الجمعة 29 مايو 2026 - 00:04
تقريرٌ تحليليٌّ لوكالة أنباء الحوزة: ثقافة المقاومة هي السمة الهويّاتيّة للشعب الإيرانيّ البصير

وكالة الحوزة - لقد أثبت الشعب الإيرانيّ في ثلاث حروبٍ مفروضةٍ أنّ ثقافة التضحية والمقاومة والروح الملحميّة في صدّ شرور العدوّ وعدوانه هي سمته الهويّاتيّة التي تحوّلت اليوم، بفضل اللّه تعالى، إلى نموذجٍ يحتذيه جميع الأحرار في العالم.

وكالة أنباء الحوزة - على الصعيد العالميّ، يقرّ كلّ من رصد عن كثبٍ الملحمة الكبرى للشعب الإيرانيّ إبّان حرب السنوات الثماني (مع صدّام حسين 1980-1988م) بأنّ اسم هذا الشعب وذكراه باتا مقترنين بـ"المقاومة والملحمة"؛ وهذه الثقافة تضرب بجذورها في الهويّة والمنبت التاريخيّ لهؤلاء الناس الذين لم ولن يرضخوا يومًا للظلم والجور والاستسلام في مواجهة القوى الشيطانيّة والأجانب.

ومع ذلك، فقد شكّل انتصار الثورة الإسلاميّة ومن ثمّ واقعة الدفاع المقدّس التي امتدّت ثماني سنواتٍ، المحطة الأبرز التي نقلت تلك الثقافة المتجذّرة في الوجدان الإيرانيّ من حيّز القوّة إلى الفعل، لتتجسّد وتتجلّى في أبعادٍ مختلفةٍ وبصورةٍ أكثر وضوحًا من أيّ وقتٍ مضى.

المقاومة الموحّدة.. سرّ التغلّب على الأجانب

يعتقد الدكتور روح اللّه أحمد زاده كرمانيّ، الأستاذ الجامعيّ والباحث في القضايا الاجتماعيّة، أنّ التجربة التاريخيّة قد أثبتت أنّه كلّما وُجدت المقاومة والصمود، انفتحت الأبواب لتحقيق نجاحاتٍ كبرى وانتصاراتٍ حاسمةٍ. ويمكن التماس هذا الأمر بوضوحٍ في حرب السنوات الثماني، وكذلك في أحداث حرب الاثني عشر يومًا وحرب رمضان (1)؛ إذ إنّ الحضور الواسع والبارز للشعب في مختلف الساحات بروح المقاومة والتضحية والإيثار، كان دائمًا الضامن لاستمرار الانتصارات، وأثبت أنّ الرأسمال الرئيسيّ للبلاد يكمن في تماسك الشعب وتكاتفه.

وأضاف: في الحقيقة، إنّ استعادة الانتصارات التي تحقّقت في مراحل مختلفةٍ لم تكن تعتمد على القدرة العسكريّة فحسب، بل، إلى جانب دور القيادة وتوجيهاتها، فإنّ هذا الحضور الجادّ للشعب في الساحات الاجتماعيّة والوطنيّة هو الذي يلعب الدور الأساسيّ. فكلّما نزل الشعب إلى الميدان بوعيٍ ودرايةٍ وشعورٍ بالمسؤوليّة، أُحبطت كثيرٌ من مخطّطات الأعداء الرامية إلى إثارة الفوضى وزعزعة الاستقرار.

حضور الشعب؛ مربكٌ لحسابات الأعداء

وتابع هذا الأستاذ الجامعيّ قائلًا: لطالما عوّل أعداء إيران بشكلٍ خاصٍّ على إثارة الاضطرابات الاجتماعيّة وتفتيت التماسك الداخليّ، إلّا أنّ حضور الشعب في الشوارع والساحات الاجتماعيّة قد قلب هذه الحسابات مرارًا وتكرارًا. وإنّ هذا الحضور الميداني والوطنيّ قد وضع البلاد في موقعٍ متفوّقٍ في مواجهة الضغوط والتهديدات الخارجيّة، وحال دون تحقيق أهداف الأعداء.

وأشار إلى أنّ المقاومة الوطنيّة الإيرانيّة تملك جذورًا عميقةً في تاريخ هذه الأرض، مؤكّدًا أنّ الشعب الإيرانيّ وقف، على مرّ القرون، متّحدًا صامدًا في وجه كلّ ما رأى فيه تهديدًا للمصالح الوطنيّة من قبل الأجانب؛ بدءًا من نضال أبناء الجنوب وقيام "رئيسعليّ دلواريّ"(2)، وصولاً إلى نهضة "الميرزا الشيرازيّ"(3)، و"قائد الغابة" (بالفارسيّة: سَردارِ جَنگَل)(4)، وقيام "ستّار خان" و"باقر خان"(5)، وكذلك مجاهدات "بي‌بي مريم بختياريّ"(6)، فكلّها تشكّل جزءًا من الذاكرة التاريخيّة لمقاومة الشعب الإيرانيّ.

المقاومة جزءٌ من هويّتنا الوطنيّة

وتابع أحمد زاده: إنّ هذه الخلفيّة التاريخيّة العريقة تبيّن أنّ المقاومة بالنسبة للإيرانيّين تُعدّ جزءًا من هويّتهم الوطنيّة والتاريخيّة. فكلّما تعلّق الأمر بالدفاع عن البلاد وسلامة أراضيها ومصالحها الوطنيّة، وقف الناس كدرعٍ فولاذيٍّ موحّدٍ في مواجهة التهديدات، وهذه الروح هي التي جعلت إيران تظلّ غير قابلةٍ للانكسار في المنعطفات التاريخيّة الحسّاسة.

ضرورة إعادة القراءة التاريخيّة للصمود في وجه الاستكبار والاستبداد

ومن جانبه، أشار مهدي إسماعيليّ، الباحث في مجال الدفاع المقدس والناشط الثقافيّ، إلى التأثير المذهل للثورة الإسلاميّة والتوجيهات الحكيمة للإمام الراحل (قدّس اللّه سرّه) في تبيين وتطوير ثقافة التضحية والمقاومة في المجتمع الإيرانيّ، قائلاً: بدأت قضيّة المقاومة تتبلور في قلوب الناس منذ أن تردّدت أصداء خطابات الإمام الخمينيّ (قدّس اللّه سرّه) قبل الثورة الإسلاميّة بقوّةٍ وسعةٍ في المجتمع؛ لأنّ رسالة الإمام كانت في الحقيقة هي الصمود والمقاومة ومقارعة الظلم، وكان المقصود بالظلم آنذاك هو الظلم الداخليّ؛ نظرًا لأنّ إيران كانت تابعةً للمستعمرين الظالمين كالولايات المتّحدة.

وأضاف مبيّنًا: بل لو أردنا العودة إلى أبعد من ذلك، فيمكننا اعتبار نقطة البداية لتشكّل هذا الخطاب هي الفترة التي أصدر فيها الميرزا الشيرازي فتوى تحريم استعمال التبغ والتنباك؛ إذ يمكن اعتبار هذه الواقعة منعطفًا مضيئًا، من حيث إنّها من أوائل الوقائع التي صمد فيها الناس بشكلٍ جادٍّ ومنسجمٍ للغاية تحت قيادة مرجعٍ دينيٍّ في وجه ظلم الحكومة آنذاك. أمّا إذا اتخذنا من نهضة الإمام (قدّس اللّه سرّه) منطلقًا وتقدّمنا إلى الأمام، فنصل إلى الثورة الإسلاميّة، فإنّ أبرز منعطفٍ في مسألة المقاومة والصمود، بعد انتصار الثورة، هو بلا شكٍّ الحرب المفروضة التي استمرّت ثماني سنوات.

وأردف قائلًا: في أوائل الحرب المفروضة، شبّه إمامنا وقائدنا الشهيد سماحة آية اللّه السيّد علي الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، في صلاة الجمعة بطهران، صدّامَ بـ "ابن عبد ودّ" الذي كان يحارب أمير المؤمنين عليًّا (عليه السلام) في حرب الأحزاب؛ والقاسم المشترك بين هاتين القضيّتين هو أنّ جميع أعداء النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) اتحدوا في حرب الأحزاب، وتكرّر الأمر نفسه في زمن الثورة الإسلاميّة؛ حيث اتحد جميع الأعداء ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة. وبناءً على الوثائق التي نُشرت في السنوات التي تلت الحرب، فإنّ صدّام كان على تنسيقٍ مع جميع دول المنطقة، وكانت كافّة الدول المطلّة على الخليج الفارسيّ على علمٍ بالحرب قبل اندلاعها بأشهرٍ، وقدّمت لصدّام الوعود بالدعم والمساندة، وهو ما فعلته طوال سنوات الحرب وظلّت سندًا راسخًا له. كما أدّت الدول الكبرى والقوى العظمى، ولا سيّما الولايات المتّحدة التي أعطت العراق الضوء الأخضر ليطمئن باله بشأن الحرب، دورًا أساسيًّا في هذا الإجماع.

النصر الإلهيّ في ظلّ الصمود والدفاع عن الحق

وتابع إسماعيلي مضيفًا: في مثل هذه الظروف، كان الإمام (قدّس اللّه سرّه) يؤكّد أنّه لا يمكننا التغلّب على هذا العدو إلّا عندما نكون صفًّا واحدًا، ونقاتل متكاتفين وموحّدين ونقف بثباتٍ. ورغم أنّ إمكانيّاتنا وأسلحتنا كانت أقلّ بكثيرٍ من العدوّ، إلّا أنّ نتيجة الصمود هي النصر، وهذا هو الوعد الإلهيّ. ولهذا السبب تمكّنّا من الصمود ثماني سنواتٍ في وجه عدوٍّ كانت جميع معدّاته مؤمّنةً وتُستبدل باستمرارٍ ولم يكن يواجه أيّ مشكلةٍ من هذا القبيل.

وقال مبيّنًا: إنّ السبب الأهمّ الذي أدّى إلى استمرار خطاب المقاومة والملحمة حتّى الآن بعد عقودٍ من نهاية الحرب ومرور نصف قرنٍ على انتصار الثورة الإسلاميّة، هو، في الحقيقة، إدخال ثقافة التضحية والمقاومة والشهادة في صلب حياة الناس.

اتباع سيرة إمامي الثورة الإسلاميّة وتوجيهاتهما

وأضاف إسماعيليّ موضحًا: لقد بدأ الخمينيّ الكبير (قدّس اللّه سرّه) هذا المسار، ثمّ بعد رحيله، كرّس قائدنا الشهيد الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالّى عليه) أيضًا بقوّةٍ مضاعفةٍ كلّ جهوده لجعل هذه الثقافة جاريةً وساريةً في أزقّة إيران وشوارعها، مستخدمًا كلّ أداةٍ ثقافيّةٍ ممكنةٍ لهذا الغرض، واليوم يسير القائد الثالث للثورة الإسلاميّة سماحة آية اللّه السيّد مجتبى الحسينيّ الخامنئيّ (مدّ ظلّه العالي) على نفس هذا النهج والسيرة تمامًا.

وختم إسماعيليّ بالقول: علينا أن ندرك أنّه طالما وُجد الظلم والجور والاستكبار كخصمٍ ومانعٍ أمامنا، فإنّ المقاومة ستظلّ موجودةً وقتالنا سيستمرّ. لقد تعلّمنا من مدرسة الثورة الإسلاميّة ضرورة أن نحوّل خطاب المقاومة إلى خطابٍ عالميٍّ، وهو ما يتحقّق اليوم بفضل اللّه وببركة روح الشعب الإيرانيّ، ونحن نلمس شواهد ذلك بوضوحٍ في مختلف بقاع العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) إنّ «الحرب المفروضة الأولى» يُقصد بها الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، و«الحرب المفروضة الثانية» يُقصد بها حرب الاثني عشر يومًا بين إيران وإسرائيل (13-24 يونيو 2025)، و«الحرب المفروضة الثالثة» أو «حرب رمضان» يُقصد بها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عام 2026 (التي بدأت في 28 فبراير 2026/ 10 شهر رمضان 1447)، والتي أدت إلى استشهاد آية الله العظمى الإمام الخامنئي (رضوان الله عليه).

(2) رئيسعلي دلواري (1882-1915م): من أبرز قادة الثورة الدستورية وقائد «قيام الجنوب» ضد الاحتلال البريطاني في محافظة بوشهر أثناء الحرب العالمية الأولى. تصدى للقوات البريطانية التي حاولت احتلال بوشهر ومنطقة «دلوار» (مسقط رأسه). قُتل غدراً برصاصة من الخلف على يد عميل نافذ ودُفن في وادي السلام بالنجف بجوار مرقد الإمام علي (عليه السلام). أُعلن يوم استشهاده (12 شهريور / 3 سبتمبر) في إيران «اليوم الوطني لمقاومة الاستعمار البريطاني».

(3) الميرزا محمد حسن الشيرازي (1815-1895م): المعروف بـ«المجدد الشيرازي» أو «الشيرازي الكبير»، من أبرز مراجع التقليد الشيعة. تصدى لامتياز التنباكو الذي منحه ناصر الدين الشاه القاجاري لبريطانيا (1890م)، فأصدر فتواه الشهيرة بتحريم استعمال التبغ، مما أجبر الحكومة على إلغاء الامتياز. توفي في سامراء ونقل جثمانه إلى النجف ودفن بجوار مرقد الإمام علي (عليه السلام).

(4) الميرزا كوجك خان (يونس استادسرائي) (1880-1921م): من أبرز قادة الثورة الدستورية الإيرانية وقائد «نهضة الغابة» في منطقة جيلان (شمال إيران). شارك في فتح طهران (1909م) إلى جانب المجاهدين الدستوريين ضد محمد علي الشاه، ثم عاد إلى جيلان ليقود مقاومة ضد الاحتلالين الروسي والبريطاني. وبعد وفاته قَطَع خصومُه رأسه، ثم نُقل جسده إلى رشت (شمال البلاد) ودُفن في منطقة سليمان داراب.

(5) ستّارخان (1866-1914م) وباقرخان (1861-1917م): المعروفان بـ«سردار ملّي» و«سالار ملّي»، من أبرز قادة الثورة الدستورية الإيرانية. قادا مقاومة في تبريز (شمال غرب البلاد) ضد القوات الحكومية بعد قصف محمد علي الشاه القاجاري لمجلس الشورى وتعليق الدستور، وحافظا على روح المقاومة أثناء حصار تبريز وانتشار المجاعة. وبعد فتح طهران، لقيا استقبالاً شعبياً حاشداً. أمّا ستارخان فقد أصيب برصاصة في قدمه أثناء اشتباك مع القوات الحكومية، ومات متأثراً بجراحه بعد أربع سنوات في طهران، ودُفن في مرقد الشاه عبدالعظيم. وأمّا باقرخان فقُتل غدراً على يد لصوص أكراد قرب قصر شيرين (غرب البلاد)، ثم نُقل جثمانه إلى تبريز ودُفن في مقبرة طوبائيه.

(6) بي بي مريم بختياري (1874-1937م): ابنة حسين قلي خان إلخاني، من زعماء قبيلة البختياري النافذين. إنها كانت من النساء النادرات اللواتي حملن السلاح في تاريخ إيران الحديث. وشاركت في فتح طهران (1909م) إلى جانب المجاهدين الدستوريين ضد محمد علي الشاه، وقادت مقاومة مسلحة ضد المحتلين الروس والبريطانيين في الحرب العالمية الأولى. كرّمها القيصر فيلهلم الثاني بوسام الصليب الحديدي تقديراً لدفاعها عن الدبلوماسيين الألمان. لها مذكرات مطبوعة. دُفنت في أصفهان.

لمراجعة التقرير باللّغة الفارسيّة يُرجى الضّغط هنا.

المحرّر: حسن رحمانيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha