله الأعرافي في مؤتمر المحقق النائيني: مراجع النجف وقم سدٌ منيع في وجه المستكبرين

المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك