الأحد 30 نوفمبر 2025 - 01:38
آية الله الأعرافي: الثورة الإسلامية في إيران أوجدت فرصاً تاريخية لنشر المذهب

وكالة الحوزة - أكد آية الله عليرضا الأعرافي خلال كلمته في النجف الأشرف أنّ الثورة الإسلامية أحدثت نقلة نوعية في تاريخ نشر الفكر الشيعي، حيث فتحت آفاقاً لم تكن متاحة طوال القرون الماضية، مشدداً على أن الحوزات العلمية تتحمل مسؤولية تاريخية للاستفادة من هذه الفرص ومواجهة التحديات المعاصرة من خلال التخطيط الاستراتيجي والتكاتف بين المراكز العلمية.

وكالة أنباء الحوزة - ألقى سماحة آية الله الشيخ عليرضا الأعرافي (مدير الحوزات العلمية في إيران) يوم الجمعة 28 نوفمبر 2025 كلمة قيّمة في جمع من فضلاء وطلبة الحوزة العلمية بالنجف الأشرف، وذلك على هامش مشاركته في الدورة الثانية للمؤتمر الدولي لإحياء ذكرى العلامة النائيني (قدس سره)، الذي انطلق في النجف الأشرف واختُتمت فعالياته في كربلاء المقدسة.

وتناول سماحته في كلمته أهم التحديات والفرص التاريخية التي تواجه العالم الإسلامي، والمسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتق الحوزات العلمية لمواجهتها، مع استعراض أبرز المشاريع التطويرية التي تنفذها حوزة قم المقدسة، مؤكداً على الحاجة الماسة إلى تعزيز التكاتف والتخطيط الاستراتيجي بين الحوزات.

وفيما يلي النص الكامل لكلمته:

بسم الله الرحمن الرحيم

لا أريد أن أطيل في الكلام أو أزعجكم، فقد ألقيت في المؤتمر [يوم الخميس 27 نوفمبر 2025] كلمة مطولة مفصلة كانت كافية للإزعاج.

بداية، أتقدم بشكري الجزيل إلى جميع الذين ساهموا في عقد مؤتمر العلامة النائيني؛ سواء الإخوة والأساتذة في قم المقدسة، أو جميع المساهمين في عقد هذا المؤتمر الرائع المبارك المنعقد في النجف الأشرف، والذي ستعقد الحفلة الختامية له إن شاء الله غداً [السبت 29 نوفمبر 2025] في كربلاء.

ويشمل شكري سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ومكتبه، وسائر مراجع العظام في النجف الأشرف الذين ساهموا في عقد هذا المؤتمر، وكذلك العتبات المقدسة، وخصوصاً الأمين العام للعتبة العلوية -حفظه الله-، وكذلك ممثل الإمام الخامنئي في العراق وفي حوزة النجف الأشرف سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني -حفظه الله-، وجميع الأساتذة والباحثين والعلماء الذين ساهموا في عقد هذا المؤتمر.

لا أريد أن أشير إلى نقاط عديدة، ولكن بهذه المناسبة وفي هذا الجمع المبارك والحضور الكريم، أشير إلى بعض النقاط:

واجبنا في مواجهة متطلبات العصر

أولاً: كما أشرت في كلمتي بالمؤتمر، فإن من واجبنا نحن أهل الحوزات العلمية، وخصوصاً حوزة قم المقدسة والنجف الأشرف، التكاتف والتعاون والتشاور حول حاجات الأمة وأتباع مذهب أهل البيت في العالم.

الفرص التاريخية المتاحة

نحن والحوزات العلمية الآن أمام فرص كبيرة في العالم؛ فهناك فرص لم تكن موجودة قبل هذه العقود الأخيرة وقبل انتصار الثورة الإسلامية. فالثورة الإسلامية أوجدت فرصاً لم تكن موجودة طيلة القرون الماضية. في جميع أنحاء المعمورة نرى فرصاً جديدة وعظيمة وكبيرة.

كما أشار سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني في كلمته، فإن من الفرص العظيمة نفسها جامعة المصطفى التي أوجدت فرصاً وآفاقاً جديدة لنشر المذهب والمعارف الإسلامية والإلهية. والفرص أكبر من هذا! فإني رأيت بأم عيني في أنحاء المعمورة فرصاً عظيمة لنشر المذهب والمعارف الإلهية. هذا من جانب الفرص العظيمة والكبيرة.

التحديات الفكرية الراهنة والمسؤولية الملقاة على الحوزات

ولكن في جانب آخر، هناك تحديات وصعوبات ومسائل ومستحدثات أمامنا؛ أمام الفكر الإلهي والفكر الإسلامي والفكر الشيعي. هناك أسئلة، هناك صعوبات، هناك تحديات كبيرة في العالم.

تعزيز الفرص والاستفادة القصوى من الفرص الموجودة على من؟! والتغلب على التحديات والصعوبات الموجودة في العالم أمام الفكر الإسلامي على أية جهة؟!

لا توجد جهة إلا الحوزة. الحوزة وعلماء الدين هم المكلفون بهذه المهمة، ومن واجبهم أن يقوموا بوظائفهم لتعزيز هذه الفرص -وهي فرص عديمة النظير طيلة التاريخ- وواجبهم أن يتغلبوا على الصعوبات والتحديات الموجودة الآن في العالم أمام الفكر الإلهي.

كلنا نعلم أن الإلحاد له أنواع، والإلحاد الحديث له نظريات، وعلينا أن نقوم تجاه هذه الأفكار بقوة فكرية. ولا توجد جهة في أنحاء العالم تقوم بهذه الوظيفة المهمة إلا الحوزات العلمية.

فإذا فكرنا في هذه الوظيفة الهامة الرئيسية، وهي التعمق في المسائل الإسلامية والتنظير في المستجدات الحديثة ونشر الوعي الإسلامي، لم نجد أي جهة تقدر على القيام بهذا الواجب غير حوزة النجف وحوزة قم وسائر الحوزات. وينبغي لها أن تقوم بهذه الوظيفة على مستويات عدة: مستوى عالمي، ومستوى فكري، ومستوى دعوي بوجه مؤثر في العالم.

تَطوَّرَ العالم، وحدثت موجات جديدة، وحدثت أسئلة جديدة، فعلينا أن نجيب عنها، وأن نلبي حاجات العصر، ونواكب متطلبات العصر. إذا دققنا في هذه الوظيفة، فنجد أن مهمتنا هي التكاتف والتحاور والتخطيط الاستراتيجي للتغلب على الصعوبات والتحديات أمام الفكر الإسلامي. فنحن بحاجة إلى التخطيط وإلى بذل جهود كبيرة تُبذل لصيانة الفكر الإسلامي.

الدور الريادي لحوزة النجف الأشرف

بفضل الله تبارك وتعالى، حوزة النجف لها فضل السبق، ولها تجارب وخبرات واسعة في هذا المجال. إن الشهيد السيد محمد باقر الصدر أنموذج رائع لعرض الفكر الإسلامي وللتنظير في مسائل حديثة وجديدة. والمتوقع من حوزة النجف أن تسير هذا الدرب، وأن تعطي أكثر مما أعطت إلى الآن. ونحن -طبعاً- كأهل حوزة قم أيضاً لنا وظائف هامة ورئيسية.

أؤكد من جديد: إذا ركزنا على الآفاق الواسعة، وركزنا على الأهداف الرئيسية في العصر الراهن، فسندرك ضرورة توطيد العلاقات والتكاتف والتحاور والتخطيط.

مشاريع تطويرية في حوزة قم المقدسة

وثانياً: أود أن أشير في هذا الجمع المبارك إلى أننا طيلة هذه السنوات الأخيرة قمنا بعدد كبير من المشاريع لتعميق حوزة قم المقدسة في مختلف المجالات، وصيانة التراث الأصيل، والاستجابة لأسئلة جديدة بمواكبة العصر. وكان هذا هدفنا الرئيسي، حيث خططنا لأكثر من مائة مشروع لتطوير الحوزة في هذا المسار، معتمدين في ذلك على أسس ومبادئ رئيسية.

خلال زيارتي السابقة إلى هنا، كنت قد أشَرْتُ إلى بعض النقاط. ولا يزال بعض ما طرحتُه في تلك الجلسة قبل عامين عالقاً في ذاكرتي، وسأشير الآن إلى بعض النقاط الأخرى من تلك المشاريع:

مشروع تطوير الفقه المعاصر

ومنها: توسيع نطاق الفقه. فالفقه الإسلامي في مذهبنا يتميز بتطوره وتقدمه، بما يمتلكه من مناهج عميقة متطورة، وقدرة على الإجابة عن الأسئلة المستجدة. غير أنه يحتاج إلى بذل جهود كبيرة.

وفي هذا الإطار، أدرجنا في خططنا لمنظومة التعليم بحوزة قم المقدسة "الفقه المعاصر"، فأنشأنا مكتباً متخصصاً له، وأعددنا قائمة بالقضايا المعاصرة المستمدة من الواقع، وعرضناها على أساتذة مستوى بحوث الخارج.

إنجازات ملموسة في التدريس والتأليف

هذه السنة - كما تعرفون - يشهد برنامج بحوث الخارج في حوزة قم المقدسة نشاطاً ملحوظاً، حيث يُقام فيها ما يزيد على أربعمائة إلى خمسمائة درس في الفقه والأصول. ويضاف إلى ذلك أكثر من مائة درس آخر تُعقد في مختلف المحافظات الإيرانية. أما في مجال الفقه المعاصر، فقد خُصص مائة درس لبحوث الخارج تغطي مجالات متعددة مثل: فقه الطب، وفقه البيئة، وفقه الاقتصاد، وفقه البنوك، وفقه التربية، وغيرها من المجالات التي تبلغ قرابة عشرين باباً.

نحن طرحنا واقترحنا تأسيس عشرة إلى عشرين باباً حديثاً في الفقه، مضافاً إلى الأبواب الموجودة في الشرائع، ووفق تبويب العلامة -رحمه الله-، والمحقق ومن تبعه، إلى تبويب الشهيد الصدر. فالأبواب الموجودة لحد الآن تبلغ خمسين إلى ستين باباً. وهناك أيضاً اقتراحات أخرى لأبواب جديدة وحديثة. ومكتب الفقه المعاصر يواصل التوسع في الأبواب الحديثة للفقه. هذا من جانب.

وقد صدر حتى الآن أكثر من خمسين مجلداً في الفقه المعاصر باللغة الفارسية واللغة العربية، والآن أكثر من عشرين مجلداً في قيد الطباعة، وسوف تصدر وتنشر إن شاء الله. هذه أيضاً نقطة أخرى.

دعم النظام الإسلامي وتقديم الرؤى الإسلامية

والنقطة الأخرى المهمة -خصوصاً في إيران اليوم- أن الحوزة تواجه حاجات النظام الإسلامي والثورة الإسلامية. فمجلس الشورى الإسلامي وأجهزة الدولة، في وثائقها الأساسية وقوانينها، بحاجة ماسة إلى رؤى إسلامية، وهذا العبء يقع على عاتق الحوزة.

وهناك جهود كبيرة مُبذولة لاكتشاف النظرية الإسلامية وتطبيقها في مختلف وثائق إدارة المجتمع، تشمل وثائق الدولة والبرلمان والقوانين واللوائح. فالنظام الإسلامي ومقرراته بحاجة إلى أن تكون جميع وثائقه وقوانينه مبنية على الفكر الإسلامي وأصوله.

فمن يقوم بهذه الوظيفة الخطيرة؟! لا يوجد سوى الحوزة. ولحوزة قم في هذا المجال جهود ومشروعات وبرامج مُصمَّمة للاستجابة لهذه الحاجة على مستوى النظام الإسلامي. وهذا يمثل محوراً آخر من محاور عملنا، حيث دخلنا في مضماره ووضعنا الخطط الكفيلة بالإجابة على هذه الأسئلة على مستوى الحكومة والنظام الإسلامي.

التكامل بين الفقه التقليدي والحديث

ونقطة أخرى: نحن بحاجة إلى الفقه التقليدي بمناهجه التقليدية والأصيلة وفق تراثنا العظيم، ونحن بحاجة إلى التوسع في نطاق الفقه والشريعة الإسلامية، ونحن بحاجة أيضاً إلى مقارنة الفقه الإسلامي والقانون الحديث. هذه أمور مهمة، وقمنا بقدر وسعنا في كل هذه المجالات لتطوير الفقه والتوسع في أبوابها، والمقارنة بين النظريات الفقهية والنظريات الموجودة في القانون الحديث، والإجابة على الأسئلة على مستوى الحكومة.

تعزيز الجانب العقائدي والكلامي

وهذه الأمور في مجال الفقه... ولكن مما لا شك فيه أن المجتمع بحاجة إلى رعاية عقائدية. فالبنى الفكرية والعقائدية اليوم أمام مخاطرات كبيرة، والحوزة بحاجة إلى إجابة حاجات العصر في الحقل العقائدي، وفي النظام التعليمي للحوزة.

وفي قم هناك تركيز على الاختصاصات المرتبطة بالفلسفة والكلام والعقائد، ومختلف حاجات المجتمع في غير مجال الشريعة والفروع الفقهية. فهناك اختصاصات عديدة في الحوزة، وفي جامعة المصطفى، وفي المؤسسات الحوزوية، فيها عدد كبير من التخصصات.

وأخيراً قررت إدارة الحوزة تأسيس بحوث على مستوى الدراسات العليا وبحوث الخارج في علم الكلام والتفسير وعلوم القرآن والحديث. فالحوزة بحاجة إلى هذا، وقد قمنا بالتخطيط وبدأنا بالعمل في هذا المجال أيضاً.

الدعاء الختامي لتوفيق الخدمة

لا أريد أن أطول عليكم مع أنني يمكنني أن أشير هنا في هذه الليلة إلى خمسين مشروعاً في مختلف المجالات التي بدأنا بها، ونسأل الله أن يوفقنا لخدمة الإسلام والمذهب، وخدمة الأمة. فالأمة -بالإضافة إلى حاجاتها في المجالات العلمية والمعرفية- أيضاً بحاجة إلى علماء قادة؛ علماء يقودون الأمة في هذه المعارك الموجودة أمام الصهاينة، وأمام الاستكبار، وأمام الغزو الثقافي. وكل هذا بحاجة إلى تخطيط.

ولا أريد أن أشير إلى القسم المختص بالدعوة، فهناك مشاريع متعددة لتربية الدعاة والمبلغين، وما إلى ذلك من المشاريع.

وختاماً، ومن جديد، أرحب بسائر الأساتذة، وكذلك أشكر سماحة السيد ممثل الإمام الخامنئي، وأشكر ممثلي المراجع العظام الذين نحن بمحضرهم في هذه الجلسة، وأشكر الأساتذة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha