وكالة أنباء الحوزة - تحلّ ذكرى ولادة السيّدة زينب (عليها السلام)، بطلة كربلاء، في الخامس من جمادى الأولى، وهي مناسبةٌ تستدعي استحضار مواقفها الخالدة ودورها في إحياء رسالة عاشوراء. وتُعدّ الولاية التكوينيّة لأولياء الله من المسائل التي أثارت نقاشًا في البحوث العقديّة. وفي هذا السياق، يتناول التقرير رواية صمت أهل الكوفة قبيل إلقاء السيّدة زينب (عليها السلام) خطبتها، ويستعرض الموقف المنسوب إلى الفكر الوهّابيّ من الولاية التكوينيّة، مستندًا إلى رواياتٍ وردت في كتابَي "البلدان" لابن الفقيه و"الاحتجاج" للطبرسيّ.
إثبات "الولاية التكوينيّة" لأولياء الله من خلال جانبٍ من سيرة السيّدة زينب (عليها السلام)
المقدمة
من أوجه العناية الإلهيّة بأوليائه الصالحين أن يمنحهم القدرة على التصرّف في عالم التكوين، بحيث يتمكّنون من التأثير في شؤون الكون بإذن الله تعالى. ويُعدّ هذا الأمر من المسائل التي يعارضها الفكر الوهّابيّ، إذ يرفض الإقرار بولاية الأولياء التكوينيّة ويمنع الاعتقاد بها. غير أنّ التاريخ يزخر بشواهد عديدةٍ على تصرّف عباد الله الصالحين في شؤون التكوين. ومن ذلك، روايةٌ نقلها علماءٌ ومؤرّخون من الشيعة وأهل السنّة عن السيّدة زينب الكبرى (عليها السلام)، يُستدلّ بها على الولاية التكوينيّة لأولياء الله. وفيما يأتي، نستعرض موقف الوهّابيّة من ولاية الصالحين التكوينيّة، ثمّ نتناول نموذجًا من الولاية التكوينيّة للسيّدة زينب (سلام الله عليها)، كما أورده علماءٌ ومؤرّخون من الفريقين.
حظر الاعتقاد بالولاية التكوينيّة في المنظور الوهّابيّ
يرى الفكر الوهّابيّ أنّ ولاية أولياء الله على الكون والتصرّف في شؤونه أمرٌ ممتنع؛ ومن ثمّ، يرفض الاعتقاد بقدرة الصالحين على التصرّف في عالم التكوين. وفي هذا السياق، جاء في كتاب "فتاوى اللجنة الدائمة": «وأما التبرّك بالصالحين الأحياء فبدعةٌ....وقد يكون شركًا أكبر إذا اُعتقد في الصالح أنّه ينفع ويضرّ بتصرّفه، وأنّه يتصرّف في الكون ونحو ذلك» (1).
ويتّضح من هذا النصّ أنّ التبرّك، الذي يعدّه الوهّابيّون بدعةً، قد يفضي إلى الشرك الأكبر إذا اقترن بالاعتقاد بقدرة الأشخاص الصالحين على التصرّف في عالم التكوين؛ غير أنّ التاريخ يزخر بشواهد عديدةٍ على تصرّف أولياء الله في الكون بإذنه تعالى. ومن هؤلاء السيّدة زينب (عليها السلام)، التي نقل علماء الشيعة والسنّة روايةً عن تصرّفها في الكون، نستعرضها فيما يأتي.
جانبٌ من الولاية التكوينيّة للسيدة زينب (عليها السلام)
عقب فاجعة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وثُلّة من خيرة أصحابه وأنصاره، اقتاد جيش عمر بن سعد أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) أسرى إلى الكوفة، التي كانت المحطّة الأولى في مسيرةٍ حافلةٍ بالمآسي. وفي هذه المدينة، سجّل تاريخ الأسر واحدًا من أعظم المواقف في تاريخ الإسلام؛ إذ وقفت السيّدة زينب الكبرى (عليها السلام) أمام ابن زياد وأهل الكوفة، وألقت خطبتها الخالدة بشجاعةٍ استثنائيّةٍ ورباطة جأشٍ أذهلتا الحاضرين، كاشفةً عن عمق بصيرتها وقوّة حجّتها وسموّ بيانها؛ فجاءت خطبتها آيةً في الفصاحة والبلاغة، وموقفًا جسّد عظمة شخصيّتها وثباتها في أحلك الظروف.
وقد حظيت بلاغة السيّدة زينب (عليها السلام) وأسلوبها في إلقاء الخطبة بإشادةٍ واسعةٍ من علماء المسلمين (2)، غير أنّ ما يتناوله هذا المقال يتجاوز بلاغة الخطبة ومضامينها، ليتوقّف عند مشهدٍ سبق انطلاقها، وتجلّى فيه أحد مظاهر ولايتها التكوينيّة؛ وهو مشهدٌ أشار إليه علماءٌ من الشيعة وأهل السنّة، وتناقلته مصادر من كلا الفريقين.
وحين عزمت السيّدة زينب الكبرى (عليها السلام) على إلقاء خطبتها في الكوفة، أشارت إلى الحاضرين أن يُنصتوا، فما هي إلا لحظاتٌ حتى خيّم على المجلس صمتٌ مهيبٌ، وسكنت الأصوات سكونًا لافتًا، حتى إنّ أجراس الإبل التي كانت تُسمع في المكان كفّت عن الرنين. وقد أورد أبو عبد الله أحمد بن محمّد الهمدانيّ، المعروف بابن الفقيه، وهو من علماء أهل السنّة في القرن الرابع الهجريّ، هذه الحادثة في كتابه "البلدان"، فقال: «وقد أومأت إلى الناس أن أنصتوا، فارتدّت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثمّ قالت: الحمد لله والصلاة على نبيّه» (3).
كما يروي الشيخ الطبرسيّ (رحمه الله) في كتاب "الاحتجاج" مشهدًا مماثلًا، إذ يقول: «فَأَوْمَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهما السلام) إِلَى النَّاسِ بِالسُّكُوتِ، قَالَ حِذْيَمٌ الْأَسَدِيُّ: لَمْ أَرَ وَاللَّهِ خَفِرَةً قَطُّ أَنْطَقَ مِنْهَا، كَأَنَّهَا تَنْطِقُ وَتُفْرِغُ عَلَى لِسَانِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَقَدْ أَشَارَتْ إِلَى النَّاسِ بِأَنْ أَنْصِتُوا، فَارْتَدَّتِ الْأَنْفَاسُ وَسَكَنَتِ الْأَجْرَاسُ» (4).
وبناءً على ما تقدّم، فإنّ الروايات التاريخيّة الواردة في مصادر الشيعة وأهل السنّة تذكر أنّه ما إن أشارت السيّدة زينب الكبرى (سلام الله عليها) إلى الحاضرين حتّى سكنت أجراس الإبل، وخيّم على المجلس صمتٌ مهيبٌ قلّ نظيره. ويرى كاتب المقال أنّ هذه الحادثة تجلٍّ من تجلّيات الولاية التكوينيّة للسيّدة زينب (عليها السلام).
ويجدر التنبيه إلى أنّ إثبات الولاية التكوينيّة للأشخاص الصالحين لا يقتصر على الرواية المذكورة، بل إنّ عددًا من علماء المسلمين صرّحوا بإمكانها أيضًا. ومنهم داود بن سليمان النقشبنديّ، العالم الشافعيّ في القرن الثالث عشر الهجريّ، الذي أكّد قدرة أولياء الله الراحلين على التصرّف بإذن الله تعالى (5)، ورأى أنّ كرامات الصالحين لا تنحصر في الحياة الدنيا، بل قد تظهر لهم كراماتٌ أيضًا في عالم البرزخ (6).
واللافت أنّ أحمد بن الصدّيق الغماريّ، وهو من علماء أهل السنّة المعاصرين ممّن لم يلتزموا بالتقليد المذهبيّ، صرّح بذلك أيضًا، فقال: «وكان سيّد الدبّاغ رحمه الله من الأولياء،.. وكنّا مرّةً في دار بعض الإخوان، وهو جالسٌ بجنبي، وخطر لي خاطرٌ عظيمٌ في شأنه، فانحنى على يدي يقبّلها من غير سبب، وذلك أمام الناس، فعلمت أنّ ذلك تنازلٌ منه وتواضعٌ لأجل الخاطر الذي خطر لي في شأنه، وكان وهو بفاس يرسل إليّ وأنا بطنجة، يخبر بأمورٍ غريبة، ويقول: أنا معك بين المرقعة والنعال» (7).
الخلاصة
خلافًا لما يذهب إليه الوهّابيّون من منع الاعتقاد بالولاية التكوينيّة لأولياء الله، تورد المصادر التاريخيّة شواهد عديدةً على كراماتٍ ظهرت على أيدي كثيرٍ من أولياء الله. ومن ذلك ما نقله علماءٌ من الشيعة وأهل السنّة بشأن السيّدة زينب (سلام الله عليها)، إذ أشارت في مجلسٍ بالكوفة، فخيّم الصمت على الحاضرين، حتّى سكنت أجراس الإبل، وهو ما يُستدلّ به على ولايتها التكوينيّة. وبناءً على هذه الشواهد، يرى كاتب التقرير أنّ الولاية التكوينيّة لأولياء الله أمرٌ ثابت، وأنّ الاعتقاد بها لا إشكال فيه.
المصادر والمراجع
(1) أحمد بن عبد الرزّاق الدويش، فتاوى اللجنة الدائمة، ج 6، ص 259، الرئاسة العامّة للبحوث العلميّة والإفتاء.
(2) خير الدين الزركليّ، الأعلام، ج 3، ص 67، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشرة، 2002م.
(3) ابن الفقيه، البلدان، ص 224، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، 1416هـ.
(4) أحمد بن علي الطبرسيّ، الاحتجاج على أهل اللجاج، ج 2، ص 304، منشورات مرتضى، مشهد، الطبعة الأولى، 1403هـ.
(5) داود بن سليمان النقشبنديّ، المنحة الوهبيّة في الردّ الوهّابيّة، ص 23، دار الشفقة، تركيا، 1421هـ.
(6) المصدر نفسه، ص 39.
(7) أحمد بن الصدّيق الغماريّ، جؤنة العطّار، ج 1، ص 57.
إعداد: محمّد باغجيقيّ
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرر: أمين فتحيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك