وكالة أنباء الحوزة – زار آية الله عليرضا الأعرافيّ، مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة، خلال جولته في مدرستي الفيضيّة ودار الشفاء العلميّتين في مدينة قم المقدّسة، مركز وثائق الحوزة العلميّة وشؤون رجال الدين، واطّلع على مختلف أقسام المركز وقاعة المعارض فيه، كما تعرّف على واقع المركز وإمكاناته وسير أنشطته.
وخلال هذه الزيارة، عُرضت مجموعةٌ من الوثائق والصور والآثار البارزة المرتبطة بالشخصيّات العلميّة والتاريخيّة للحوزات العلميّة، كما جرى تسليط الضوء على مختلف جوانب قيمتها التاريخيّة والبحثيّة.
عرض تقريرٍ حول مسار تطوير الأنشطة
وفي سياق الزيارة، قُدّم تقريرٌ حول مسار تطوير الأنشطة الأرشيفيّة والإجراءات المتّخذة في مجالات تحديد الوثائق وجمعها وتنظيمها وحفظها ورقمنتها، كما جرى استعراض جانبٍ من الأنشطة الجديدة للمركز في مجال توثيق تاريخ الحوزات العلميّة، وتطوير الخدمات الأرشيفيّة، وفهرسة الوثائق، والتعريف بالإرث العلميّ والثقافيّ للعلماء وكبار شخصيّات الحوزة العلميّة.
وأكّد آية الله الأعرافيّ، خلال استعراض إمكانات المركز وإنجازاته، أهمّيّة مكانة هذه المؤسّسة في الحفاظ على الهويّة التاريخيّة وصون التراث الوثائقيّ للحوزات العلميّة.
وأشار مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة إلى المسؤوليّة الجسيمة المتمثّلة في صون الموروث التاريخيّ للتشيّع، داعيًا إلى إقامة حفل تكريمٍ مهيبٍ يليق بمكانة "المراجع الثلاثة" (آيات الله العظام حجّت كوهكمريّ، والخوانساريّ، والصدر)؛ أولئك الأعمدة الشامخة الذين أبقوا شعلة حوزة قم العلميّة متّقدةً في أحلك أيّام القمع والاختناق في عهد رضا شاه البهلويّ.

صون الذاكرة التاريخيّة للحوزة العلميّة؛ ضرورة تكريم ورثة الصمود والثبات
لم تكن زيارة مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة للأقسام المختلفة في مركز وثائق الحوزة العلميّة وشؤون رجال الدين مجرّد تصفّحٍ عابرٍ لصفحات التاريخ، بل كانت إعادةً لقراءة خارطة طريقٍ نحو المستقبل. وفي هذا الجزء من الزيارة، الذي خُصّص لاستعراض الوثائق المتعلّقة بمرحلة استبداد رضا خان والجهود التي بذلتها إدارة الحوزة العلميّة آنذاك، توقّف آية الله الأعرافيّ أمام الوثائق المرتبطة بزعامّة "المراجع الثلاثة"، مؤكّدًا ضرورة نقل هذه الكنوز الهويّاتيّة إلى الجيل الشابّ في الحوزة بصورةٍ دقيقةٍ.
واستذكر آية الله الأعرافيّ الدور الفريد الذي اضطلع به هؤلاء الفقهاء الثلاثة الأجلّاء، مؤكّدًا: إنّ ما تشهده حوزة قم العلميّة اليوم من عظمةٍ وحيويّةٍ وتأثيرٍ على الصعيدين الوطنيّ والدوليّ، إنّما هو ثمرة حكمة المراجع الثلاثة وجهادهم الصامت وصمودهم البطوليّ. وإنّ إقامة حفل تكريمٍ لهؤلاء الأعلام في الفقه والاجتهاد، إنّما هي تكريمٌ لتاريخ مظلوميّة المرجعيّة الشيعيّة، وفي الوقت ذاته، لاقتدارها.
المراجع الثلاثة؛ منقذو الحوزة العلميّة في عصر بطش رضا خان
ولفهم عمق توجيهات مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة، لا بدّ من العودة بصفحات التاريخ إلى عقد الثلاثينيّات من القرن العشرين الميلاديّ، حين بلغ الهجوم الشامل الذي شنّته حكومة رضا خان الدكتاتوريّة لتدمير المؤسّسة الدينيّة والقضاء على الزيّ المقدّس لرجال الدين ذروته*، وذلك عقب رحيل آية الله العظمى الحائريّ اليزديّ، مؤسّس حوزة قم العلميّة.
وفي ظلّ تلك الظروف الخانقة، التي شهدت تنفيذ سياسات كشف الحجاب وهدم المساجد وتقييد المنابر والتضييق الشديد على طلّاب العلوم الدينيّة، نهض ثلاثةٌ من كبار الفقهاء وأهل التقوى، وهم آية الله العظمى السيّد محمّد حجّت كوهكمريّ، وآية الله العظمى السيّد محمّد تقيّ الخوانساريّ، وآية الله العظمى السيّد صدر الدين الصدر، بمسؤوليّة قيادة الحوزة العلميّة، وحملوا على عاتقهم مهمّة الحفاظ على كيانها واستمرار مسيرتها العلميّة.
نموذجٌ رفيعٌ للحصافة الدينيّة والمقاومة القائمة على الإيثار والتضحية
وفي تحليله المعمّق لهذه المرحلة التاريخيّة الحسّاسة، أشار آية الله الأعرافيّ إلى أنّ "المراجع الثلاثة"، بما تحلّوا به من حنكةٍ وحكمةٍ وزهدٍ وصبرٍ وسياسةٍ رشيدةٍ، لم يسمحوا بانطفاء شعلة حوزة قم العلميّة في خضمّ عاصفة الاستبداد فحسب، بل أسهموا، من خلال الحفاظ على وحدة الطلّاب وتماسكهم، في تمهيد الطريق أمام مراحل الازدهار اللاحقة وظهور نهضة الإمام الخمينيّ (قدّس الله سرّه). لقد كانت إدارة هؤلاء العظماء في تلك الظروف الحرجة نموذجًا رفيعًا للحصافة الدينيّة والمقاومة القائمة على الإيثار والتضحية.

توجيهاتٌ تنفيذيّةٌ لمركز الوثائق وإدارة الحوزة العلميّة
وعلى إثر هذا التأكيد الصريح، أصدر مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة التوجيهات اللازمة لإعداد خطّةٍ شاملةٍ لإقامة مؤتمرٍ وطنيٍّ وحفل تكريمٍ للمراجع الثلاثة، وتقرّر ما يلي:
1. تدوين الوثائق غير المنشورة وإصدارها: نشر الرسائل والمخطوطات والوثائق الأرشيفيّة المتبقّية من فترة زعامة المراجع الثلاثة، بالتعاون مع مركز وثائق الحوزة العلميّة.
2. دراسة السيرة السياسيّة والفقهيّة للمراجع الثلاثة دراسةً علميّةً: إقامة ندواتٍ تخصّصيّةٍ وجلساتٍ تفسيريّةٍ على يد أساتذة المستويات العليا، لدراسة أساليب إدارة الأزمات التي انتهجها هؤلاء الأعلام.
3. إنتاج الأعمال الفنّيّة والإعلاميّة: الاستفادة من الإمكانات الحديثة في مجال إنتاج الأفلام الوثائقيّة والبودكاست والتصميم الغرافيكيّ، للتعريف بهؤلاء الأعلام لدى الجيل الشابّ والأوساط الجامعيّة.
ويعكس هذا التوجّه الاستراتيجيّ عزم إدارة الحوزات العلميّة على وصل الجيل الحوزويّ الحاضر بجذوره التاريخيّة وقيمه الأصيلة، وفي مقدّمتها الصمود والاستقلال والإخلاص والحكمة؛ وهي قيمٌ تشكّل ركيزةً أساسيّةً للحفاظ على استقلال المؤسّسة الدينيّة وحيويّتها في الوقت الراهن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* في عام 1928م، أقرّت حكومة رضا شاه قانون توحيد الزيّ في إيران، بهدف فرض لباسٍ موحّدٍ على الرجال في مختلف أنحاء البلاد، وهو قانونٌ شمل رجال الدين أيضًا، باستثناء من حصلوا على تراخيص خاصّةٍ. وسعت الحكومة، من خلال إنشاء أجهزةٍ رقابيّةٍ وممارسة الضغوط، إلى فرض سيطرتها على لباس رجال الدين والحدّ من حضورهم الاجتماعيّ، ما أدّى إلى اعتقال عددٍ من العلماء وطلّاب العلوم الدينيّة والتضييق عليهم وإجبار بعضهم على خلع لباسهم الدينيّ. وقد أثارت هذه السياسة احتجاجاتٍ واسعةً في أوساط العلماء في مختلف المدن، ومهّدت لأحداثٍ بارزةٍ، من بينها انتفاضة مسجد جوهرشاد عام 1935م. وأُلغي هذا القانون عام 1941م، عقب عزل رضا شاه عن الحكم.
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرر: حسن رحماني
المصدر: وكالة أنباء الحوزة

















تعليقك