الأحد 25 أكتوبر 2026 - 22:21
لماذا أخفق مستكبرو العالم في النيل من إرث المقاومة الذي أرسته السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟

وكالة الحوزة - تقدّم سورة الكوثر وعدًا إلهيًّا يتجاوز البشارة باستمرار نسل النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)؛ إذ تكشف عن حقيقةٍ أعمق تتمثّل في بقاء نهج أهل البيت (عليهم السلام) وامتداد رسالتهم عبر الأجيال، في مقابل اندثار أعداء النبيّ الذين وصفوه بـ"الأبتر". فمن هذا المنطلق، تبرز السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بوصفها أحد أبرز تجلّيات الكوثر، ومصدرًا لامتداد خطّ المقاومة في مواجهة الظلم والاستكبار.

وكالة أنباء الحوزة – لا تقتصر دلالات سورة الكوثر على البشارة بكثرة الخير ودوام ذرّيّة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، بل تنطوي أيضًا على وعد إلهيّ ببقاء أثر الرسالة المحمّديّة وامتداد نهج أهل البيت (عليهم السلام)، مهما اشتدّت حملات أعدائه وتعدّدت أدواتهم. وفي هذا السياق، تناول حجّة الإسلام والمسلمين حميد ملكيّ، نائب مدير حوزة قم العلميّة، في كلمةٍ ألقاها يوم الأحد (25 أكتوبر 2026م)، أبعاد هذه السورة المباركة، مبيّنًا كيف تجلّى وعد الله في التاريخ؛ إذ بقي ذكر النبيّ ونهجه حاضرَين في العالم، بينما اندثر ذكر كثيرٍ ممّن امتلكوا السلطان والمال والقوّة، وكيف غدت السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بما امتدّ من نسلها ونهجها، رمزًا لاستمرار هذا الخير الإلهيّ وتجسيدًا لمعاني الثبات في مواجهة الظلم والاستكبار. وفيما يلي نصّ ما قال حجّة الإسلام والمسلمين ملكيّ في هذا الخصوص:

اقرأ الجزء الأول أيضاً:

سرّ الإعجاز في سورة الكوثر؛ بشارةٌ سبقت ولادة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)

فيما يتعلّق بسورة الكوثر المباركة، طُرحت أكثر من خمسةٍ وعشرين قولًا للمفسّرين في تفسيرها. ويبدو أنّ استعراض هذه الأقوال قد يؤدّي أحيانًا إلى إغفال أصل القضيّة التي نزلت السورة بشأنها؛ إذ يُقال إنّ الكوثر يعني القرآن الكريم، أو الحكمة، أو العقل، أو حوض الكوثر. في حين أنّ السورة المباركة نفسها تكشف عن المراد من هذه الكلمة، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:3].

إنّ قوله تعالى ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ الوارد في ختام السورة، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بشأن نزولها. وتعود القصّة إلى أنّ أعداء النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانوا يصفونه بـ«الأبتر»، بحجّة أنّه لم يُرزق ابنًا ذكرًا، وأنّه لن يبقى بعده من يواصل مسيرته ويحمل رسالته. فجاءت هذه السورة المباركة لتبشّر النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بخبرين إعجازيّين: أوّلهما أنّ الله سيرزقه الكوثر، وثانيهما أنّ عدوّه هو الأبتر الذي سينقطع أثره ولن يبقى له عقبٌ ولا امتدادٌ.

وهكذا، فقد أُعطي النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) الكوثر، وانقطع أعداؤه، فلم يتمكّنوا من الحفاظ على مكانتهم ونفوذهم في التاريخ. فعلى الرغم ممّا تمتّع به بنو أميّة وبنو العبّاس من أنصارٍ وقوّةٍ وإمكاناتٍ واسعةٍ، فإنّهم لم يتمكّنوا من ترك إرثٍ معنويٍّ خالدٍ، يماثل ما خلّفه النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله). واليوم، لا نرى امتدادًا معنويًّا ولا مكانةً مماثلةً لهم في العالم الإسلاميّ، في حين أنّ اسم النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ونهجه قد عمّا أرجاء العالم كلّه.

وقد بدأ هذا الامتداد والانتشار بأهل البيت (عليهم السلام)، وتواصل عبر التاريخ على أيدي كبار العلماء والمراجع والشخصيّات المؤثّرة في العالم الإسلاميّ، من أمثال الإمام الخمينيّ (قدّس الله سرّه)، والقائد الشهيد الإمام الخامنئيّ والشهيد السيّد حسن نصر الله والشهيد الصدر (رضوان الله تعالى عليهم)؛ إذ تركت كلّ واحدةٍ من هذه الشخصيّات بصمتها المؤثّرة في العالم الإسلاميّ في عصرها. وهذا هو بعينه معنى الوعد الإلهيّ الذي بشّر الله به نبيّه الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.

ومن هنا، يتّضح أنّ السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) تُعدّ من أبرز مصاديق الكوثر وأكملها. وكأنّ الله سبحانه وتعالى يبشّر نبيّه الأكرم (صلّى الله عليه وآله) قائلًا: لا تقلق، فإنّا سنهبك فاطمة الزهراء (عليها السلام)؛ تلك السيّدة التي سيأتي من ذريّتها الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) وسائر أبنائها وصولًا إلى الإمام الحجّة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، كما سيظهر على امتداد التاريخ علماء كبارٌ وشخصيّاتٌ عظيمةٌ كثيرةٌ من ذرّيّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ممّن يملؤون العالم بالمعنويّة ومعارف النبيّ الأكرم وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام).

وعلى الرغم من قِصَر سورة الكوثر المباركة، فإنّها عظيمة الشأن وغنيّة الدلالات؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ** فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، رابطًا بين عطيّة الكوثر والأمر بالصلاة والنحر شكرًا لله تعالى على هذه النعمة. ولأنّ الكوثر يمثّل الخير الكثير، وتُعدّ السيّدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) من أبرز مصاديقه، فإنّ هذه العطيّة الإلهيّة العظيمة تستوجب شكر المنعم سبحانه وتعالى، من خلال إقامة الصلاة وتقديم القربان تعبيرًا عن الامتنان لهذه النعمة الجليلة.

وإلى جانب هذه البشارة، تتضمّن سورة الكوثر وعدًا آخر، وهو أنّ أعداء النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) هم الأبترون. ونشهد اليوم كيف يواصل أبناء النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) إشعاع نورهم في عالمٍ أطبقت الظلمة والظلم على مساحاتٍ واسعةٍ منه.

لقد أسّس الإمام الخمينيّ (قدّس الله سرّه) جبهة المقاومة، وهي الجبهة التي تقف في وجه القوى الظالمة والمستكبرين في هذا العصر؛ ممّن تجرّدوا من أبسط معاني الإنسانية، وكشفوا، في القضايا المرتبطة بجزيرة إبستين، عن وجوهٍ من القسوة وانتهاك الكرامة الإنسانيّة. فكان من بين الذين وقفوا في وجه هذه التيّارات وتحدّوا قوّتها شخصٌ من أبناء النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ومن ذرّيّة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).

وهذا مظهرٌ من مظاهر حقيقة الكوثر؛ تلك العطيّة الإلهيّة التي لا ينقطع فيضها، إذ سيواصل أبناء السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، في كلّ عصرٍ، الوقوف في وجه الظلم والجور، وتبديد الظلمات، والتمهيد لظهور ابنها، الإمام الحجّة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

ومن هنا، ينبغي لجميع أبناء شعبنا الأعزّاء أن يستلهموا من هذه السورة القصيرة، الغنيّة بالمعارف، ما يعزّز أملهم بالمستقبل، ويثبّت يقينهم بانتصار الحقّ وتحقّق الوعود الإلهيّة. ومن الرسائل التي يمكن استلهامها من هذه السورة المباركة أنّ أعداء النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، والمناهضين لنهج السيّدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، محكومون بالزوال في كلّ عصرٍ؛ فلن يبقى لهم أثرٌ ولا ذكرٌ، وسيؤول مصيرهم في نهاية المطاف إلى مزبلة التاريخ. وهذا أيضًا من الوعود التي يمكن استلهامها من سورة الكوثر المباركة.

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرّر: حسن رحماني

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha