۱ مرداد ۱۴۰۳ |۱۵ محرم ۱۴۴۶ | Jul 22, 2024
آية الله عيسى قاسم

وكالة الحوزة - نقدم لكم كلمة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم في تأبين الشهيدين البطلين الحاج قاسم سليماني، والحاج أبي مهدي المهندس في التأبين الذي أقامته الجاليتين البحرانية والحجازية في قم المقدسة بمناسبة الذكرى الرابعة لاستشهادهما:

وكالة أنباء الحوزة - وفيما يلي نص الكلمة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وآله الطيبين الطاهرين.
أوّلُ الطريق إلى الفوز والنجاة أن نعرف، المعرفةُ أولاً ثم العمل. والشهادة تكبُر وتعظُم وتتسامى كلّما كان ورائها معرفةٌ حقيقيةٌ بقيمتها وبموقعها لرضا الله تبارك وتعالى، وما تفعل بهذا الإنسان من العلو والرقي إلى ما يرضاه الله عزَّ وجلّ من مقامٍ رفيع.
مع بعض الآيات الكريمة أولاً:
مقام الشهداء:
(وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) – سورة النساء (الآية 69).
النبيين، والصديقين -وفي التفسير هم الأئمة الأطهار “صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين”- كرقمٍ أوّل مما يدخل تحت هذا العنوان، والشهداء من بعد ذلك، والصالحين، وهم الذين عرفوا الله عزَّ وجلّ وما خالفوا معرفتهم، وإن لم يكونوا على عصمة.
(وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا)
المطيعون لله والرسول، والملتزمون بأمره ونهيه، الملتزمون لطريق عبادته، هؤلاء إذا وصلوا إلى هذه الدرجة كانوا مع أولئك النفر الذين أنعم الله عليهم، النعمة الأوسع، الأكبر، الأثبت، التي ينفردون بها من بين الناس، ومن بين خلق الله تبارك وتعالى على الأرض، مقامٌ لا يصله أحدٌ إلا هؤلاء الذين أنعم الله عليهم.
الذين أطاعوا الله ورسوله هم يحظون بمعية هؤلاء، ليست معيّة الدرجة، يبقى الأنبياء والشهداء، إلى آخره، لهم درجتهم المتميزة التي لا يشاركون فيها أحد، لكن هناك نعمة تنال المطيعين لله ورسوله بأن يحظوا بزيارتهم، بمجالستهم، بالتحدث إليهم، بالتشرف بلقياهم، بمن أنعم الله عليهم، مقامٌ لا يصله أحدٌ في الرتبة، لا يوصل إليه سعي الطائعين لله ورسوله من غير هؤلاء، لكن مع ذلك إذا كان كل الآخرين في درجاتٍ تحجبهم عن التحدث مع رسول الله “صلى الله عليه وآله”، مع الجلوس إليه، من التشرف بأنواره الإلهية الموهوبة له من الله عزَّ وجلّ، فإنّ هؤلاء المطيعون لله ورسوله الطاعة الصادقة الحقيقية ينالون هذه المرتبة -مرتبة اللُقيا برسول الله- التحدُّث، الاستضاءة بأنواره الملكوتية في الآخرة.
الشهداء عُدول الآخرة
هناك عدول في الدنيا، لهم شهادة مقبولة بالدليل الشرعي في مقاماتها، في جزاءاتها، في التبرأة، في إثبات الجريمة وما إلى ذلك. هذا مستوى من الشهادة، أرضيته العدالة في الدنيا، وهي عدالة مهما كان عدالة ظاهرية وإنْ كان المُستظهِر يستظهر وجود ملكة العدالة في النفس، لكنه استظهار وعلمٌ تعبدّي، أمّا عدالة الآخرة التي يُقضى على أساسها في أخطر قضية من القضايا التي يمكن أن تواجه الإنسان، وهي قضية النار والجنة، سعادة الأبد وشقاء الأبد، هذا الموضوع له مستوى آخر من العدالة وهي عدالة من تشخيص الله تبارك وتعالى، وهو الشاهد بها، المقتولون في سبيل الله، قد شهد الله لهم بهذه العدالة، وقَبِلَهُم شهوداً يوم القيامة، مأخوذٌ في حساب الجزاء شهادتهم، الجزاء بالنار أو الجزاء بالجنة، يشهدون على أهل النار بالجرم، ويشهدون على أهل الجنة بالإحسان والعدل والصدق مع الله تبارك وتعالى، ويكونون شهوداً على مستوى الأفراد، يشهد على الفرد ويشهد على الأمة.
هذا مقامٌ يتميز به الشهداء، أن تشهد ماذا تعني؟ تعني عقلية صافية بعيدة عن التأثر بأيّ شيء، قلب طاهر كل الطهر، إخلاص وصدق مع الله تبارك وتعالى، ذات متميزة فوق الأرضيات، ذات فوق الهوى، ذات كلّها لألاء، كلّها ظلال، هذه الذوات ذواتٌ تُكتسب بالشهادة، حتى نعرف قيمة الشهادة وهل تستحق أن تبذل في سبيلها حياة البدن أو لا، أنت تبذل حياة بدن لتأخذ حياة الروح الأبدية، حياة السعادة، حياة الانفتاح الكامل على الحق، حياة الاشتغال الشاغل بذكر الله تبارك وتعالى واستقاء العزّة والكرامة والرفعة في النفس من هذا الاتصال بالعزيز العظيم العليّ الكامل تبارك وتعالى.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْط)سورة المائدة – (الآية 8).
قائمين لطاعة الله في كل ما أمر، بطاعته بالنسبة لكل ما نهى، قوامين لهذا الأمر، حياتهم كلها بذل وعطاء في سبيل الله استجابة خالصة لله عزَّ وجلّ لا يشركها أخذُ أحدٌ آخر بالحسبان.
(كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ)
تقومون بكل أمر ونهي، وتقيمون الحياة كلّها على أساس أمر الله ونهيه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْط)
الشهادة تعني إنسان يقوم بكل ما أمر الله وعما نهى الله بلا شركٍ بلا أي شوبٍ من شرك، يعني هذه الذات تنظف وتصفى ولا يبقى مجال في داخلها لشائنة تكون مؤهلة للشهادة بالقسط عند الله تبارك وتعالى، تشهد بالقسط، فالله عزَّ وجلّ يوجد من خلقه من يصل إلى حدّ شهادة القسط بحقٍّ وصدقٍ بكل دقّة.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)
علي بن أبي طالب “عليه السلام”، قبله رسول الله، الأنبياء والأوصياء جميعاً، يفارق ولده في أشدّ لحظات حاجة الولد إليه حين يكون منه عملٌ لا يرضي الله، تصادق بينه وبين غيره طاعة الله، تفارق بينه وبين غيره معصية الله، من كان عاصياً فهو عدو ولي الله، ومن كان مطيعاً لله فهو حبيب وليّ الله، الشاهد بالقسط هذا شأنه، أن لا يكون له صديقٌ ولا حبيبٌ حين تفارق بينه وبينه معصية الله عزَّ وجلّ، والكافر الملحد وفي لحظة واحدة حين يتفرّغ قلبه من كفره وإلحاده يكون حبيب وليّ الله ويشهد له بالعدل والإحسان ومحبة الله له.
سَحَرَة فرعون بين حبّ موسى لهم واحتضانه لهم وبين محاربته لهم، هي لحظة تبدّلت فيها الكفر إيمانا، وتبدّل فيها الظلم عدلا، والجور إحسانا، هذه المنزلة تكون للشهداء.
(وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) – سورة الزمر (الآية 69).
الشهادة قتلٌ يُنتج الحياة، هو في نفسه بما هو قتل، يعدّونه جريمة، قتلُ الشهيد لولا أنّه في سبيل الله، لولا أنّه بأمر الله، لولا أنّه مما دعا الله إليه لكانت تقدّمه للقتل جريمة. جريمةٌ لأنّ القتل عمل سلبي، عمل مُخسّر، عمل انتحار غير عقلائي إذا كان في حدّ نفسه، لكن بما أنّه نقلة من حياةٍ دنيئة وتصحيحٌ لهذه الحياة، ونقلة إلى الحياة الأخرى الكريمة العظيمة، بما أنّه انفصالٌ عن الشيطان، والتحامٌ بالله تبارك وتعالى، وهو أشرف عمل، وأكرم خيار، وأعلى مرتبة ينالها الإنسان بعد العصمة.
ولذلك (وَلَا تَحْسَبَنَّ)
هؤلاء لم يقتلوا كما تقول الآية، وإنما دخلوا الحياة الكريمة العظيمة الحقيقية، أسمى حياة، وأشرف حياة، وهي حياة الخلود مع السعادة.
(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) – سورة آل عمران (الآية 169/172).
تذكر الآية الكريمة الثواب العظيم الذي لا ينال من غير هذا الطريق، من غير طريق الشهادة، وهو ثوابٌ لا يملك الإنسان أن يتصوّره في حدود تجربته، وهو محبوس في حدود تجربته الدنيوية في الشقاء والسعادة ودرجاتها.
(وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).
الناس يوم القيامة يختلفون، ويتنازعون، ويتظالمون، كلٌّ يتهم الآخر بظلمه لأخيه، أنا أتهمك وأنت تتهمني، لابد من قضاء بين الناس.
(وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)، جيء بهؤلاء ليقيموا الشهادة في النزاع بين الخصمين فيقضي الله عزَّ وجلّ المأخوذ من علمه أولاً، ولإقامة الحجة على الناس، ولبيان قيمة الشهادة والعدل، ليدخلهم الجنة بشهادة الأنبياء وبشهادة الشهداء.
إذا استشهدت في سبيل الله، لا توجد شهادة إلا بأن تكون في سبيل الله أو في أمرٍ ينتهي إلى سبيل الله، تدافع عن وطن هذا ليس شهادة، الآن يكون هذا الدفاع عن الوطن مأموراً به ومقصوداً به الاستجابة لأمر الله تبارك وتعالى.
التضحية للوطن في حدّ ذاته وبقطع النظر عن أمر الله ليس شهادة، الشهادة تحتاج دائماً إلى أن تكون في سبيل الله، وعلى هذا لابد من التبيُّن لسبيل الله، هذا الذي أسلكه هو سبيل الله، وأن في طريقي إلى الشهادة هل هذا الذي أسلكه هو سبيل الله أو لا، لابد من هذا حتى أتحقق أن شهادتي في سبيل الله. الوطن محبوب، والدفاع عن الوطن واجب، ولكن تدافع عن الوطن لأن هذا الدفاع أوجبه الله عزَّ وجلّ، لا لأنه تربة تربيت فيها، لا لأنها تربة مليئة بأصدقائك وأحبائك، وإنما لأنّ هذا الجهاد وهذا الدفاع أنت مأمورٌ به من الله عزَّ وجلّ.
أنتقل من هذا.
الاستهداف -استهداف الكفر، استهداف الطاغوتية، استهداف الجاهلية- لأيٍّ من أبناء الأمة، لأيّ بلد، لأيّ فرد، لأيّ مذهب، لأيّ قومية، استهدافٌ ذاتيّ، واستهدافٌ غيري، له هدف ذاتي وخاصةً بالنسبة من مستوى القادة المؤمنين، مستوى الزعماء المؤمنين المخلصين، من مستوى المخططين لنجاح المسيرة الإسلامية، لأنّ هؤلاء يُقصد قتلهم حيث أنّ الواحد منهم أمّة، وأنّ الواحد منهم جيش، فهو حينما يقتلون الحاج قاسم سليماني -أعلى الله مقامه ورفع درجته في الجنة- يرون أنهم يقتلون أمة، يقتلون جيشاً ضخماً هدّاراً، وهناك شخصٌ يقوم مقام أمّة، شخصٌ يقوم مقام جيش، هذا الفرد يخلق جيوشاً، يخلق أمةً مؤمنة، يؤمن وعاةً شجعاناً منظرين مهندسين للحرب، يخلق الرجال الصالحين الذين ينتجون حياةً غير حياة، ومسيرةً غير مسيرة، ومستوىً غير مستوى، إذا مات هذا انقطع في نظر الكفّار انقطع خلق رجال ورجال، وأجيالٍ وأجيال، وامتنع حدوث نقلات هائلة في حياة الأمة بحيث لا تبقي ولا تذر من شأنٍ للكافرين، ولهذا يكون مستهدفاً استهدافاً بلحاظ ذاته، ومستهدفاً استهدافاً آخر غيرياً بلحاظ ما يعطيه في حياة الغير وذواتهم ومستواهم، ولكن هم يُخطؤون في أنّهم لا يلتفتون إلى أن الشهيد يبقى حيّاً ويُضاف إلى حياته في الآخرة حياة التأثير والفاعلية والدفع القويّ والتحريك الشديد للمسيرة الصالحة في هذه الحياة، وأنّ الشهيد يبقى معطاءً وربما فاقت درجة عطاءه بعد شهادته أكثر من درجة عطاءه وهو حيٌّ يقاتل ويخطط ويدعو ويصرخ في الناس بالجهاد.
هنا على الأمة أن ترى نفسها مستهدفةً في كلّ حربٍ يشنها العدو على جزءٍ منها، على كلّ شخصية مؤثرة من شخصياتها.
مرّة الأمة ترى أنّ الحرب على غزة والقضاء عليها وتيتيم أيتام غزة هي مسألة خاصة بغزة، لأنّ التركيز الآن وبشكل آني التركيز على حرب غزة، هذا التركيز له هدفان:
هدف ذاتي هو القضاء على غزة لأنها حاضرة بقوتها الآن بالمقاومة، حاضرة بقوة في الجهاد وفي المقاومة.
لكن المنظور، وربما كان أكبر، هو أن تضعف الأمة، هو أن تنهار بعض قوى الأمة، هو أن يُهين سقوط غزة عزيمة المسلمين وعزّتهم وثقتهم بأنفسهم في البلاد الإسلامية الأخرى، المستهدف الأخير سواء بُدِأ بغزة أو بُدِأ بلبنان أو بالجمهورية الإسلامية أو غيرها، المستهدف هو الأمة بكاملها.
على الأمة أن تعرف أن مسّ أيّ شخصية من مثل شخصية الحاج قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس، أيّ واحدٍ من هؤلاء الشهداء العظام، مسّ أيّ عالمٍ من المجتهدين الفقهاء الكبار، مراجع الأمة، مسّ أيّ شخصية منتجة انتاجاً نافعاً للأمة، سواء انتاج الذرة وما إلى ذلك، استهداف أيّ شخصية من هذه الشخصيات هو استهداف للأمة، فعلى الأمة أن تعرف تماماً أنّها معنيةٌ في استهدافٍ صغر أو كبر في إطار هذه الأمة، وأنّ المطلوب الأخير للكفر أن لا يبقى شيعيٌ ولا سنيّ، كرديّ ولا عربي، أي شخص ينتمي إلى الإسلام مهما كان فهو مستهدفٌ مقصودٌ بالقتل، وأن يُهزم في نفسه ويُهزم في دينه ويُهزم في حركته.
على الأمة اليوم أن تعيش معركة غزة من صميم قلبها، وأن تشتغل كلّ جوارحها بهذه المعركة، وأن لا تدّخر جهداً في سبيل هزيمة مروّعة ومدوّية لإسرائيل وأمريكا ولكل المتعاونين معهم، لماذا؟
هناك صرخات من داخل غزة وفلسطين، صرخات الأطفال اليتامى، صرخات النساء المثكولات، صرخات الموجوعين المألومين، صرخات الجائعين، صرخات المشرّدين، صرخات المعذبين في تلك البقعة من الأرض الإسلامية، صرخاتٌ استغاثيةٌ من العجب أن تصل إلى مسمع إنسانٍ مسلم فلا تدكّ قرنه!
نأتي إلى الأحاديث الشريفة:
-عندنا الاهتمام لأمر المسلمين.
-وعندنا الاستجابة لاستغاثة المسلمين.
وفرقٌ بين الدرجتين، أنت ابتداءً وبلا استغاثة أحد وبلا صرخة تصدمك من أحد، عليك أن تهتمّ بأمر المسلمين لكونك مسلم، أخوك وأنت أخوه، رجل حقٍّ وأنت رجل حقّ، أخوان في الإيمان وهذا أكبر مُوَحِّد.
(من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم).
إيمان المسلم إيماناً ظاهرياً، لا تقتله ولا تستبيح دمه ولا ماله ولا عرضه، محفوظ الدم والمال والعرض.
عملاً مسلم؟ النفي في مقام العمل مسلم؟ قلباً وعلى مستوى العمل ليس بمسلم وإلا لم يقف موقف المتفرج.
(من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم، ومن سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين ولم يجبه فليس بمسلم)
ابتداءً من أن تصبح همّك معك، عندي همّ قوت يومي، عندي همّ تربية الأسرة، تحضر عندي كلّ هذه الأمور، مستقبل ولدي، مستقبل عائلتي، مستقبلي، إلى آخره، أوّلها عند المؤمن الحقّ أن يهتم بأمور المسلمين.
(يا للمسلمين) يصرخ بلهفة، بافتجاع، بقلبٍ يملؤهالخوف والرجاء، ينادي فلم يجبه فليس بمسلم.
قال رسول الله “صلَّى الله عليه وآله وسلّم”: (من ردّ عن قومٍ من المسلمين عادية ماء أو نار وجبت له الجنة).
هذا الردّ من المسلم وغوثه يوجب لك الجنة.
(نَزَلَ الحسين “عليه السلام” القطقطانة فنظر إلى فسطاط مضروب فقال: لمن هذا الفسطاط؟ فقيل: لعبد الله بن الحر الحنفي فأرسل إليه الحسين “عليه السلام” فقال: أيها الرجل إنك مذنبٌ خاطئ وإنّ الله عز وجل آخذك بما أنت صانع إنْ لم تتب إلى الله تبارك وتعالى في ساعتك هذه فتنصرني، ويكون جدي شفيعك بين يدي الله تبارك وتعالى.
فقال: يا ابن رسول الله والله لو نصرتك لكنت أول مقتول بين يديك، ولكن هذا فرسي خذه إليك فوالله ما ركبته قط وأنا أروم شيئا إلا بلغته، ولا أرادني أحد إلا نجوت عليه، فدونك فخذه! فأعرض عنه الحسين “عليه السلام”بوجهه ثم قال: لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك، وما كنت متخذ المضلين عضدا، ولكن فر، فلا لنا ولا علينا فإنه من سمع واعيتنا أهل البيت ثم لم يجبنا، كبه الله على وجهه في نار جهنم).
ثمن ما دون النفس لا يرضى به الإسلام، الثمن بما دون النفس لا يرضى به الإسلام ولا يجيز الإسلام التأخر عن الانضمام إلى راية الحق بهذا الثمن الذي هو ثمنٌ لا يساوي شيئاً في نظر الإسلام أمام نِعَم الله وأمام الجنة التي يطلبها هذا الثمن.
الجنة ليست قصراً، وليست موقع رئيس وزراء، ولا شيئاً أكبر من ذلك مما هو دون الجنة نفسك، ولو كان عندك ما تملك أغلى من نفسك وأعزّ منها لكانت النفس غير كافية.
(لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك، وما كنت متخذ المضلين عضدا)، يعني هذا مضل، حكام التطبيع يقال لهم هنا بأن مساعداتكم لغزة لا تساوي شيئاً، صفر، غير مقبولة، هذا هو الفرس الذي رُدّ على صاحبه، أموالكم، هذا فضلاً عن إعلامكم الكاذب إذا نافقتم، واستغبيتم الرأي العام خداعاً.
(ولكن فُرّ)، فرّ بنفسك عن جوّ المعركة، يسمعون أخبار المعركة تفصيلاً ويقفون على تفاصيل المأساة، ويسمعون إلى صرخات الأيتام ونوح الثكالى، والاستغاثات، ومن بعد نشرة الأخبار يأتي مجلس الضحك وتُنسى القضية، هذا أمر حاصل عند كثير من المسلمين إلا من رحم الله، فلا لنا ولا علينا، فُرّ بحيث لا تسمع، لا تدري، أو ما إلى ذلك، (فإنه من سمع واعيتنا أهل البيت ثم لم يجبنا، كبه الله على وجهه في نار جهنم)، لماذا هذه الخاصية لأهل البيت؟ لأنّ دعوتهم الإسلام، لأنّ الإسلام هم وهم الإسلام، ولذلك يكون التخلّف عن دعوتهم للجهاد أعظم منكر وأكبر إنكار بقيمة الإسلام واستخفافاً به وبخلاً عليه.
وتقول يُقصد من قتل ذوي الشأن الكبير العظيم من الانتاجيين، الإسلاميين، سواء في علم الدين أو علم الحرب أو في علم التكنلوجيا، في كل ما يتقدم به المسلمون الحقيقيون ويكون لهم في ذلك طريق للهيمنة، القتل لهؤلاء قتل للأمة.
الحاج قاسم، والحاج المهندس قُتلا في سبيل الله تبارك وتعالى، وزوّارهم يزورون مزارهم للتكريم والإحياء، هؤلاء الزوّار حاج قاسم، هؤلاء أبو مهدي، هذا هو نفس الجهاد، هذا هو نفس المكابرة، نفس المقاومة، مع هؤلاء الزوار لن ينسى الحاج قاسم، وسيكون حضوره هذا المؤمن العملاق حضوراً أقوى مما كان، ولذلك يعرفون لابد من متابعة مسيرة القتل والتصفيات لكل أتباع الشهداء الكبار وعمالقة الأمة.
بدأ الجيل الجديد فهماً جديداً، وعياً جديداً، اليوم بدأت قيادات في سن الطفولة، بدأ يتعلم القيادة، بدأ يتعلم الحرب، تسمع كلمات الطفل اليمني، الطفل العراقي، الطفل اللبناني، الطفل الإيراني، أطفال بلاد محور المقاومة، تسمع قادة، تسمع موجهين، تسمع شجعاناً، تسمع وعياً، تسمع رجولةً، تسمع حبّاً للإسلام، عشقاً لله، استهزاءً بالقوة المادية للكافر، كل هذا تسمعه، وشيءٌ من هذا ما كنت تسمع أبداً قبل سنوات.
فأمامنا، أمام الأمة، أنّها يجب عليها التحرك، والمشاركة الفاعلة الجديّة في إنقاذ غزة وفي انتصار حماس ومحور المقاومة على أعداء الله وأعداء رسوله، أمامنا أمور الاستغاثات، الرعب الذي أحدثه طوفان الأقصى في قلوب أعداء الله، ما يحدث من خلاف شديد، والوجوه التي حدّدها خطاب السيد قائد المقاومة نصر الله “حفظه الله وسلّمه”، ما حدث من اهتزازات، انتكاسات، ما حدث من شقاق، من اختلافات في داخل إسرائيل بما يهدّد بسقوطها من داخلها، هذا والاستغاثات التي توجب التحرك، ما يحدث في إسرائيل تباشير، وهذه صرخات موجبة، وهذه الدروس العملية في داخل الأمة من مثل موقف اليمن وموقف غيرها من أطراف محور المقاومة، إلى جانب ما أوجبه الله عزَّ وجلّ من نصرة المسلم لأخيه المسلم والاستجابة لإغاثته، وغَفَرَ الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ارسال التعليق

You are replying to: .